شيء من اللغة.. الموازنة والمقارنة 2 – 2
    الخميس 18 أبريل / نيسان 2019 - 12:35
    د. هادي حسن حمودي
    باحث وأستاذ جامعي عراقي - لندن
    قلت في الحلقة السابقة إن الموازنة بين أمرين لا تشترط تعادل الكفّتين، فللمُوازِن أن يثقّل إحداهما ويخّفف الأخرى، وله أن يساوي بينهما، بأن يضع ثقلا هنا أو يخفف من ثقل هناك، فهو موازن، وعمله الموازَنة. ويختلف عن الباحث المقارِن، بكسر الراء، لأن الباحث المقارِن أقرب إلى عالم الرياضيات الذي يتعامل بحياد مع أرقامه. فالباحث المقارن يجب أن يكون محايدا بين نصوصه.
    ولمعرفة المقارنة حق المعرفة، نبدأ من البداية:
    بالرغم من أن مِنَ اللغويين القدماء مَن قرّر أن الجذر (ق. ر. ن) دالّ على جمع شيء إلى شيء، فأرى أن الأصل هو القوة والصلابة، ماديا ثم معنويا. ومنه القَرْن المعروف، مثل قرون الثيران التي يتعارك معها الأسبان. ومن دلالة الجذر على القوة قولهم في مَثَل لهم: (فلانٌ إذا جاذبته قرينة بهرها) أي إنه يتغلب على أية عقبة شديدة تصادفه. ومنه: فلان مُقْرِنٌ لكذا، بكسر الراء، أي مطيق له، متغلب عليه، ومنه الآية (سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ) أي لسنا مطيقين له لشدته وعُسره.
    وأُطلقت القرون على جماعة الناس، لأن الجماعة قوة، كما في الآية (وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا).
    وسُمّي الحبل أو القيد القوي القَرَن، بفتح الراء، تخفيفا له من القَرْن، بسكونها، لفظا ومعنى، لأن الحبل أو القيد لا تصل قوتهما إلى قوة القَرْن.
    ومنه قول جرير:
    بلِّغ خليفتنا إن كنتَ لاقيَهُ
    أنِّي لدى البابِ كالمشدودِ في قَرَنِ
    وحين يكون حاجبا العينين متصلين، فهو القَرَن فيهما، والقرين، الذي يقارن صاحبه، ويتواصل معه، كأنهما مثل الحاجبين تواصلا. ومنه: (قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ) بمعنى صديق وصاحب، ومنه: (وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا).
     والأسير حين يُشَدّ إلى أسير آخر، فهو قرين لذاك، وذاك قرين له.
    وإذا أردت التشابه في الذكاء قلت: صاحبك قِرْنُك في الذكاء، بكسر القاف، أي مثلك. وإن أردت تماثل العمر قلت: صاحبُك قَرْن لك، بفتح القاف، أي: في مثل سنّك وعُمُرك. وليس من الغريب أن تُسمَّى النفس قرونةً وقرينة وقرين، لأنها ملازمة لصاحبها بقوة ولا تنفصل عنه.
    والقرائن التي تستعمل الآن بمعنى البراهين والأدلة والتشابهات، كان أصلها: الحبال المظفور بعضها مع بعض.
    وانتقل اللفظ إلى المقارنة بين النصوص. وأصله أن تشدّ شيئا إلى شيء بقَرَن وهو الحبل، على ما ذكرناه.
    ومن صور هذا الانتقال أنّ دراسة أدبية ظهرت حديثا في الثقافات الأخرى، واصطُلح عليها بلفظ (Comparative) أي المقارنة، وتطورت في المصطلح الفرنسي إلى
    (La Littérature Comparée)
    وترجمت بالأدب المقارَن، بفتح الراء. مما يثير مشكلة حركة حرف الراء، هل نقول: الأدب المقارَن، بفتحها، أم الأدب المقارِن بكسرها؟
    أما الترجمة الحرفية فتقتضي فتح حرف الراء. ولكن معطيات اللغة العربية تقول شيئا آخر: هذه دراسة مقارِنة، بكسر الراء، بين المتنبي والمعري، مثلا. فهي تقارن بينهما، وأنت المقارِن في الحقيقة. ولك أن تقول: إن المقارَنة بين الشاعرين تثبت كذا وكذا، فإن أضفت كلمة الدراسة إلى المقارَنة، فليس لك إلا كسر الراء. فكلا الاستعمالين صحيح ولكنْ وفق الدلالتين المذكورتين، وابتعادا عن الانشغال بالمبني للمجهول والمبني للمعلوم. ولك أن تتوسع في الموضوع فتراجع باب الصفة وحذف الموصوف، وباب اشتقاق اسم الفاعل واسم المفعول، في كتب النحو.
    وقد تشدّد بعض الكاتبين فحدد الدراسات المقارِنة بأن تقارن بين نصوص من ثقافات متعددة، متابعة لمزاعم تقول إن الباحثين في ثقافات أخرى وضعوا هذا القيد فعلينا اتباعه. وهو زعم لا يسلم لأصحابه، فالآخرون أولئك لم يضعوا هذا القيد. وعلى فرض أنهم وضعوه، فليس من الواجب اتباعهم.
    لذا لا أرى ضيرا من أن تكون الدراسات المقارِنة، بين نصوصٍ من ثقافة واحدة، أو بين نصوصٍ من ثقافات متعددة. لأن معنى المقارَنة في اللغة العربية يسمح بذلك.

    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media