شيء من اللغة.. (وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ)(سورة الأعراف 40) (الحلقة الأولى)
    الأربعاء 8 مايو / أيار 2019 - 07:09
    د. هادي حسن حمودي
    باحث وأستاذ جامعي عراقي - لندن
    من الأسباب التي جعلتني أخصص عدة حلقات لهذه الآية للنشر في شهر رمضان أن بعض الناس تصور أنه سيد القرآن، وأنه أعرف ما يليق بالله تعالى، من الله ذاته. ففي القرن الثاني للهجرة أي بعد أكثر من مائة سنة من اكتمال نزول القرآن، ظهر من نسب إلى ابن عباس أنه قال: إن اللهَ أحسنُ تشبيها من أن يشبّه الجمل، فالخيط أو الحبل أليق بالإبرة. علما أن المشهور عن ابن عباس أنه كان يقرا الآية كما ذكرناها في أول الحلقة. وقد يكون الدافع لاختلاق هذه الرواية دافعا حسنا ردا على شبهات مثارة. ولكننا نرى الشبهات وردها، في الوقت نفسه، تنطلق من عدم فهم معنى الجمل، على ما سنراه.
    وأيا كانت نيات من اختلق الرواية فليس لأي أحد أن يجعل نفسه سيد القرآن ولا أن يدخل النص القرآني الكريم في متاهات الحذف والتقدير والإعرابات المختلف فيها، ولا أن يُبيح لنفسه مسخ النص الرائع الجمال بتلك الأفاعيل، وما إليها.
    وسأتناول هذا الجزء من الآية، كلمة كلمة، وسأدع النص يكشف عن نفسه بنفسه، على وفق منهج التنمية اللغوية المستقى من طبيعة اللغة العربية، بذاتها ومن ذاتها، من غير رأي سابق، أو تدخل لاحق.
    أبدأ مع الفعل الأول (يدخلون).
    هذا الفعل من الجذر (دخل) الدالّ على نوع من الولوج. لا على الولوج، كما زعم بعض المعجميين العرب. فالدخول شيء والولوج شيء آخر، كما سنرى. ولفظ الدخول من الشيوع والانتشار بحيث لا يُفسَّر بلفظ آخر، ولذا قال ابن منظور: الدخول نقيض الخروج. وحق له ذلك إذ كان كتابه موجها للعرب، فكلاهما من الشيوع والانتشار بمستوى واحد. لكن غير العربي يصعب عليه فهم معنى إحدى الكلمتين إلا إذا عرف معنى الأخرى.
     وقد صنّفه بعض النحويين القدماء مع الأفعال المتعدية أي التي تصل إلى المفعول به من غير حرف جر. وثمة شواهد عديدة جاء الفعل فيها متعديا، مثل قوله، تعالى: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا) وغيرها. وإن كان فريق منهم تجرّأ فقدّر (دخل إلى المدينة) على جري العادة التي ترتضيها الصنعة النحوية في الاختلاف.
    ونتيجة هذا التصنيف، اضطروا إلى التدخل في النص القرآني فقالوا بزيادة حرف الجر حين لا يصل الفعل إلى المفعول إلا بذلك الحرف، كما في الآيات: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الايمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) بدلا من (يدخل الإيمان قلوبكم). واشتدت خلافاتهم في إعراب الآية: (وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ) والآية: (وَقَد دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ) وأمثالهما. وما كان أغناهم عن هذا العناء لو تفهموا اللغة بناء على السياق، فالفعل الذي يصل إلى مفعوله هو فعل متعدّ، وهو نفسه إذا لم يصل إلى مفعوله فهو فعل لازم. فيُبعدون تقديراتهم المتناقضة من الحذف والتقدير وغيرهما عن لغة التنزيل العزيز.
    ومن حيث اللغة، فثمة معان أخرى للكلمة، كما في قولهم: أنا عالمٌ بدُخلَته: يعني باطن أمره. والدَّخَل: العيبُ في الحسب وكأنه قد دخل فيه ما يعيبه. والدخيل: الضيف والملتجئ لقوم. وفلانٌ دخيل في بني فلان: إذا انتسب إليهم ولم يكن منهم. وعلى الرغم من أن ابن دريد قد استعمل هذه اللفظة كثيرا فإن ابن منظور زعم أنها ليست من كلام العرب بل أُدخلتُ فيه، ولكنه لم يكن دقيقا في هذا، فقد وردت في نصوص فصيحة ذكرها المعجميون أنفسهم.
    وداء دخيل، لأنه داخل البدن، قال الشاعر: 
    فتُشفَى حزازاتٌ وتقنعَ أنفسٌ
    ويُشفى هوىً بين الضلوع دخيلُ
    ونخلة مدخولة: عفنة الجَوف. وهذا المعنى ورد في الآية: (تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ) ويلتقي هذا المعنى إلى حدّ ما مع (دغل) الدال على قريب من هذا المعنى.

    ونلتقي في الحلقة الثانية، إن شاء الله.
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media