شيء من اللغة.. ولوج الْجَمَلِ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ (الحلقة الثانية)
    السبت 11 مايو / أيار 2019 - 14:21
    د. هادي حسن حمودي
    باحث وأستاذ جامعي عراقي - لندن
    (و ل ج): الحديث عن أصل هذا الجذر، من أي لفظ جاء؟ وحالات استعماله؟ وأي طريق سلك في تطوره؟ مسائل مهمة لكنها لا تعنينا هنا، فالحديث عن لفظ ورد بهذه الصورة وهذا التركيب ليؤدي دورا معينا في جملة معينة، هي الآية الأربعون من سورة الأعراف.
    أما المعجميون فقد ذكروا له عددا من الاستعمالات، وبنوا عليها قولهم إنها تعني الدخول، وأمّا ما نراه فإن معاني تلك الاستعمالات متطورة عن دلالة أكثر قدما. على ما سنذكر.
    ومن أمثلتهم: ولج في منزله، وولَجَ البيتَ ولوجا. فصارت الوًليجة الدّخلاء. والخُرْجَة الوُلْجَةُ للذي يكثر من الدخول والخروج عبر  الوِلاج الذي هو الباب.
    وقرّر ابن فارس أن الوَلَج: الطريق في الرمل. واعتبره قياس الجذر أي أصل تطوراته واستعمالاته. ولكن النظر الدقيق في الجذر يدلّ على قياس آخر. وربما كان الذي أدّاهم إلى هذا القول، ما ذكروه من أنّ الوِلاج: الغامض من الأرض والوادي. فالسير في الرمل فيه صعوبة، خاصة رمال الصحراء والبيداء التي يتعسر السير في رمالها حيث تغوص الأقدام ويصعب التنقل من مكان لآخر، مما نتجت عنه المقولة المعروفة (وعثاء السفر): يراد بها التعب والعناء.
    وقريب منه ذلك قولهم للسباع والحيّات أنها الوالجة. ومن أمثال العرب: الشرّ تالج ووالج
    ومثلها الوِلاج: منعطفات الوادي الغامضة، إذ كانت مخيفة للقوافل، حذر أن يكون عدو يترصد وراءها. ولذلك امتدح الشاعر ابن قيس الرقيات الوليدَ بن عبد الملك، فأضفى عليه من صفات القدرة ما شاء، فقال:
    ........ ولم
    تعطِف عليه الحُنيّ والوُلُجُ
    لوقلت للسيل دع طريقك والـ
    موج عليه كالهَضب يعتلجُ
    لارتدّ أو ساخَ أو لكان له
    في سائر الأرض عنك مُنْعَرَجُ
    فالوُلُج: الأزقة والمنعطفات. أراد أن الممدوح لم يكن يخاف من المنحنيات والمنعطفات من الطرق الغامضة المخيفة. وأن في وسعه أن يأمر السيل فيغير اتجاهه، وللأمواج الهائجة يأمرها بالهدوء فتهدأ وتستكين.
    والوَلَجة: موضع أوكهف يستتر فيه المارّة من مطر أو غيره. والتوْلَج: كِناس الظبي أو الوحش الذي يلج فيه وجعلوا تاءه مبدلة من واو كأن الأصل الوَوْلَج.
    وقالوا: وليجة الرجل بطانته وخاصته ودُخْلَتُه، أي ممن يختفي وراءه. وبه فسروا الآية (وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً).
    والرجل يكون في القوم وليس منهم فهو وَليجة فيهم.
    وانتقلت هذه الدلالات إلى ما يُحَسّ ولا يُرى من ألم ووجع. فالوًلِجة: وجعٌ شديد يلج جوف الإنسان. وهذا قريب من معنى الدخول، وقد سبق أن رأينا في الحلقة الأولى قول العرب: داء دخيل، لأنه مختف داخل البدن، فهو شيء لا تراه العين.
    فإذا كان الدخول ضدّ الخروج، فالولوج يقاربه ولكن لا ينطبق عليه.
    ذلك أن معاني (ولج) المارّ ذكرها تقريبية منتقلة من معنى أكثر شمولا، هو الدخول بأشد الضيق وأعسر التضايق. من قبل أن ينقل إلى ما يقترب من معنى الدخول المعروف.
    وقد ورد في التنزيل العزيز في عدد من الآيات الدالة على الاختفاء والاختباء بأشكال متنوعة، ومنه: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) فسروها بقولهم: يزيد من ذاك في هذا ومن هذا في ذاك. وهذا ما عرفوه إذ يطول النهار فيقصر الليل، ويطول الليل فيقصر النهار. ولكن تركيب الآية الكريمة لم يأت بصيغة (يولج من الليل في النهار ويولج من النهار في الليل) ولو كانت هذه هي الصيغة لكان المعنى الذي ذكروه سليما لا جدال فيه.
    ثم أن قوله، تعالى (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ) يعطينا معنى آخر. فكأن المقصود في ولوج أحدهما في الآخر أن يحل النهار كله محل الليل كله، ويحل الليل كله محل النهار كله، فهذا يلج في ذاك ثم ذاك يلج في هذا. وللتكوير معناه المحدد. وثمة استنتاجات أخرى.
    ونلتقي في حلقة قادمة إن شاء الله.
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media