الدورة الـ58 لاكبر تظاهرة في الفن التشكيلي العالمي بينالى البندقية للفنون البصرية "العيش في أوقات مثيرة للاهتمام"
    الأربعاء 15 مايو / أيار 2019 - 19:17
    موسى الخميسي
    افتتح بينالي البندقية ( فينيسيا) العريق أبوابه هذه الايام ، وهو يسعى بعد 122 عام على تأسيسه إلى أن يبقى متناغماً مع عصره الزاخر بالابداع  في صناعة الفن المعاصر التي ارتهنت في السنوات الاخيرة بسياقات العولمة، التي سيطرت على المعرفة والمعلومة عبر التقنيات الاتصالية الحديثة، بكل تحولاتها الراديكالية الكبرى، مجتاحة المجالات الثقافية، داخل واقع الهيكلة النظرية لقريتنا الكونية التي الغت الحدود والفواصل، حيث اصبح العمل الفني وقيمه الجمالية التي تراجعت بشكل كبير في السنوات الاخيرة لتترك المجال فسيحا امام قيم برغماتية مرتبطة بكل سياقاتها نحو الاسواق العالمية ومزادات البيع المنتشرة في كل انحاء العالم، وتزامن هذا مع ازدهار الصناعة الثقافية البصرية من خلال اقامة التظاهرات والبينالات والمزادات الكبرى، وايضا عملية الاستثمار في القطاع المتحفي.

    هذا الحدث الذي ينظّم في نسخته الثامنة والخمسين هذا العام ويستمر حتى 24 تشرين الثاني (نوفمبر)، هو من أكبر معارض الفن المعاصر في العالم، يعتبر الاقدم والاشهر في العالم في مجال العروض الدولية للفنون المعاصرة، وكان يقام كل عامين، واصبح يقام الان كل عام بتخصصين مختلفين بالتناوب، عاما للفنون التشكيلية الجميلة ثم عاما لفن العمارة، يعتبرسوقا كبيرا منفتحا لالوان واشكال، تبدو كانما تتحرك في فضاء ناطق من الكتل والرموز والايحاءات. فالمساحة الكبيرة المخصصة للعروض، على شكل سرادق، ليست جدارا، ولا هي مرتكزا  تستند اليه هذه العوالم والصروح والمنصات الفنية المتفاوتة الابعاد والنماذج المعمارية والبلاستكية، الثابت منها والمتحرك، بل هي، تشكيلة من فضاءات مبدعة تمنح الرؤية طابع الثراء الفني والخصوبة الثقافية والحضارية الانسانية، انها حوارات فنية تمزج بين الواقعي وبين الخيالي في ترسيخ قيم الهوية الفنية المبدعة. انها عرض لما وصلت اليه سيرورة الفن التاريخية والتطويرية باعتبار الفن انفعال باطني يتأثر نفسيا وذهنيا ضمن حيز الوجود الانساني. وتحت عنوان " العيش في أوقات مثيرة للاهتمام "، يجمع الناقدالاميركي " رالف روكوف " الذي اختير ليكون المشرف العام "القيّم" على هذا الحدث الفني الذي يعتبر الاكبر والاهم عالميا منذ انطلاقته عام 1895 ، حيث يشارك 79 فناناً من 57 بلداً  على سطح احد جزر هذه المدينة العائمة، حيث يشتمل البينالى على أربع وأربعين فعالية رديفة موزعة في أنحاء البندقية. من جهة اخرى منح الفنان الالماني من اصول هندية "جيميا دورهام" جائزة الاسد الذهبي الاولى تقديرا لانجازاته الفنية النحتية المتميزة، وهو يعتبر واحد من اشهر الفنانين الغربيين، اذ تميزت اعماله التركيبية التي يختار اجزائها ويرّكبها لتحمل رؤوس جماجم حيوانات، بالغرابة في تأويلاته، منحته ميزة الولوج الى اسرار فنه.

    والعنوان الرئيسي هو "القيام بمقاربة جديدة عن العلاقة بين الفن والفنانين والمسار الحالي للأحداث" مع الأخذ في الاعتبار "التغيّرات الجذرية التي حصلت في العقدين الأخيرين" على الصعيد الاجتماعي والتكنولوجي والاقتصادي والبيئي. وأشار رئيس البينالى ، الايطالي باولو باراتا إلى أن "العالم الذي نعيش فيه اليوم، يظهر انقسامات وجروحاً عميقة" قائمة على "عدم المساواة" ما ينبئ بـ "مستقبل غامض". وعلى رغم التقدم الكبير المسجل على صعيد المعارف والتكنولوجيا، يرى رئيس البينالى الايطالي، أننا لا نزال منخرطين في"عصر من القلق" نجح الفنانون المشاركون في هذا الحدث بتجسيده.

    الزائر لأجنحة الدول المشاركة ، سيفاجأ بازدحام الوسائل التقنية الحديثة التي  أكثر من استخدامها فنانو الحداثة من المدرسة المفاهيمية، وما حملته من مدارس متفرعة واساليب عديدة تمثلت في الفن الاعتدالي ، وفنون الارض، وفنون الجسد، والفيديو، الا ان هذا المشاهد سيفاجأ ايضا بعودة اللوحة المسندية بكل عوالمها، لتعيد كرامتها بافتتان وابداع كبيرين، بعد ان اصابت التخمة التعددية للوسائط التقنية الجديدة في معظم المحترفات الفنية الغربية، والتي اصابت عدواها محترفات العالم الثالث .تميزت تظاهرة هذه الدورة بغلبة العنصر النسائي المشارك، والاقتصار على التجارب الجديدة للفنانين الاحياء.

      بعد ان ابتكر الفن لنفسه وظيفة اخرى، من الصورة الافتراضية الى الصورة الرقمية في واقع محكوم بالتكنولوجيا التي يتزايد تصرفها في صناعـــــــــة "العمل الفني"، وهي الصورة الفوتوغرافية والمجسمات الملونة، من الاعمال التجهيزية واعمال التركيب والمشغولة على ركائز فكرية مركبة تستدعي لتنفيذها المناداة على عدة اشكال وادوات ومواد مدمجة في بناء واحد متماسك يدّل عليه بالعمل التركيبي و يطلق عليه بالللاتينية تسمية (استيلاسيون) وهو الطاغي في العديد من المنصات المشاركة في البينالى، وحتى اغلب  المشاركات العربية، التي اتسعت مساحتها في هذه الدورة الجديدة، حيث يقوم العمل التركيبي على جمع مواد عديدة لتوظيفها في غير موضعها في بناء "تركيب" ذي ملامح بين النحتية والمعمارية ومشغول يعين تشكيلية وزخرفية في آن واحد. ويفترض العمل التركيبي اولا ان يرتبط بتصور الفنان لتجهيزه بالجغرافيا المعمارية للموقع الذي يعتزم اشغاله في عمله، وبالفضاء المحيط لتعزيز فكرة العمل وما يفصح عنه، وهذا ما فعله الجناح الايطالي من متطلبات المكان من خلال توفير الموقع المؤاتي لاقامته. انها ذات حضور ثري يكتنز بحياة متدفقة في شرايين هذا العمل الفني العملاق الذي يشبه حوارا او تقاطعا تعبيريا وجماليا .

    وشكلت مشاركة الفنان السويسري الآيسلندي ، كريستوف بوشيل، بعمل فني لمركب ضخم، حدث غير مسبوق. وقفت مجموعة من قيّمي المعارض والفنانين المشاركين في بينالي البندقية 2019 ، يتابعون مشهدا مهيبا لإنزال جسم قارب فخم محطم إلى شاطئ أرسنال القديم بمدينة البندقية، بحيث تصبح البندقية أول محطة لعرض هذا العمل . لم يكن ذلك القارب سوى عمل فني لمركب للفنان السويسري ، وهو ذات القارب الذي حمل على متنه مئات البشر ممن كان لديهم أمل في حياة أفضل، هربا من الحروب والصراعات، فاستقر بهم المقام في قاع البحر الأبيض المتوسط، ما بين ليبيا وجزيرة لامبيدوسا الإيطالية، عقب اصطدام "قارب أحلامهم" بالسفينة التي جاءت استجابة لنداء استغاثته. نجا من ذلك الحادث المأساوي 28 شخصا فقط، بينما غرق مع القارب ما بين 700 و 1100 إنسان، لم يتمكنوا من الخروج من القارب الغارق.

    جاءت الفكرة لبوشيل، أثناء زيارته لجمعية شعبية إيطالية في مدينة باليرمو، في إطار مشروع مانيفيستا الفني عام 2017، وعلى الرغم من وضوح الفكرة الفنية، وكيفية تنفيذها، إلا أن عراقيل تنفيذها كانت كبيرة للغاية، فقد تم انتشال القارب عام 2016، ونقل إلى قاعدة "ميليلي" البحرية في صقلية، حين تم آنذاك استخراج الجثث من القارب، والتعرف عليها، وأجريت عملية ضخمة بمشاركة فرق كبيرة للبحث الجنائي والأطباء الشرعيين وغيرهم.

    البينالى، في التفاتة مهمة، قدم معرضا للفنان الارميني الراحل الشهير " آشيل جوركي  1904- 1948 " الذي ارتبطت باسمه مدرسة التعبيرية التجريدية في منتصف الثلاثينات من القرن الماضي، والذي عكس بفنه ازمة المغترب لما عاشته اميركا عام 1939 ،على ثلاثة مستويات: كفنان، في وسط عقلية سائدة ومحافظة ضد كل ماهو جديد وحديث، ثم كانسان، في بيئة مادية تفتقد التواصل الانساني، وكمهاجر" شرقي" في مجتمع عدائي تجاه هويته الوطنية.لم يكتف آرشيل جوركي طوال حياته باسلوب فني وحيد، بل ترك المجال وبشكل موضوعي للتأثيرات الآتية من فناني الماضي البعيد كـ( السوميريين) والماضي القريب، والكلاسيكيين والمعاصرين، مظهرا حرصه على التعلم بعمق وإمعان، مقتنعا بانه ليس هنالك حدود تفصل بين العصور فيما يخص الاحساس الفني الاصيل وتعبيره الذي يقوم على اسس كونية غير محدودة او مقيدة بالزمن.

    افتتح الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، رئيس مجلس إدارة معهد مسك للفنون، جناح المملكة العربية السعودية المشارك في فعاليات الدورة الحالية . يتكون العمل الفني السعودي، الذي تقدمه الفنانة الدكتورة زهرة الغامدي، من 50 ألف قطعة، ويحمل عنوانه «بعد توهم» الاحتمالات اللانهائية للوصول إلى الهدف ومعرفة الذات، بعد مراحل الشك وعدم اليقين، في محاولة لاستعادة الثقة والتفاؤل. كما افتتحت وزيرة الثقافة وتنمية المعرفة في دولة الإمارات نورة بنت محمد الكعبي، جناح الامارات العربية المتحدة. ومثل العراق بمجموعة من اللوحات الفنية ، الفنان العراقي سيروان باران، والتي عكست اعماله واقع العنف في بلاده.فاشكاله وكائناته المقهورة ،المحطة، تشكل اجسادا هشة غير قابلة للائتلام وغير قادرة على الدفاع عن نفسها.

     رومــا: موسى الخميسي
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media