شيء من اللغة.. الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ.. (الحلقة الثالثة)
    الخميس 16 مايو / أيار 2019 - 04:25
    د. هادي حسن حمودي
    باحث وأستاذ جامعي عراقي - لندن
    وصلنا الآن إلى مرتكز الآية وموضع اختلافات القدماء والمعاصرين، فيما لا ضرورة للاختلاف فيه وعليه، ولكنّ نمط التفكير وأسلوبه أوجبا ذلك الاختلاف، كما في كل شأن آخر. وسنكتفي في هذه الحلقة بذكر أهم ما قاله مفسرون ولغويون، مع شيء من التعقيب، ونستوفي الحديث لاحقا.
    نبدأ مع الطبري فقد قال في تفسيره جامع البيان في تأويل آي القرآن: (يقول جل ثناؤه: ولا يدخل هؤلاء الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها الجنة التي أعدها الله لأوليائه المؤمنين، أبدا، كما لا يلج الجمل في سمّ الخياط أبدا. وذلك ثقب الإبرة. وكل ثقب في عين أو أنف أو غير ذلك فإن العرب تسميه سَمّا وتجمعه سُموما وسماما. والسّمام في جمع السُّمّ القاتل أشهر وأفصح من السُّموم. وهو في جمع السَّمّ الذي هو بمعنى الثقب أفصح، وكلاهما في العرب مستفيض) (ص 3734). ثم يذكر شواهد على ما قال. لينتقل بعدها، إلى القراءات: سَمّ، بفتح السين، والجمَل بفتح الجيم والميم وتخفيفهما. ثم قراءة (الجُمّل) بضم الجيم وتشديد الميم.
    ويحدد معنى الجَمَل أنه ابن الناقة أو زوج الناقة. وبهذا فهو يقصد البعير.
    ويروي قراءة منسوبة لابن مسعود (حتى يلج الجمل الأصفر) (ص 3736). ولا ندري مدى أهمية هذا الوصف. 
    ومما يدعو إلى الاستغراب أن روايات قديمة ذكرت أن ابن عباس كان يقرأ الآية (حتى يلج الجملُ). ثم، وبعد مرور أكثر من مائة سنة، قيل إنه قرأ (حتى يلج الجُمّل) بضم الجيم وتشديد الميم، ونسبوا له تعليلا لهذه القراءة أنه رآها أليق بقول الله تعالى، لأن (الجُمَّل) بضم الجيم وتشديد الميم، أليق بثقب الإبرة. والجُمّل قَلْس السفينة أي حبلها الغليظ. أو جملة حبال السفينة. ثم رووا الآية بقراءة (الجُمَل) منسوبة لغيره.
    وفسر آخرون الجُمّل بأنه الحبل الذي يُصعد به إلى النخل.
    وروى الفراء عن الكسائي، وكلاهما كوفيّ، أن ناقل رواية (الجمّل) أعجميّ لا يعرف العربية. وهي بالتخفيف لا بالتشديد. وهو قول راجح صحيح.
    واكتفى ابن كثير في تفسيره (ج2/ ص 201) بالقول إن معناها: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء. ثم ذكر أنّ الجمل هو البعير.
    ونقل الزمخشري في الكشاف (2/99-100): مقولة منسوبة لابن عباس أن الله أحسن تشبيها من أن يشبه بالجمل، ولذلك اختار الزمخشري رواية (الجُمّل) التي تعني الحبل الغليظ لأن الحبل، من وجهة نظره، مناسب للخيط الذي يُسلك في سَمّ الإبرة والبعير لا يناسبه.
    ثم وردت رواية أخرى: هي (في سمّ المخيط).
    ونكتفي بهذه الأقوال، إذ ترددت في كتب التفسير اللاحقة وفي بعض معجمات اللغة. ولا نريد الحديث عن القراءات فقد سبق أن كتبنا عنها بحثا شاملا ( في الجزء الأول من موسوعة معاني القرآن الكريم حسب تسلسل النزول).
    واستمرت الخلافات في الأزمنة الحديثة، ونرى أن هذه الخلافات مؤهلة للزوال لو أمكن الوقوف أمام النص، أيا كان، بشيء من التواضع والبعد عن الاستعلاء والالتزام بعدم إخضاع النص لما يتبادر إلى الذهن من غير مرتكز قويم من لغة النص ذاته. ولكل امرئ أن يؤمن أن رأيه صواب ولكن عليه أن يقتنع أن ذلك الصواب يحتمل الخطأ، خاصة في المسائل الاجتهادية في التنزيل العزيز.
    وعلى المفسر للنص القرآني، إن جهل معنى كلمة أو تركيب، أن يعلن أنه لا يعلم المعنى أو التركيب. وليس في ذلك عيب. إنما العيب ما شاع في ندوات متلفزة ومذاعة من التسرع في ارتجال جواب فجّ.
    وليعلم كل متكلم في مسائل القرآن وسائر النصوص أن إعلانه لعدم معرفته لجواب سؤال ما، لا يدل على قلة العلم وضآلته بل يدل على مدى تحرجه ووثاقة علمه. وهو أجدى من إصدار حكم مرتجل ضرره أكبر من نفعه مما ينقل كلامه من الخطأ إلى الخطيئة، احيانا كثيرة.
    ونلتقي في الحلقة القادمة، إن شاء الله.
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media