شيء من اللغة.. الحبل والبعير وسَمُّ الْخِيَاطِ (الحلقة الرابعة)
    الأثنين 20 مايو / أيار 2019 - 15:47
    د. هادي حسن حمودي
    باحث وأستاذ جامعي عراقي - لندن
    نخرج مما ذكرناه في الحلقة السابقة إلى أن (الجمل) في هذه الآية، لدى المفسرين واللغويين القدماء والمعاصرين، يعني البعير، أو البعير الضخم، أو الحبل. وأن اللغويين ذكروا للفظ الجمل من الدلالات السمكة الضخمة، وزعيم القوم وشيخهم. وأن في الآية قراءة (الجُمّل) بضم الجيم وتشديد الميم التي تعني الحبل الغليظ، أو قلس السفينة، أو الحبل الذي تُصعد به النخلة.
    أما عن قراءة الجُمّل بمعنى الحبل، والتي أنكرها علماء لغة معروفون بالوثاقة، على ما ذكرناه في الحلقة السابقة، فأتساءل: من المعلوم أن قُطْر أغلظ حبل أو قلس سفينة لا يكاد يتجاوز الخمسة سنتيمرات، فهل تعجز التقنية الحالية وهذه التطورات الهائلة في منجزاتها عن صناعة مخيط أو خِياط كبير نوعًا ما بحيث يكون قطر سمّه (أو عينه أو ثقبه) أكثر من خمسة سنتيمترات أو حتى عشرة سنتيمترات، مثلا؟
    إن التقنية الحديثة، تستطيع، وبكل تأكيد، أن تصنع هذا المخيط أو الخياط، بحيث يمكن أن يُولَج الحبلُ في سمّه (أو عينه أو ثقبه). فهل سيدخل الجنّة أولئك (الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا) كما جاء في الآية الكريمة نفسها، ما دام الحبل قد أُولج في المخيط؟
    ولا نحسب أحدا يستطيع القول إن ذلك المثل القرآني كان خاصا بمعاصري نزول القرآن حيث لم يكن بالإمكان ولوج الحبل في سمّ الخياط لصغره. لأن هذا القول يعني أن خطاب القرآن كان مقتصرا على الحقبة الزمنية التي نزل فيها. فهو قول خاطئ.
    وعلى فرض أن معناه الحبل أو الحبل الغليظ؟ أفيمكن القول: دخل الحبل البيت؟ أوَليس هذا مثل قولك ولجت المائدة إلى الغرفة، أو في الغرفة؟ وهل للحبل أو القلس قدرة الحركة الذاتية التي يستوجبها الفعل ولج؟ وهل من عاقل يستطيع أن يقول: دخل الجبل (بالباء) إلى المدينة؟ أو ولج الجبل إليها أو فيها؟ إن إجازة هذه الاستعمالات تقتضي اللجوء إلى تأويل وتكلف لغوي لا ضرورة لهما.
    أما عن التفسير بالبعير فأتساءل: لماذا اختير البعير من بقية المعاني كالسمكة الضخمة أو شيخ القوم وكبيرهم وسائر المعاني الأخرى التي ذكر اللغويون أنها للجمل؟ وهل اختص لفظ الجمل بالبعير بحيث أينما ورد ذاك دلّ على هذا؟
    لإجابة هذا التساؤل نعود إلى ما تعارف عليه الناس، فصحاء وغير فصحاء من إحلال الصفة محلّ الاسم. فالأخطل، مثلا، معناه الأحمق والمسترخي الأذن. ثم وصف به الشاعر الأموي غياث بن غيث، وتناسى الناس اسمه وعرفوه بصفته. وفي بعض بلدان العرب يتشاتم الناس بلفظ الأخطل، وأغلبهم من عامة الناس الذين لم يسمعوا يوما بالشاعر الأخطل. وإذا كنت وأصحابك قد اصطلحتم على واحد من أصحابكم بأنه أخطل وتعلمون أنها كلمة انتقاص وإن لم تكونوا تدركون معناها بدقة، وقلت يوما: لقد رأيت الأخطل في السوق، فسيتبادر إلى أذهانهم صاحبكم المعروف بينكم بهذه الصفة. والقاعدة تقول: تبقى الصفة صفة ويظل الاسم اسما.
    وهنا علينا، أيضا، أن نفهم جملة أمور، منها:
    أ- إن المشركين كانوا يتلمسون السبل للإساءة إلى النبي، كما حدث حين نزلت الآية (قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ) حيث قالوا: كيف نتبع رجلا لا يدري ما يُفعل به ولا بمن معه؟ فهؤلاء المشركون أنفسهم لم يستشكلوا على الآية موضوع البحث وأسلوبها والتمثيل الوارد فيها فلم يقل أحد منهم: ما علاقة الجمل بثقب الإبرة أفلا قال الحبل بدله؟ لأن فيهم فصحاء - سواء كانوا من قريش أم من غيرها - يدركون أن (الجمل) معناه الشيء الضخم المهول. وأن هذا الضخم المهول لا يلج في سمّ الخياط مهما اتسع ذلك السّمّ. وإنما أطلق على البعير، والبعير الضخم، والسمكة الضخمة، وشيخ القوم، استعارة لا أصالة.
    نستكمل في الحلقات القادمة ، إن شاء الله.

    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media