من وحي الأسطورة!!
    الجمعة 7 يونيو / حزيران 2019 - 02:24
    د. صادق السامرائي
    الأسطورة , خيال جامح , وتصور طافح , ووهم جانح , يستحوذ على الإدراك الجمعي , ويستولي على اللاوعي البشري , ويسخّره للتعبير عن فحواه.
    وهي حاجة نفسية , لأنها تمنح الشعور بالدراية والمعلومية , وتوهم البشر بالإنتصار على الغيبية.

    الأسطورة , جهاز وهمي , وسراب متصور يبعث اللذة اللاشعورية , ويوظف الطاقات للتفاعلات الهذيانية الشلالية التدفق والتألق.
    وهي محاولة للقبض على المفقود , والتصديق بأن الوعي سيّد يتحكم بالوجود ويرتقي بآلة الحياة إلى أفق اليقين.

    الأسطورة , محاولة إدراكية منظمة وفقا لمنهج كامن في الأدمغة , وكأن البشر وربما المخلوقات الحية الأخرى تكنز أجهزة أسطورية , تطلق محتواها وتبدي رؤاها وفقا للعناصر المتوفرة في المكان والزمان , فما دام هيكل الأسطورة وعناصرها متشابهة عند الأجناس البشرية بثقافاتها المتنوعة , فهذا يؤيد أنها منبثقة من جهاز دماغي واحد.
    وهي آلية لإضفاء المعقولية على اللامعقول , فالبشر كائن فيه نسبة كبيرة من الجنون الذي يرسم خارطة سلوكه , ويشكّل هيكل وعيه ويصمم هويته الذاتية والموضوعية.

    الأسطورة طاقة إرادة مجهولة , وكينونة مغفولة , وإنصباب طاقوي في أوعية الوعي البشري للتعبير عما لا يمكن إدراكه والتحقق من صحته وصدقه ومنتهاه.
    وهي إبداعات ذهانية إمعانية ذات رؤى إيقانية تتوشح بأردية وهمية.

    الأسطورة تحمل أجوبة على أسئلة مجهولة ذات أهمية موصولة ببدء وختام البشرية , وما دامت محطات الختام غير معلومة  , فأن الأسطورة تحاول أن تجد ما يشبه الجواب , الذي يبعث الراحة والأمل والتفاعل الأصدق مع الحياة , فالبشر في سفر دائب وختام أكيد , وهو لا يريد إيقاف السفر.
    وهي تربط المخلوق بإله مقتدر جبار منه يتحقق الإبتداء , وإليه تؤول الأشياء , وكل مخلوق بإرادته محكوم , وبإسمه مختوم , وهذا الإله لا بد أن يكون قهّارا آني الحضور والتكوين.

    الأسطورة , كأنها تريد القول أن في كل مخلوق إله , أي طاقة ضابطة متحكمة بما فيه , وبما يبدو منه ويحققه في أيامه وما يكنزه محتواه , وكأنها البرهان القاطع على وجود الإله الذاتي المتحقق جمعيا , والذي تتوحد فيه جميع الموجودات.
    وهي منذ بدئها بحث دائب عن ذلك الإله الكامن في الأعماق الخلقية , الإله الطاقة الكبرى الباعثة للطاقات.
    إله يكمن في كل بذرة تسعى للإنطلاق في فضاءات الحياة.

    الأسطورة تساعدنا على وعي الخلق وفهم الغيب , والتعبير المطمئن عما فينا من التصورات والأوهام والهذيانات المتنامية.
    وهي مشروع تأسيس دعائم الخلود في المتصور البعيد , لإستحالة ذلك فوق التراب المبيد , وتمتلك ذات الجهاز عند البشر كافة لكن مقاصدها تتنوع وغاياتها تتعدد.

    الأسطورة , كينونة ذاتية وجمعية , تعبّر عن الطاقة الموجودة في الأعماق التي يتشابه سرها ويتطابق مصدرها , ولهذا فأنها تندمج في بودقة كينوناتية كبرى تستوعب كافة الموجودات وتتمسك بالمطلق الخلاق.
    وهي جذوة التفاعل الخلقي ما بين إرادة الوعي المتصاغرة وإرادة اللاوعي المكابرة.
    وما تشير إليه أن ما لا نعرفه هو الأعظم , وسنبقى نطارد ذلك الذي لا نعرفه ونتصوره كما نعرف.

    الأسطورة , إنطلاق ما في المخلوق من أوهام وتصورات , وإنصبابها في قوالب وهياكل متوافقة مع ما يساعده على إستيعابها والتوهم بالمعرفة وأنه بالمجهول عليم.
    وهي كائن متفاعل مع الحياة ومتدفق في أنهارها , ولهذا فهي تتطور وتتبدل وتنتقل بفحواها ورمزيتها من المطلق إلى المشخصن , من اللامحسوس إلى المحسوس , ومن اللاوعي إلى المرئي.

    الأسطورة , إحساس باللامحسوس , وإمعان بإستحضار اللامعلوم ومحاولة لرسمه بريشة اليقين , وكأنها توجد في رأس مأفون وتنتشر بوبائية فائقة بين جيوش الرؤوس.
    وهي مذهب التذاهب , والتوثب والتأثير والتعبير , لأنها تمنح البشر طاقة إندفاع وإقدام ضرورية لدفع الحياة نحو محطات إستغاثية متقدمة ومتكاملة.

    الأسطورة , إعمال العقول في مفردات المجهول , وبناء هيكل وعي فتاك بأحجار اللاوعي المدججة بالأشواك , ولهذا تنوعت وإكتسبت ملامح أهلها وأماكنها وأزمنتها , لكن خارطة بنائها واحدة الملامح والغايات.
    وهي أكاذيب محبوكة في مسلة مرموقة , ومطلية بالمشاعر والعواطف والإنفعالات والطاقات الفوارة , التي تدرّعها وتدفعها للتمترس في قبضتها العصماء , وأنها كائن حي يسبح في فضاء معتم يحاول التشبث بالأضواء.

    الأسطورة , أيقونة أوهام ذات كينونة صيروراتية جماعية ضامة ومحفزة على صناعة النظام , وبناء عمارة الإصمات وإستحضار الأجوبة الخرساء.
    وهي كائنة كونية في أعذاق علوية , وعناقيد سفلية , تتطابق فيها الصور المتخيلة مع الصورة الفاعلة فوق التراب.

    الأسطورة , مؤلفة دورانية تتعتق فيها الخوارق والمنتهيات , فيتقطر منها سلاف إرادات تبحث عن المفقود , وعندها ميل وثاب لنكران الواجد والموجود.
    وهي إندلاعات نفسية , وإنسكابات تصورية , وتدفقات علوية في أوعية متشابكة , تريد أبهرها وفؤاد ذاتها النابض بالأمل والأشواق.

     الأسطورة , معالجة المَعاضل بأدوية التساؤل , وأوجاع التشاؤوم ببلسم الأمل والتفاؤل , والإظلام بالإشراق  , والإندحار بالإنتصار.
    إنها أجوبة على أسئلة لا تُسأل , ومواجهات لا تُغفل.
    وهي مفتاح أقفال لا تحصى , وأرتجة أبواب لا تشرع , لكنها تجتاز الأبواب , وتتجاهل الأقفال , وتغوص في بحر المغلق.

    الأسطورة , كائن فعال ومنهج جوال , يجمع الأجيال المتوافدة في وعاء تُطهى فيه وتنطبخ , وتنضج مساعيها وتتجمع فوق مائدة ذات أفواه جائعة.
    وهي مبعثها الخوف والتوجس والرعب المكنون في أنابيب التدفق الحياتي المنسكبة في التراب.

    الأسطورة , كأس عذاب , وقدح خياب , وخمر تشربه الأفواه الطامعة بالدوران والغثيان.
    وهي الخمر الذي يسكر به الإنسان والإنسان , ويتواصل بالجريان لكنه يعلن أنه حيران.

    الأسطورة, سبيكة أفكار مصهورة في بودقة خيالات مجهولة , تتهاوى من علياء الفحوى , تترامى على أكتاف الصحوة , لكن الخلق نيام.
    وهي سرابات متراكمة ومعتقة في لا وعي الأجيال  , ستذهبها آفاق اليقظة , وتلغيها شمس ذات مشروع حياة , ودعوات إمطار على جبين المعنى , ومنطلق موجوع الشكوى.

    الأسطورة كلمات خيال , تستمطرها نفس تواقة , ببروق ما فيها ورعود فحواها , لتسقي بذور المعنى في تربة ذاتها المنهوكة.
    وهي النبض التائق للصخب والإرعاد.

    الأسطور هلوسات مآليس , وأوهام مذهونين تتألق في اللا وعي البشري , وتتطلع بعيون متوجسة نحو خلق يترامى في نهر الوجود الجاري.
    وهي لوحة تجريدية بإشارات رمزية عن الحياة في اللاموجود.

    فهل أنها تعبيرات عن الجنون الكامن فينا؟
    وهل أنها إبداع سكرات الموت , وتجارب غوصٍ في أعماقٍ سفلية؟
    أم أنها أحلام نفسٍ صارت علوية؟
    أو أنها شفرة أكوان تكمن في أدمغة خلقية؟

    وإنّ الكون بأسره لأسطورة إدراكية!!

    د-صادق السامرائي
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media