سماقولي و انقاذ حياة النصير شيرو! -3-
    الأحد 9 يونيو / حزيران 2019 - 20:34
    د. مهند البراك
    و وسط انفجارات القنابل و الراجمات و صواريخ المقاتلات الجوية، توالت البرقيات عن اصابة النصير  الجرئ " شيرو " اصابة مميتة، جعلتني اتخذ الاحتياطات اللازمة و حساب بأن طبابة فوجنا قد لاتفي بالغرض، و أكّدت بالجهاز على الاخ كوسره ت رسول آمر الملبند الرابع للاتحاد الوطني الكردستاني اتفاقنا، باستخدام طبابة الإتحاد في الحالات الخطيرة و باستعدادي لعلاج جرحى البيشمركة من كل القوى فيها، و جاءت الاجابة بالايجاب. حيث كان للاتحاد الوطني في سماقولي آنذاك طبابة ثابتة بُنيت في مكان حصين في احد اعماق  وادي سماقولي، و كانت مزودة بالماء و الكهرباء من مولّد .  . 
       وسط النيران وصلت الى نقطة طبابة فوجنا 31 حيث كنت، و كان الجرحى من كل القوى و من اهالي القرى متجمعين عند د. ابو رافد و مساعديه بعد اشارته لي بأنه سيقوم بالواجب .  .  وصلت سيارة بيكاب تويوتا مفتوحة عبرت الطوق المفروض !! و كانت تحمل الجريح المخطور البطل " شيرو " برفقة آمر سريته/ برانتي ابو احرار و عضو مكتبها المساعد الطبي الشجاع د. سعيد (*) الذي قام بكل الإجراءات السريعة في محاولة قطع النزيف الغزير المتدفق من منطقة الركبة من الجهة الخلفية (منطقة الرضفة popliteal region)، سواء بانواع امبولات قاطع النزيف او بشد رباط ضاغط على اعلى منطقة الإصابة (تورنيكا) لإيقاف تدفق الدم و ارخائه كل ساعة و عند الحاجة، بعد ربط مكان الإصابة بالشاش و باللفافات الطبية المعقمة .  . 
    بعد ان سلّمت على رفاقنا القادمين و سلّمت و قبّلت الجريح " شيرو " الشاحب الوجه كالليمون من اثر النزيف، بلمعان عينيه الواثقتين .  . كشفت على منطقة الاصابة بعد ارخاء التورنيكا و هو راقد في حوض السيارة المفتوح، لرؤية نقاط و مناطق النزيف اثر ارخائها .  . كانت اصابة بعتاد متفجر (بي كي سي) او قنّاص، قضمت منطقة الرضفة و تركتها عارية بعضلات و اوعية دموية ممزقة، كان الأهم منها هو شريان الرضفة الذي كان لا يزال ينبض بلمسي ايّاه، رغم جروح على جدرانه فتهللت اساريري رغم قلقي من امكاناتنا المحدودة .  .  كانت الخطوة الاولى للحفاظ على حياته هي نقل الدم اليه !!
    و كان السؤال .  . كيف سندقق بفصيلة دمه و نعرفها، و ليس لدينا المواد المختبرية لذلك؟ و من سيتبرع بدمه و الجميع متفرق في مواقع قتالية متباعدة و الجرحى المتجمعين عند طبابتنا .  . و كنا لاتجد اي بشر منظور في الممرات او في القرى التي تهدّم اغلبها . صاح آمر السرية ابو احرار :
    ـ عزيزي دكتور انا حاضر للتبرع بدمي و صحتي تتحمل ، و قد تبرعت مراراً للمرضى المحتاجين دم في السابق .  . دمي يصلح دائماً  ؟!!
    بعد ابتسامتي لأبو احرار و تفكيري بأنه قد يكون من حَمَلة فصيلة دم O  سواء موجب او سالب و بعد تقليب الفكر بسرعة، قررت ان نواصل نقل الجريح " شيرو " بالسيارة الى طبابة الإتحاد لتوفر المواد و الادوات الطبية فيها، و اخذت حقيبتي الطبية الظهرية معي، بادواتي و ملخصاتي الصغيرة و كتاب جيب جراحة الاصابات الشهير آنذاك .  . و في الطريق و تحت القصف المتنوع الذي لم ينقطع و الذي اجبر رفيقنا السائق على تبديل الطريق مراراً الى طرق و ممرات اكثر وعورة حتى كادت السيارة تنقلب بنا و نحن ننقل جريحنا !
    و كنا نتبادل النظرات عن حال الجريح .  . د. سعيد الجالس عند رأس الجريح و بيده جهاز قياس ضغط الدم حيث كان ضغطه يهبط، و انا حيث كنت اراجع ملاحظاتي و اقلّب بالكتاب و صوره الدقيقة الملونة لمنطقة الرضفة، لإستعادة و تدقيق معلوماتي و ضبطها اكثر. 
    وصلنا الى طبابة الإتحاد و كان هناك مساعداً طبياً يقوم بواجب الحراسة، الذي فتح الباب و اشار لنا على منضدة الجرحى و ماهية الأدوية و المواد و الادوات الجراحية، التي كانت محفوظة بصناديق و اخبرنا بأنه سيبقى جنبنا في موقعه القريب ان احتجنا شئ، لأن الانفجارات كانت تتواصل في محيط الطبابة .  . بعد ان فرحت لوجود قسم من مواد تحديد صنف الدم.
    طبعاً وثقت بكلام ابو احرار بان دمه يصلح لكل الاجسام التي تبرع لها في السابق، و لكن كان عليّ كطبيب ان ادقق بالموضوع و لو على عجل و الاّ سنفقد الجريح بتخثر دمه و بحالة الصد (shock ) من الحساسية الشديدة بسبب اختلاف فصيلة الدم، فلجأت الى الـ (cross-maching) بخلط قطرة من دم الجريح و اخرى من المتبرع بدون مواد تلوين حيث كانت مفقودة .  .  ثم رؤية ماسيحدث على شريحة مختبرية تحت ضوء الشمس و كان وقت ظهيرة .  . 
    كانت النتيجة ايجابية حيث لم ارى نقاط تخثّر، و قد عرضتها على د. سعيد و ابو احرار لتأكيد ذلك. و كوقاية اكثر زرقت جرعة عالية (1 غم) من هيدروكورتيزون الذي كان متوفراً هناك، في المغذيّ، و بدأنا بإعطاء الدم بشكل مباشر من ابو احرار  الى الجريح شيرو بعد الحاح مساعدي د. سعيد بان ذلك اكثر سلامة، من تجربته السابقة في الخدمة العسكرية.
    كانت حالة الجريح تتحسن بالدم .  . اضافة الى المغذي المحتوي على جرعة عالية من البنسلين البلوري اضافة الى مسكنات و مهدئات. و بعد تحسّن حالة الجريح العامة و ضغطه و نبضه، زرقت المخدر الموضعي حول المنطقة و بعمق فيها، و كان الرفيق ابو احرار بكامل صحته و بابتسامته بعد اعطاء الدم منه للجريح و منه بكمية قليلة كاحتياط الى كيس للدم، كان من اكياس طبية معقمة محفوظة في مكان بارد هناك . 
    و بعد ارخاء التورنيكا و باستخدام الكفوف الطبية المعقمة و تنظيف الجرح المركب بالسافلون ثم باليود،  مع المساعد الطبي د. سعيد بخبرته الجراحية، عملت على تقطيب جروح الشريان الرضفي  (popliteal A.)و تنظيف اوتار العضلات الممزقة المارة بازالة الميت منها في محاولة للحفاظ على اكبر نسبة منها، و وجدت غياب الوريد الرضفي بالكامل، و لم يكن امامي الاّ  ان اقتطع قطعة من انبوب جهاز نقل الدم و اثبتها بعد تعقيمها في مكان الوريد بحصرها بالعضلات لتقوم بدور انبوب ناقل للدم الوريدي او كحاجز يعطي مجال لبناء اوردة جديدة تحمل الدم العائد للقلب و تقي من انحصار الدم و تورم الساق به، الامر الذي قد يتسبب ببتر الساق !! بشرط ازالة الانبوب بعد 7 ـ 10 ايام.
    ثم و بعد نزيف العملية، و التأكد من توقف النزيف في منطقة الجرح عدا ما كان ينضح قليلاً و بتثبيت انبوب يحمل ما يتجمع من فضلات الجرح للخارج ( drainage ) ، و خياطة ما امكن من جلد المنطقة، و تضميد الجرح بالضمادات و اللفافات المتوفرة، اتفقنا انا و د. سعيد على خطة للعناية بالجرح و رفع الساق و متابعة الحالة العامة للجريح و الادوية و الاهمية القصوى لإزالة انبوب نقل الدم الذي ثبّته داخل الجرح كما مرّ، و بدأنا نتهيأ للعودة الى نقطة تجمعنا في طبابة الفوج 31 .  .
    (يتبع)

    7 / 6 / 2019 ، 
    مهند البراك
     ahmedlada@gmx.net

    (*) الشهيد البطل د. سعيد (هاني دنحا)، كلداني من اهالي برطلة و من عائلة مناضلة لاقت الامرّين على ايدي جلاوزة صدام الذين استمروا على اعتقال و مطاردة العائلة الكبيرة و عائلته الصغيرة .  . مساعد طبي عضو مكتب سرية برانتي / الإداري، كان نصيراً متعدد القابليات، مقاتلاً جريئاً و مساعد طبي كفوء بامكانه ان يقوم مقام طبيب، متزوج و له ابناء اكبرهم (رافد). استشهد في معركة عنيفة ضد ازلام النظام في منطقة برانتي ـ اربيل، بعد شهور .

    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media