هل بغداد مسؤولة عن دفع رواتب كردستان؟
    الأثنين 10 يونيو / حزيران 2019 - 17:43
    صائب خليل
    قال عبد المهدي: ".. احنا ما نريد نعتدي على الرواتب.. هذا حق لأبناء شعبنا في كردستان". 
    وقد انتشرت الفكرة بنجاح بين العراقيين كسبب اخلاقي معقول، وفي هذه المقالة نراجع الفكرة لنرى إن كانت كذلك، أم هي تغطية أخلاقية لعملية سطو وتفتيت للمجتمع.
    لنبدأ أولاً من الدستور الذي يقول ان توزيع النفط يجب ان يتم "حسب النسب السكانية" وليس حسب "نسب رواتب الموظفين"! فالموظفين يمكن ان يزيدوا وينقصوا بلمح البصر، كما ان رواتبهم يمكن ان ترفع وتخفض كما تشاء الحكومة المحلية ودوائر المحافظة. وبالفعل ما ان علمت كردستان ان الأمر سيأخذ هذا المنحى حتى قدمت زيادة مهولة في حجم رواتب الموظفين بلغت 50% من السنة الماضية حسب تصريح مسؤول في تحالف النصر. وطبعا لا يوجد أي قياس لدى الحكومة للتأكد من ذلك. والحقيقة اني استغرب لماذا لم تزد كردستان رواتب موظفيها بنسبة 100% او حتى 150% لتتمكن من الحصول على كل إيراداتها بشكل "رواتب" لموظفين فضائيين، بدلا من الـ 50%. 
    هل حكومة المركز مسؤولة عن هؤلاء الموظفين؟ بالتأكيد، ولذلك فهي تعطي الحصص من الموازنة لكل محافظة حسب نسبتها السكانية ليتم توزيعها من قبلها على الموظفين والخدمات وغيرها. 
    ماذا لو رفضت السلطة المحلية في أية محافظة، تسليم رواتب موظفيها لهم؟ عند ذاك يجب عن حكومة المركز ان تعتبر تلك السلطات قد سطت على المبالغ وان تصدر أوامرها بالقبض عليها، ثم تقوم بإسعاف المواطنين من موظفين وغيرهم، لحين تمكنها من استعادة ثروتهم من الذين سطوا عليها. 
    وماذا لو كانت السلطة المحلية لا تستلم المال من الحكومة الاتحادية وانما من ثروات المحافظة مباشرة؟ هل مازال الأمر يعتبر جريمة سطو وفق القانون؟ 
    نعم بلا شك. فكل ثروات البلد تعتبر ملكاً لكل شعبه، وقد خول حكومته المنتخبة من البرلمان المنتخب، توزيع تلك الثروة حسب النسب السكانية، مادامت الحكومة المركزية تمثل كل الشعب. ويتضح هذا من حقيقة ان استيلاء حكومة الإقليم على النفط كان بنوع من موافقة حكومة المركز، ولو لم تكن هذه مسؤولة عن الشعب وثرواته فلم السماح لها بالتدخل؟ وإن لم تكن هي المسؤولة عن كل شعبها بكل مناطقه، فلماذا تعتبر مسؤولة عن توزيع الرواتب له إن تم حرمانه إياها لأي سبب كان؟
    لذلك فسواء استولت السلطات المحلية على الأموال باستخراجها مباشرة من ارضها، أو أرسلتها إلى المركز وأعاد ارسالها لها، فهو سطو على أموال الدولة ويجب معاملة من يسطو عليها كمجرمين ملاحقين قانونياً بتهمة السطو، وان تحاول استعادة تلك الأموال بكل الطرق الممكنة. وفقط بعد الفشل في ملاحقة اللصوص واستعادة الأموال، يجب على الحكومة التفكير بالمواطنين الذين سرقت أموالهم وتعويضهم عنها باعتبارها حكومة تمثل أبناء الشعب كله ومسؤولة عن هؤلاء مثل غيرهم، وارسال ما يمكن من الرواتب على حساب أي باب آخر في الموازنة باعتبار البلد يمر بحالة طوارئ وسطو كبير على أمواله. 

    وبالفعل فأن عادل عبد المهدي حين أراد الدفاع عن موقف حكومته من الرواتب، استشهد بحالة الطوارئ التي حصلت في المحافظات التي استولت داعش على السلطة فيها، وقال: "مثلما استمرينا في دفع رواتب في نينوى في الانبار المناطق اللي سقطت لأن هؤلاء ابناءنا .. طلعت دعوات لمنع الرواتب عن نينوى وصلاح الدين والمناطق التي سقطت في يد داعش لأنها قد تسقط في يد داعش. "
    هذا يعني ان عبد المهدي يدرك تماماً أن الحالة التي تضطر فيها الحكومة الى مثل هذا الاجراء غير الطبيعي، هو في حالة سطو جهة خارج القانون على ثروات قسم من البلاد. الفرق بين الحالتين أن عبد المهدي لا يعامل من سطا على ثروة كردستان باعتباره "داعش"! بل يعتبره شريكا هاماً له في الحكومة. إنه يتغاضى تماما عن هذه الحقيقة ويقول: "الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية بموجب الدستور مسؤولة عن أبناء الشعب وهم ليسوا عرضة للصفقات او للاتفاقيات او الأخطاء او قرارات من هذا النوع لذلك الحكومة تدفع بموجب قانون الموازنة إلى المواطنين الرواتب والمستحقات .. الأمر واضح شرحناه عدة مرات."(1)
    وفي مناسبة أخرى وصف الأمر بأنه "خلافات سياسية" بين حكومة المركز والإقليم! وانه يدفع الرواتب دفاعاً عن "السلم المجتمعي".
    لكننا لا نصف العلاقة بين حكومة المركز وداعش بأنها "خلافات سياسية"، وليس بينهما اية "صفقات" او "اتفاقيات" أو "أخطاء" بل حرب. حرب بين القانون والخارجين عن القانون، كما يفترض. 
    .
    ومثلما لا يمكننا ان نعتبر حكومة المركز مسؤولة عن شعب كردستان، دون ان نعتبر ثرواته ضمن سلطتها، لا يمكن ان نعامل سلطة كردستان باعتبارها "مسؤولة عن شعبها" فنعطيها الحق بالاستيلاء على ثروته والتصرف بها من جهة، ثم لا نعتبرها مسؤولة عن شعبها عندما لا نطالبها بتوزيع تلك الثروة على شعبها، من الجهة الأخرى! 
    لا يمكن ان يكون لدينا حكومة لها حق الاستيلاء على الثروة وأخرى عليها تحمل التكاليف، إلا في حالة كون الاستيلاء الأول عبارة عن سطو غير قانوني.
    ما وصلنا اليه أن لدينا اليوم حكومة وبرلمان يدعمان لصوص كردستان السطو على ثروة كردستان، من خلال التعهد لهم بتغطية رواتب الناس فيها لكي تسكت الشعب، وتعطي اللصوص حرية التصرف بما سطو عليه من أموال!
    ماذا لو كان شعب كردستان راض عن حكومته ولا يعتبرها تسطو على ثروته بل تمثله؟ 
    في هذه الحالة لا تعتبر حكومة كردستان تقوم بسطو على الثروة، إنما تكون لدينا حكومتان لدولتين مستقلتين اقتصادياً على الأقل، ولا تكون حكومة المركز مسؤولة عن دفع رواتب كردستان، ولن يمثل امتناعها عن ذلك أي تهديد لـ "السلم المجتمعي"!
    بل ان تهديد "السلم المجتمعي” هو بالضبط ما قام به عبد المهدي ومن وضع ذلك النص في الموازنة فوضع جزءاً من العراق فوق بقية الأجزاء وعامله بطريقة يستحيل معاملة باقي العراق بها دون ان يتحطم البلد! ولا نستبعد ان هذا جزء متعمد من خطة لدعم انفصال البصرة عن باقي البلاد ضمن خطة تفتيتها. فهذا الظلم الشديد الوضوح ليس سوى دعوة لأجزاء العراق لتنفصل عن المركز. 

    إذن لا يوجد في الدستور ما يتيح التوزيع على أساس الرواتب، ولا يوجد التزام حكومي مركزي بدفعها إن لم يعتبر من سطا عليها لصوصاً ملاحقين، ولا يوجد سبب أخلاقي لذلك ان كان الشعب الكردستاني يقف مع حكومته ولا يعتبر عملها سطواً، وكل ما قيل عن تلك الالتزامات مراوغات لفظية رخيصة لتغطية حقيقة السطو المدعوم من حكومة المركز وبرلمانها. 
    لا يمكننا ان نلوم من يطمح من لصوص كردستان الى نهب عشرات المليارات من فقراء العراق، ومن يطمح من الخارج بنفط رخيص وصفقات باذخة، ومن يعمل على تفتيت العراق، أن يعتبر وجود عبد المهدي في الحكم "فرصة عظيمة"، وأن من نصبه، قد قدم لهؤلاء تلك "الفرصة العظيمة" وهم يعملون بسرعة للاستفادة من كل يوم فيها. 
    [[article_title_text]]

    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media