المعرفة بين الإنتاج والإستيراد!!
    الأربعاء 17 يوليو / تموز 2019 - 02:48
    د. صادق السامرائي
    نحن مجتمعات مستورِدة , ومن هذه المنتجات التي نستوردها ونستهلكها ونعتاش عليها ونتماهى معها هي المعرفة بأنواعها.

    فكل شيئ في مجتمعاتنا مستورد , ولا تشذ عن ذلك أنواع المعارف كالشعر والقصة والرواية وغيرها من الإبداعات , التي تقوم المجتمعات الأخرى بإنتاجها وبأصالة وخصوصية متصلة بطبيعتها , ومتواكبة مع قدراتها التفاعلية مع إرادة الحياة المعاصرة.

    فتلك المجتمعات الصوت ونحن الصدى , وهي النسخة الأصلية ونحن ننسخ عنها , وهم المبتكرون المخترعون والمبدعون , ونحن المستهلكون والتابعون , شئنا أم أبينا , فلا اصيل في مجتمعاتنا , وإنما السائد الهجين , والمستنسخ عن الآخرين.

    إن إنتاج المعرفة له علاقة قوية مع قدرات المجتمع الإنتاجية في ميادين الحياة المتنوعة , فلكي ننتج المعرفة ونكون بحق من المجتمعات المبدعة , لا بد لنا أن نحقق إنتاجية زراعية وصناعية وعمرانية , وننتج حضارة معاصرة متوافقة مع ما فينا من رؤى وتصورات خاصة بنا , أما أن نفتقر إلى أي قدرة إنتاجية في الحياة , ونعتمد على الآخرين في إطعامنا وإكسائنا وتوفير ما نحتاجه , فأننا لا يمكننا مهما إدعينا , أن نكون من المنتجين للمعرفة ومن المبدعين , فهذا هراء وتصورات منحرفة ونوازع هروبية خداعية للتنويم والتخدير , والإمعان بمزيد من الشلل والقعود على قارعة طريق الحياة.

    فالمجتمعات التي تنتج معارف تتحقق فيها هارمونية إنتاجية متوازنة في كافة جوانب الحياة , وتجد أمواج تياراتها الإنتاجية متناغمة وقد تتصاخب , لتصنع نهرا دفاقا من الإبداع والإبتكار والإضافات الأصيلة المتميزة لمواكب العصر المنير بالمستجدات الخلابة.

    وفي مجتمعاتنا تسود الثقافات الموتية المعززة بالخطابات التضليلية التدميرة , التي يتقنها المتاجرون بالدين والحياة , والتي تعزز التنويم الجماعي والتأسيس القطيعي للوجود المجتمعي , الذي يتعطل فيه العقل وتصادر الإرادة ويتمكن اليأس والإحباط والتشكي والتظلم , والتلذذ بما يقوم به المتسيدون على مصيرهم ووجودهم بأكمله , وتكون التبعية والخنوعية مذهبا ودينا وصراطا مستقيما وأمينا إلى حين.

    هذه المجتمعات لا تنتج معرفة ولا يمكنها أن تدّعي إبداعا , أو الإتيان بما هو جديد ومؤثر ومتفاعل مع مسيرة الحياة , إنها مجتمعات تتبع والتبعية مؤزرة ومؤدينة ومعممة , ولها ألف مذهب وجماعة وراية ورؤية وتأويل وتفسير حتى صار أن تكون عبدا هو الدين.

    أما إذا تساءلنا هل يمكننا أن ننتج معرفة ونحقق إبداعا أصيلا؟

    فأن الجواب سيكون نعم , إذا آمنا بأنفسنا , وتحررنا من ربقة الإستيراد والإستهلاك , وآمنا بأننا يمكننا أن نكون ونضيء عصرنا بأنوارنا الإبداعية الأصيلة , وأن نحقق هذه الرؤية الإنسانية الحضارية الواثقة , لا أن نبدد جهودنا وطاقاتنا في الإستساخ والإستهلاك والتوطين والترطين , وما شاكلها من دعوات إخمادية وتدميرية لطاقات أمة ذات قدرات حضارية أصيلة كامنة , وتعجز عن الإستثمار فيها والتعبير عنها بأدوات العصر.

    نعم نستطيع وسنأتي بالأصيل!!

    فهل من إبداع نابع من ذاتنا وموضوعنا , ومستلهما لما فينا؟!!


    د-صادق السامرائي
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media