الأغلال والاستغلال
    السبت 20 يوليو / تموز 2019 - 07:46
    د. هادي حسن حمودي
    باحث وأستاذ جامعي عراقي - لندن
    شيء من اللغة

    نواصل قراءة بعض النص السابق الذي جاء فيه: (حيث استغلينا فرصة اللقاء للحوار).
    الشأن في (استغلّينا) كالشأن في (استقلينا) المذكورة في الحلقة السابقة، اعوجاج في اللسان وصل إلى لغة المثقفين والأدباء. ولك أن تسأل هل هي من (غلى يغلي) كما تغلي الماء لتقدم لضيفك القهوة والشاي؟ أم من (غلا يغلو) كما في هذا الغلاء الذي نعرفه؟ أم هو من الغلوّ، كما في الآية: (لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ)؟ أم هو كما جاء في عنوان هذه الحلقة ذو علاقة بالأغلال والاستغلال؟ وكيف سنتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ركام الاستعمالات عبر الزمن؟
    لا أرى حاجة، هنا، لفض النزاع بين هذه الأسئلة، فلننتقل إلى تقرير أن لفظة (استغلينا) منحرفة عن الأصل اللغوي (استغللنا). وبذلك حق لنا أن نرى ما رصده اللغويون القدماء من معاني الجذر (غ. ل. ل) حيث ترتسم أمامنا استعمالات شتى، منها: الغِلّ بكسر الغين: الإمعان في الحقد، والغَلّ بفتح الغين بمعنى الشدّ والربط، والأغلال التي هي القيود. والغلّة التي تدلّ على الحصاد.
    ذلك أنك حين تغرز شيئا في شيء آخر وتثبته فيه على معاناة وعسر، كما لو غرزت شيئا في شيء آخر يقاوم ذلك الغرز، فلك أن تقول غللت ذاك في هذا. فإذا أردت تخفيف معنى الشدّة استعملت تغلغل، لأن تغلغل، تعني الدخول شيئا فشيئا، كما يتغلغل الماء في أصول الشجر، وكما في قول الشاعر:
    تغلغل حبّ عنْمة في فؤادي
    فباديه مع الخافي يسيرُ
    أي إن ذلك الحب تسرب إليه حتى انغرز في فؤاده.
    ومن هذا لك أن تقول: أدخلت المواشي في الكابينة (أنظر معنى الكابينة في حلقة سابقة). ولكنك حين تدقّ مسمارا في جدار صلب فالأفصح لك أن تقول: غلَلْتُ المسمار في الجدار فتغلّل. وهذا تعبير عن الصعوبة التي عانيتها في دقّ المسمار. فإذا أردت بيان أن الصعوبة أقل شدّة، قلت: فتغلغل. وتعرف أن غلَلت المسمار أفصح من الدق والتغلغل.
    وحين ترى شريكك في العمل قد أخفى عنك شيئا من المال، فأمامك أساليب عديدة للتعبير عن المعنى، فإذا شئت التعبير عن تفننه في إخفاء المال: قلت: غلَّ في المال أو غلّ المالَ. ومنه الغُلول الذي يجمع السرقة والخيانة والإمعان في الإخفاء. وفي صلح الحديبية (لا إغلال ولا إسلال) فالإغلال السرقة الخفية بطرق خفية. والإسلال السرقة التي تحدث ليلا. وليس المراد السرقة المادية فحسب، بل يراد، أيضا، لا غدر ولا خيانة سواء كانت خفيّة أم غير خفيّة.
    والثياب الداخلية لا تبين للناظرين فهي الغِلالة وجمعها: غُلَل، قال الشاعر:
    كفاها الشبابُ وتقويمه
    وحُسن الرواء ولبس الغُلَلْ
    والغِلّ: أشدّ الحقد يخفيه الحقود في قلبه ينتظر فرصة سانحة للأذى. فإذا ابتليت بمثله، فدع الغِلّ ينغلّ في صدره وقلبه وأعصابه حتى يُجَنّ أو يهلك. لأن الإنسان الجدير بصفة الإنسانية لا يتعامل مع الآخرين بالغِلّ والحقد والضغينة.
    وتدري أنّ من أهداف التنزيل العزيز فتح الآفاق الشاسعة للناس ليخرجوا من الصندوق الذي كانوا يعيشون فيه، نتيجة الأغلال التي فرضها عليهم كهنة الأصنام وسدنة الأوثان فمنعتهم من التمتع بحريتهم وإنسانيتهم، فأراد كسر تلك الأغلال: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ). ومن البيّن أنّ الأغلال المذكورة هنا ليست أغلالا مادية تُشدّ بها أيديهم وأرجلهم. بل هي الأغلال المعنوية التي تشمل كل ممارسات الاستعباد ومشاعر البغضاء والقسوة والأذى.
    وبعد، فإنّ الاستغلال أنواع. ويبدو أنه على اختلاف أنواعه من الغَلّة: وهي ما يأتيك من ربح مع بقاء الأصل، كغَلّة الأرض. وهذه الغلة يراها الناس، ولكن استغلالك لها وربحك منها ظاهران لك، خفيّان على الناس. والاستغلال مثله. تقول: استغلّ فلان صداقتي استغلالا آذاني، ذلك أن استغلاله لتلك الصداقة كان خفيا عليك، إلى أن انتبهت إلى أذاه الذي صرت ضحيته.
    وقانا الله وإياكم شرّ الغِلّ والاستغلال.
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media