ماهية وتكوين العلمانية.. العلمانية الكلمة، المفهوم ـ 2 ـ
    الأربعاء 28 أغسطس / آب 2019 - 19:03
    د. صلاح نيّوف
    أستاذ جامعي
    مفاهيم تحتاج لإعادة قراءة يظهر تناول مصطلح و مفهوم العلمانية النزاع " العربي" على محاولات تعريفها و دلالاتها و المغالطات في الطريقة التي استخرجت بها من سياقها الغربي. و المتتبع لتناول قضايا العلمانية وتشعباتها الفكرية أو الاصطلاحية ربما يصل إلى نتيجة بأن أحد أهم أسباب معاداة العلمانية في العالم العربي هو الجهل بها أو خلطها مع مفاهيم و مصطلحات أخرى. سنتناول هنا بعض التعريفات الخاطئة المنتشرة بين أوساط المهتمين بالعلمانية و الذين أسسوا عداوة فكرية معها بناء على هذه التعريفات التي تحتاج إلى إعادة قراءة.على موقعه على شبكة الانترنيت يرى الدكتور عبد الوهاب المسيري أن مصطلح العلمانية " ما يزال مصطلحا غير محدد المعاني و المعالم و الأبعاد "، ثم يقدم للقارئ ترجمة بأن " العلمانية " : هي ترجمة لكلمة " سيكولاريزم Sécularisme " الإنكليزية وهي مشتقة من كلمة Saeculum و تعني العالم أو الدنيا و توضع في مقابل الكنيسة، أما هذا المصطلح فقد استخدم لأول مرة في عام 1648 وهو تاريخ معاهدة وستفاليا التي أنهت الحرب الدينية في أوربا و إعلان بداية ظهور الدولة القومية " أي العلمانية ". انتهى كلام الأستاذ الدكتور المسيري.أما الشيخ الدكتور سفر الحوالي، يرى في كتابه " العلمانية نشأتها و تطورها و آثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة " : " أن لفظ العلمانية ترجمة خاطئة لكلمة Sécularisme في الفرنسية و كلمة secularity في الانكليزية، والترجمة الصحيحة لها هي اللادينية أو الدنيوية لا بمعنى ما يقابل الأخروية فحسب، بل بمعنى أخص هو ما لا صلة له بالدين، أو كانت علاقته بالدين علاقة تضاد"، ( وسنرى من خلال النص القادم مدى دقة الرؤية و التحليل لديه ). و الترجمة الصحيحة وفق الدكتور سفر الحوالي هي " ما تورده المعاجم و دوائر المعارف الأجنبية للكلمة"، ثم يقدم الدكتور الحوالي تعريف دائرة المعارف البريطانية لهذا المصطلح secularism وهو حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها، انتهى كلام الدكتور الحوالي. أما في بعض الدول العربية هناك تكفير لكل علماني لا بل شيدت قلاع على شبكة الانترنيت لمحاربتها ومن ينتمي إليها، فهي حسب الكثيرين تشبه الشيوعية في الإلحاد و إنكار الذات الإلهية. ومن هنا لابد من محاربتها وفق هؤلاء، لذلك عمدوا لتقديمها و تعريفها بشكل خاطئ و مزور و مشوه هدفه تأليب التلاميذ في الجوامع و المدارس الدينية على فكرة العلمانية، علما أنها ليست حزبا سياسيا أو جمعية للدفاع عن حقوق الإنسان أو جماعة تهدف لحرف الناس عن دينها. فهل بالفعل العلمانية مصطلح غير محدد المعالم و الأبعاد؟ وهل ترجمتها صحيحة؟ وهل استخدمت لأول مرة في عام 1648؟ أو أن العلمانية هي اللادينية أو على تضاد مع الدين أو تعني الدنيوية؟ و هل العلماني كافر و العلمانية تمزق المجتمع وتفرقه كما يرى المشايخ و الخطباء؟أولا : بالنسبة لمصطلح Sécularisation Sécularisation: هي الصيرورة التي تشير إلى المرور المتقدم من مجتمع طائفي إلى مجتمع مدني علماني. هي في العموم ظاهرة طبيعية ترافق الحداثة أو تحديث مجتمع ما. هذه الظاهرة Sécularisation لا تتوقف عند تطور سياسي و مؤسساتي للمجتمع،بل تطوير عقلية و تفكير الأفراد هو من أهم أسس هذه الظاهرة. أيضا هي نزع صفة القداسة عن كثير من ميادين العلوم أو التنظيم الاجتماعي.كما أنها ليست لا دينية أو ضد الأديان، فمعظم من نظروا لها أو كتبوا عنها، أكدوا على أنه لا يمكن بناء مجتمع " دنيوي إذا شئتم" من خلال منع الأديان أو قمعها. ويؤكد هذا جان جاك روسو في كتابه الشهير"العقد الاجتماعي" مشيرا إلى أهمية البعد الديني في كل مجتمع : " إنه ينبغي على الدولة أن كل مواطن لديه دين يجعله يحب واجباته، لكن المعتقدات في هذا الدين لا تهم الدولة ولا أعضاءها إلا بقدر ما تحمل هذه المعتقدات إلى الأخلاق و الواجبات تجاه الآخرين ". أيضا روسو له رؤية ليبرالية " للدنيوية " : " الدين هو عامل استقرار في المجتمع و للدولة ". ولكن هذا الاستقرار و الذي الدين ضروري لأجله " لا يستطيع أن يوجد إلا بفصل كامل بين الدولة و الدين". ثانيا ـ العلمانية.. المفهوم و الكلمةالأصل الاشتقاقي لكلمة " العلمانية " Laïcité غني جدا و واسع. المصطلح الإغريقي Laos، يشير إلى وحدة شعب، يعتبره كلا غير قابل للانقسام أو التجزئة indivisible، و العلماني هو إنسان الشعب، الذي ليس لديه أي امتياز يميزه أو يضعه ويرفعه فوق الآخرين : لا دوره كمسؤول عن إدارة شؤون معتقد ما، ولا سلطة قول وفرض ما يقتنع أو يؤمن به. يمكن أن يكون مؤمنا بسيطا بمعتقد معين، ولكن أيضا هو الذي يستطيع أن يتبنى رؤية من العالم غير المؤمن أو الملحد، حيث القناعة المؤسسة تختلف أو تتميز عن تلك التي يستلهمها الدين. وحدة العلمانية أو Laos هي ،في آن واحد، مبدأ للحرية و مبدأ للمساواة. فالمساواة تؤسس على الحرية في المعتقد. وهذا يعني هنا أنه لا يوجد أية قناعة روحية يجب أن تمتلك اعترافا خاصا، أو امتيازات مادية أو رمزية الحصول عليها سيؤدي بشكل طبيعي corollaire إلى التمييز. إذا المعتقد لا يستطيع ولا يجب أن يكون مغتصبا " بفتح الصاد "، فهذا يعني أن يتبنى قناعاته بحرية، وهذه الحرية ستكون واحدة بالنسبة لجميع الأفراد. ( يمكن مراجعة كتاب، دافيد هيوم، " حوارات حول الدين الطبيعي" بريطانيا 1987).وحدة العلمانية أو Laos تفهم بالتعارض مع فكرة الجماعة الخاصة، هذه " الجماعة الخاصة " تنفصل و توضع خارج الآخرين، يكون لديها حقوق و امتيازات خاصة، بل دور المشرف أو الزعيم على الآخرين.ولكن بين الخير المشترك و الناس، لا امتيازات لأحد أو لا يمكن التدخل. ضمن السياق المعاصر أو الحديث، ومن أجل التبسيط، نستطيع القول أن القناعة الخاصة للآخرين، مهما كانت من طبيعة دينية أو غيرها، لا يمكن و لا يجب أن تفرض على الجميع.الوحدة المرجعية للعلمانية ليس لها إذا أي أساس آخر سوى المساواة بين الأعضاء الذين لديهم قناعات مختلفة: إنها تمنع أن تصبح طائفة أو جماعة خاصة قاعدة عامة و تصدر قواعد للسلطة على الجميع. إنها تدعو لأحكام قانونية، تلك التي تسمح بالتعبير الحر عن كل اختيار روحي ضمن الفضاء العام، على ألا يكون " الاختيار" ناتج عن سلطان أو نفوذ ما. المساواة، الحرية : الإضاءة الاشتقاقية لمفهوم العلمانية، تسمح إذا بتلخيص تعريف العلمانية الإيجابي. العلمانية هي التثبيت و التأكيد الأصلي و الأساسي للشعب كوحدة أو اتحاد من الناس الأحرار و المتساوين. الحرية المقصودة هي بشكل جوهري حرية الاعتقاد، و التي لا تخضع لأي قانون في الإيمان"credo " أو عقيدة إجبارية. أما المساواة هي تلك التي تخص أوضاع الأفضليات préférences الروحية الشخصية. ملحد أو مؤمن، موحد أو مؤمن بعدة آلهة : و في أي حال من الأحوال لا يمكن و ليس بالإمكان تأسيس طبقة hiérarchie على أي اختيار نختاره من بين أوضاعنا الروحية السابقة. فالعلمانية هي المجتمع السياسي في داخله كل منا له وجوده و يضمن الاعتراف بنا جميعا، و الاختيار الروحي يبقى شأنا خاصا. هذا " الشأن الخاص" يمكن أن يأخذ بعدين : الأول هو شخصي بشكل قوي وكبير و فردي أيضا، الثاني جماعي ( ولكن في هذه الحالة المجموعة التي تشكّل بطريقة حرة لا يمكنها الادعاء بالتكلم باسم الآخرين أو باسم المجتمع ككل)، ولا احتلال , أو استعمار الفضاء العام لصالحها. لماذا؟ لأن الارتباط هنا ضمن مجموعة أو طائفة أو دين هو شخصي وليس باسم المجتمع المشترك الذي يربطنا جميعا. الفضاء العلماني المفهوم و المدرك لا يبنى من خلال إلحاق أو إضافة " الاختلافات المجتمعة "، ولكن بتنمية مخطط " مرجع " يتفوق عليها " أي على الاختلافات " ولكن لا ينكرها، لأنه " هذا المخطط المرجع" يقدم متطلبات مختلفا كليا عن مكوناته أو عن الأجزاء التي تكونه التي هي الاختلافات المجتمعة. المراجع المشتركة للجميع، موجهة للرقي و الارتفاع بكل ما يوحد الناس،ومن جانب آخر، اختلافاتهم لن تكون مطبوعة بطابع الاختيار الخاص لكل واحد، ولا تمتص " بضم التاء" في فسيفساء من " الهويات الجماعية"، من غير أن نعرّض للخطر وظيفة الدولة كعامل في تعميم أو إشعاع القيم.معاينة أو تحليل أكثر فأكثر يأخذ أهمية في مجتمعات توصف أو يمكن أن ندعوها " متعددة الثقافات" multiculturalisme أو تعددية ثقافية pluralisme culturel، من غير أن تبتعد هذه المصطلحات كثيرا عن الغموض و الذي يشار إليه على أنه أكثر ارتفاعا من مفهوم الثقافة. غموض يشبه في معنى واحد مفهوم"الهوية الجماعية". و لكن ألا يوجد،عكس ذلك،هوية إلا الهوية الفردية؟ سؤال سارتري " من جان بول سارتر" و الذي يمكن أن يبطل كل الحتميات المتعلقة بالهوية، و يعلن أو يسجل الانعتاق العلماني للشخص الذي يعيش في إحالة إنكار لقدره.الحيادية الطائفية للدولة العلمانية لا يعني أنها من الآن فصاعدا غير متحيزة أو مكترثة بكل قيمة أو مبدأ. على العكس من ذلك. في الواقع، الاختيار المتزامن لحرية المعتقد و المعزز بمعرفة " انعتاقية "، للمساواة في الحقوق والمعلن عنها في كل قوانين و إعلانات و بيانات تأكيد حرية التعبير عن الذات، لتعميم فضاء من المرجعية و الخير للجميع، ليس له تأثير على إزالة الأنسجة الحية نسبيا للدولة dévitalisation المدركة و المفهومة " كمدينة سياسية". إنه من جهة أخر لغريب جدا أن الحديث المعادي للعلمانية يستطيع بحركة واحدة اتهام " العلمنة " laïcisation بإنضاب الإلهام الأخلاقي للدولة و بتقديس العلمانية. فيما يتعلق بخيبة أمل العالم المنقولة إلى الدولة و التي أشار إليها " ماكس فيبر"، لا بد من الإشارة أنه لم يكن هناك في البداية معنى أو إحساس ضياع المعالم، و لكن إنها إعادة تعريف للحالات و الأوضاع و النماذج لهذه المعالم. ( يمكن مراجعة الكتاب الشهير، لماكس فيبر " الأخلاق البروتستنتية و روح الرأسمالية )حيادية الفضاء العام العلماني لا يمكن إذا نسبه إلى خطأ أو سوء بالفهم : إنها لا تشرح وتوضح أية نسبية، و لا تختصر بكل تأكيد إلى عملية قانونية تعسفية يقوم بها حكم قضائي أو أحكام قانونية " تدير التعددية الدينية". فالحيادية الطائفية ليست إلا وجه آخر للميدالية و التي هي متجردة من قلق التعميم و القيم المشتركة للجميع. إذا هي ليست متعارضة مع التعددية، بل تساعد في إمكانيتها ونشرها، كما أنها ليست متعارضة مع فصل الديني عن السياسي، لأن هذا الفصل يشكل لها بنفس الوقت شرطا وضمانا. بالاستناد إلى ما سبق، يوجد شكلان للسخرية من هذه الحيادية. إما أن نعطي امتيازا مفتوحا أو جانبيا لطائفة معينة. مفتوحا : مع دين الدولة، جانبيا : عبر نظام متصالح معها. و إما أن نترك الفضاء العام بكليته للاستثمار أمام الطوائف، و الجماعات الاستئصالية العنصرية والتي تميز بين ملحد و مؤمن،وهنا نخاطر بالقضاء على المراجع العامة المشتركة تحت فسيفساء الخصوصية المعترف بها و المكرسة فعلا. الفضاء العلماني إذا ليس متعدد الطوائف و ليس بطائفة واحدة : إنه غير طائفي. فكرتان كبيرتان لا بد إذا من إدخالهما في الفضاء العلماني. أولا، وضع خط فاصل بين المشترك للجميع، و بين الحرية الفردية، أو الحياة الخاصة. ثانيا، سيادة الإرادة التي هي مصدر قواعد الحياة المشتركة. جان جاك روسو، أصر على أن " المجتمع الإنساني عليه أن يكون اتحادا حقيقيا، على أعضائه الموافقة على المبادئ التي تؤسسه. هذه الموافقة توجد وفق أشكال متعددة، حيث تبنيها من خلال التصويت على دستور معين هو الشكل الأكثر وضوحا، ولكن إذا التوافق على الحياة المشتركة لم يصدق عليه من خلال المبادئ القانونية التي تنظم الحياة المشتركة فإن هذا الشكل لن يكون له قيمة وسيكون أخرسا. ( للتوسع في قراءة الفضاء العلماني يمكن مراجعة كتاب، ما هي العلمانية، و كتاب العلمانية و الجمهورية، هنري بينزا و كوك غي، باريس 2003 و باريس 1995 ). ( انظر أيضا، Rousseau,J.J « Lettre à Christophe de Beaumont », Paris 1964.العلمانية إذا هي مرجع و أساس للشيء المشترك بين الجميع المختلفين روحيا. نحن نعلم أن مفردة "ديمقراطية" تحتوي مصطلحا آخرا، demos، الذي يشمل هذه المرة هنا الشعب بوضعه كمجتمع سياسي. ديمقراطية و علمانية، بمعنى واحد، ترجعان إذا لفكرة واحدة : فكرة سيادة الشعب على نفسه، حيث لا يخضع لأية قوة أخرى لا يكون هو مصدرها. من هنا يستطيع أن يمتلك الشعب تلك القوة، و إلا الناس الذين يحكمون بعضهم سيستثمرون تلك الظروف و يضعون بعضهم خارج السيادة. فكرة العلمانية تهدف بدقة إلى وحدة الشعب صاحب السيادة، مؤسسة على المساواة الصارمة في الحقوق بين أعضاء هذا الشعب. إنها تشير إذا للخير المشترك كمرجعية للجميع، إلى المدينة " الجمهورية " كأساس و أفق للديمقراطية. طبعا هذا لا ينسجم مع سيطرة مجموعة أو قسم من الناس على سلطة طائفية و على كل شيء. من خلال هذا النوع أو الشكل من السلطات، التاريخ أعطى أمثلة كثيرة، و كانت دائما في تعارض مع حرية المعتقد و مع المساواة الأخلاقية و القانونية. هذا الشكل يمكن أن نسميه بالكهنوت " إما مسيحي أو إسلامي أو يهودي أو غيره" و الذي يشكل تضادا أو تناقضا antithèse مع العلمانية. هذا الكهنوت سيكون مكانا للبحث في مقال قادم. 


    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media