الإكمال والإتمام .. واختصار الكلام
    الجمعة 6 سبتمبر / أيلول 2019 - 20:47
    د. هادي حسن حمودي
    باحث وأستاذ جامعي عراقي - لندن
    شيء من اللغة

     مسألتان مترافقتان في جملة واحدة، قال:
    * إذا نوقشت رسالة دكتوراه وانتهت، فهل يصح أن نقول: تمت مناقشة رسالة دكتوراة.. إلخ؟ ألا يجب أن نقول: كملت مناقشة رسالة الدكتوراة التي.. إلخ؟
    الجواب:
    هذان السؤالان يتعلقان بموضوعين سبق نشر شيء منهما:
    الأول: حلقة شيء من اللغة بعنوان (ألفاظ زائدة) نشرت قبل 3 سنوات أو أكثر.
    الثاني: الإتمام والإكمال. وسبق أن كتبت عنهما خاصة في (موسوعة معاني القرآن الكريم حسب تسلسل النزول الجزء 5 الصفحات 304-335) وكذلك في موسوعة معاني ألفاظ القرآن الكريم – في (كمل) و(تمم). وفي مقالين صحفيين قبل سنوات.
    فلنبدأ مع الموضوع الأول: أنقل هنا ما جاء في أول حلقة ألفاظ زائدة. إذ قلت: (إن كل لفظة لها وظيفة محددة في الجملة، ولا خير في كثير من الألفاظ يضعها الكاتبون تزيّدا لكلامهم، وتضخيما لحجم مقال يكتبونه، أو كتاب يؤلفونه أو يترجمونه أو يحققونه... فنقرأ من حين لآخر: (تم تداول المعلومات من قبل الحاضرين). ألا يكفي القول: وتداول الحاضرون المعلومات؟ ومثلها السؤال أعلاه، حيث يمكن أن يقال ناقش فلان وفلان رسالة دكتوراة لفلان.. إلخ. أوالصيغة المعتادة: (تمت مناقشة.. إلخ). أما (كملت مناقشة الرسالة..) فهيا إلى الموضوع الثاني، بإيجاز غير مخلّ.
    الثاني: الإتمام والإكمال: 
    في معجمات اللّغة: يقال: تمّ الشّيء إذا كمَلَ، وأتممته أنا. وأما عن كمَل، فنقرأ أنّه يدلّ على تمام الشّيء، يقال: كمَل الشّيء وكمُل فهو كامل، أي: تامّ. ونقرأ، أيضا: والكمال: التّمام الذي يُجَزَّأ منه أجزاؤه.
    وهذا شرح قاصر، لأنّ تفسير التّامّ بالكامل وتفسير الكامل بالتّامّ لن يوضّح شيئا. ولا يمكن أن يكون اللفظان بمعنى واحد.
    وقد ورد اللفظان في القرآن، واختلف المفسرون في المراد من كلّ منهما.
    والذي نراه، بناء على استعمالات القرآن وفصحاء العرب، أن الإكمال، هو الحدّ الأقصى الذي يصل اليه الشّيء، مما لا يحتاج إلى تكملة أو تتمة أو زيادة من بعد ذلك. وهذا المعنى المعبّر عنه، قرآنيّا، بالإكمال اعتبره جمهور المفسّرين معنى (الإتمام) لا (الإكمال) وهذا الاعتبار يخالف لغة التّنزيل العزيز التي تدل على أن كّل تامّ في وقتٍ ما بحاجة إلى مزيد من الإتمام في وقت لاحق. ومن شواهدنا: (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ) أي إتماما لما عرفه سابقا.
    ولم يُذكر الإكمال في كتب الأديان السماوية إلا ما ورد في الآية (اليوم أكملتُ لكم دِيْنَكم وأتْمَمْتُ عليكم نِعْمَتي ورَضِيْتُ لكمُ الإسلامَ دينا) فالدّين قد كمل ولا يحتاج إلى إكمال. أمّا النعمة فهي وإن كانت تامّة في كلّ لحظة من الزّمن فإنها ليست كاملة لأنها تحتاج إلى إتمام في اللحظة اللاحقة. فهي متواصلة منذ بدء الخليقة وإلى الآخرة: (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ) وأيضا: (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ) بشأن الشهداء يوم القيامة.
    وفي لغة الفقهاء: (إتمام) الصلاة في الحضر وقصرها في السفر. ولا يقال إنها إكمال الصلاة وقصرها. وفي جميع العبادات جاء التمام لا الكمال. (بينا سبب ذلك في الكتابين المشار إليهما).
    ولننتقل إلى مستوى سؤال الصديق محمد كريم: لك أن تقول: أكملتُ متطلبات درجة الدكتوراة، مثلا. فتلك المتطلبات محدودة معلومة يمكن إكمالها. ولما كانت تلك المتطلبات ليست كاملة، لذلك تراها تتغير من وقت لآخر. فمن الأفضل أن تقول: أتممتُ. وكذلك حين تكتب مقالا أو كتابا أو قصيدة.
    ومن الصحيح أن تقول: (تمت مناقشة رسالة دكتوراة...) (أو نوقشت رسالة دكتوراة..) كما ذكرنا أولا. أما وصف المناقشة أو الرسالة بالكمال فبعيد عن الصواب. لأن المناقشة والرسالة جهد بشري والجهد البشري بطبيعته لا يعرف الكمال بل يُفترض أنه يسعى إلى التكامل عن طريق التطوير المتواصل الذي هو سنة الحياة.
    وسبحان من له وحده الكمال.
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media