هل إنتحر هابيل؟!!*
    السبت 7 سبتمبر / أيلول 2019 - 13:57
    د. صادق السامرائي
    كلما قرأت قصة قابيل وهابيل أتوقف متحيرا أمامها , لأنها تشير إلى سلوكيات تبعث تساؤلات صعبة وتواجه أجوبة أصعب , وكم ترددت في النظر العميق إليها خوفا من الشطط في التحليل والقراءة , لكنها معبأة بما لا يُقبل السكوت عليه.
    لماذا تقبّل الله الدم المسفوح ولم يتقبل الهدية البسيطة التي تمثل عطاء الأرض؟
    لماذا أتهم قابيل أخاه بأنه ليس من المتقين؟
    لماذا إستسلم هابيل للقتل؟
    ولماذا شجع أخاه على قتله؟
    ولماذا هذا المشهد القدري , وكأن هابيل قد أيقن بأن ساعته قد حانت وأن نهايته ستكون على يد أخيه , فاذعن وكأنه القربان لما هو مجهول؟
    وأين آدم وحواء مما جرى بينهما؟
    وهل أن القتل كان بغتة وبسبب ما أشارت إليه القصة وحسب؟
    وهل كان بينهما عداء متواصل ومتراكم , وما هي أسبابه؟
    وكيف يُعقل أن يقدم قابيل على قتل أخيه بهذه السهولة وكأنه المنوم أو الغائب عن الوعي؟
    ولماذا ندم قابيل وحمل جثمان أخيه لا يعرف ما يفعل به وكأنه لأول مرة يكون في مواجهة مع الموت؟
    ما جاء في الروايات والتفاسير , أن أخت هابيل دميمة وأخت قابيل وضيئة , وأبى أن يزوجها لهابيل , ورأى إنه أولى بها منه , وبذلك خالف العرف الذي سنه والده , كما هو الأكبر من هابيل , ويرى أن له الحق في التصرف بشقيقته الجميلة , وهذا ضرب من المتخيل المزعوم في كتب التفسير والتأويل.
    ويُزعم أن آدم طلب منهما أن يقدما قربانا لله فالذي يتقبل منه سيتزوجها , فتقبل من هابيل وما تقبل من قابيل , الذي قرر قتل أخيه على أن يزوجه بأخته الجميلة.
    فهل أن آدم قد أسهم بالجريمة , ولماذا لم يفرض إرادته على قابيل ويمنعه من تزوج أخته , ويرغمه على تنفيذ مشروعه القاضي يتزويج متبادل بين التوائم , إذ كانت حواء تلد كل مرة ولدا وبنتا كما يُذكر, فيقرر آدم إجراء التزاوج المتبادل بينهم.
    القصة فيها ما يستحضر تساؤلات.
    "واتل عليهم نبأ إبني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين*
    لئن بسطت يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين*
    إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين*
    فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين*
    فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال ياويلتي أ غجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين*" المائدة: 27- 30
    وتبدو القصة رمزية لتفسير السلوك البشري , وكأنها تقدم مثالا مطلقا عما يعتمل في النفس وما يرغمها على السلوك الآثم.
    فهناك رب وهو القوة المطلقة , ومَن يتقيه ومَن لا يتقيه أو يكفر به , وهناك إختبار قرباني يرمز إلى العطاء والتضحية , وعلى قدر التضحية يكون الإقتراب أو الإيمان.
    وهي ثلاثية أزلية على ضوئها يتحدد السلوك وتترتسم الخطوات الدافعة نحو تفاعلات دامية وقاسية بين البشر.
    فهذا ربي ولا رب سواه , وأنت معي إن كنت تؤمن بربي ,  أو عدوي إن تنكره , وبما أن ربي هو الرب فأنا مخول بقتلك والقضاء عليك , وأنا اضحي وأسفك دما في سبيل ربي , وأنت أحد القرابين التي سأتقرب بها إلى ربي.
    فالبشر يتحرك بين الالوهية والقربانية والعدوانية , وهذه الثلاثية تتحكم بالمصير البشري فوق التراب.
    والقربانية هي المعيار الواضح لمعرفة مدى قربك وبعدك عن الرب أو الإله , فأنا أسفك الدم من أجله وأنت تقدم ما هو بخس ورخيص , مما يعني أنك صاحب موقف مناوئ لربي , وتفصح عن إزدرائك له.
    وعلاقة الدم بالرب أزلية أيضا , وموضوع القرابين قد ترافق مع أولى خطوات البشر , وكانت القرابين بشرا , حتى تمكن إبراهيم حسب المرويات من الإنتقال بالقرابين من البشر إلى الحيوان الذي يمثله الكبش , أما قبل ذلك ولفترة ما بعده كانت قرابين الأرباب والآله بشر (أطفال ونساء وشباب) , والشواهد على ذلك لاتزال قائمة في العديد من المعابد الشرقية والغربية.
    فعندما قربا كانا يريدان التعبير عن قربهما من ربهما , ولو أن الوارد والمتناقل أن آدم قال لهما أن يُقربا بعد أن رفض قابيل تزويج أخته لهابيل , لأنها أجمل من أخت هابيل , وقد فاز بالإمتحان هابيل , لكن قابيل قرر أن القتل هو الحل لكي يفوز بأخته , وهذا تأويل أو نقل لا يستند على دليل , وإنما على قال فلان وذكر فلان عندما سألوه , وكأنه كان يريد أن يجد تبريرا ساذجا لهذا السلوك.
    بينما تبدو نزعة القربانية كامنة في المخلوقات البشرية ,  لكي تزداد يقينا بأنها متصلة بقوة علوية تساهم في الحفاظ عليها ورعايتها , وأن عليها أن تقدم إليها أعز ما عندها لتديم تلك الرعاية والعناية , وكأن البشر لكي يسفك الدماء عليه أن يقرن إقدامه على العمل بقوة إلهية أو كونية عليا , فيكون سفك الدم نوع من طقوس العبادة والتقرب إلى تلك القوة أيا كان إسمها وتوصيفاتها.
    وقوله لأقتلنك , تدل على أن القتل معروف وحادث وقد حصل من قبل , وإلا من أين جاءت كلمة قتل , ولماذا يعرفها قابيل وكذلك هابيل من خلال جوابه.
    أما القول بأن هذه الجريمة أول حالة قتل في التأريخ لا تمتلك سندا منطقيا ولا دليلا واضحا , والقول بأن إبليس ذهب إلى حواء وأخبرها بالقتل فاستفهمت منه عن معناه فشرحه لها فأخذت تصيح أو تعيط , قصة ضعيفة لا يقبلها العقل , فحواء من خلال هذا القول تعرف معنى الموت , لأن إبليس قال لها بأن هابيل قد مات , مما يعني أن الموت قد حصل سابقا وتعرفه جيدا.
    وقول هابيل لأخيه قابيل أن الله يتقبل من المتقين فإنه يكفر أخاه , ويخبره بأن الرب ربه وأنه ينكره لأنه قد بخل في قربانه , بينما هو قدم له أعز ما عنده من الأكباش , فأصبحت الحالة صراعا بين الكفر والإيمان , بين ربي الذي أتقيه , وربي الذي لا تتقيه أنت أو تنكره وربما تكفر به.
    وكأن النزاع بينهما حول الرب , فكلٌّ يدّعي ربه هو الرب , ولكي يثبت قابيل أن ربه هو الرب كما يتصوره لا بد له أن يقتل هابيل ويلغي ربه الذي أنكر قربانه.
    ومما يثير في القصة أن هابيل قد حرّض أخاه قابيل على قتله وذلك بتكفيره , وقوله الصريح له , بأنني متقي وأنت لست كذلك , أنا مؤمن وأنت كافر.
    كما أن القصة بإقتضابها تشير إلى خضوع غريب من قبل هابيل وإذعانية تامة وكأنه يدعو أخاه لقتله , ويأتي بتبريرات ذات علاقة بالإله , فحالما قرن سلوكه بإرادة ربه صار جاهزا للقبول بما سيحل به , ولن يدرأ الخطر عنه , وإنما سيكون مستسلما لإرادة قابيل ويسلمه أمره.
    والمرويات تشير إلى أنه ضربه بحديدة , وأخرى تقول أنه خنقه ولم يتمكن من قتله فأوحى إبليس إليه أن يضرب رأسه بحجر ففعل , وكأن هابيل ليس بشرا فيه بعض إرادة حياة ونزعة بقاء لكي يدافع عن نفسه أو يقاوم.
    هذه الإذعانية تثير تساؤلات عديدة وكأنها تقول بأن تماهي البشر مع ربه تستدعي القناعة بموته , لأنه سيكون معه في عوالم خيالية ذات مواصفات نعيمية غناء , أي أن الموت يتحول إلى إنتقالة لذيذة من التراب إلى أنوار المتعة في الغياب.
    أما قصة الغراب وكيف علمه أن يواري سوأة أخيه , فهي ترمز للعودة إلى التراب الذي خُلِق منه البشر , وأن الغراب ليذكره بأصله وأن عليه أن لا يقتل أو يقترف جريمة نكراء بحق أخيه الترابي الكيان والطباع , ولهذا أصبح من النادمين أو الذين إستيقظ فيهم الضمير ولكن بعد فوات الأوان , وموت الأخ الإنسان.
    ويمكن القول أن القصة تشير إلى جريمة مزدوجة تجمع بين القتل والإنتحار , ووفقا للقول بأن آدم هو أول خلق ربه فوق التراب ,  فيكون هابيل أول المنتحرين حسب ما ورد وقابيل أول القاتلين , وقد أسهم القتيل بترغيب القاتل بقتله , وهذا ما يفسر إدعاء العديد من القتلة بأن الضحية هي التي دفعتهم إلى قتلها , لتبرير فعلتهم وعزل ضميرهم عن وعيهم.
    فهل أن قابيل يمكن وصفه بالتطرف والإرهاب؟
    وهل أن هابيل قد عبّر عن الإنتحار اللذائذي؟
    وهل أنهما أول حالة تصادم تطرفي في التأريخ البشري؟!!
    فالقصة لا تزال بحاجة إلى دراسة أعمق وتحليل أشمل وأدّق!!
    * هذا الإقتراب من زاوية نفسية سلوكية , ولا علاقة له بالتفسير والتأويل وغيره مما قال فلان وذكر فلان , إنها قراءة مجردة , وتقييم سلوكي بحت.

    د-صادق السامرائي

    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media