الكون اللامرئي والكون المظلم وأبعادهما الخفية -1-
    الأربعاء 11 سبتمبر / أيلول 2019 - 18:40
    د. جواد بشارة
    يبدو أن الكون المرئي والكون اللامرئي متشحان بالسواد والعتمة. ففي الكون المرئي نجد أن الطاغي عليه هي مكونات مظلمة سوداء كالطاقة المظلمة أو السوداء والمادة المظلمة أو السوداء والثقوب السوداء ، فيما يتميز الكون اللامرئي بأنه مكون من مادة لا نعرفها قد تكون المادة المضادة المختفية من الكون المرئي والتي نشأت منذ ولادة الكون في لحظة الانفجار العظيم بكميات تكاد تساوي المادة العادية المكونة لكوننا المرئي حيث يعتقد العديد من العلماء أنها تشكل أكواناً موازية لكنها خفية لامرئية لكوننا لأنها لا تتفاعل معه إلا عبر الجاذبية أو الثقالة الكونية. العلماء مصابون بالذهول والحيرة ولقد بلغوا الحد الأقصى من الفهم والاستيعاب والإدراك بيد أنهم يتمتعون بمخيلة لامحدودة. يخشى الكثير من العلماء أننا قد نعيش في دوامة من أفلاك التدوير السوداء أو الحلقات السوداء épicycles noirs، للتعبير عن التشاؤم بخصوص مستقبل المنهجية العلمية المتبعة اليوم. فالنموذج  الهندسي للكون الذي وضعه الفيلسوف والعالم الإغريقي بطليموس هو نموذج مركزية الأرض géocentrique  ودوران الشمس والأفلاك الأخرى حولها والذي ساد لغاية القرن السابع عشر. وتعرض للكثير من الإضافات والتعديلات على شكل حلقات ثانوية وأخرى أدنى منها تدور حول الأرض على طريقة الـ épicycles، للاستمرار بالاعتقاد بشأن ثبات حركة الكواكب المرصودة في الفضاء القريب من الأرض في مجموعتنا الشمسية أو في نظامنا الشمسي. وبقي هذا الحال إلى أن نسفه العالم كوبرنيكوس أو كوبرنيك،  بنموذجه الشمسي المركزي héliocentrique ، القائل بمركزية الشمس ودوران الكواكب حولها، وكان ذلك النموذج أبسط وأكثر أناقة. 
    ألف سنة من أفلاك التدوير الحلقية السوداء قد تمرقبل أن نتمكن من إحداث ثورة معرفية، وهو مايخشاه العلماء بخصوص نماذج المادة السوداء الكونية . لقد قرر بعض العلماء المختصين بالمادة السوداء افتراض أن المكون الأولي والأساسي لها هي جسيمات الويمبس wimps والتي قد تكون لديها كتلة أكبر مما كانوا يعتقدون لتفسير سبب عدم رصدها وكشفها، على أمل ظهور كوبرنيكوس جديد معاصر لإجلاء الغموض وتبسيط هذا لتعقيد أو الردب العلمي من خلال مبادرة علمية تحريرية لأن الأزمة قائمة. وبسبب عدم التوصل إلى وجود جسيمات المادة السوداء الأولية مختبرياً  من خلال التجارب التي أجريت على مدى عدة عقود، فقد العلماء البوصلة التي تقودهم للوصول إلى المادة السوداء وكشف ماهيتها . من بين النظريات التي تبناها العلماء لهذا الغرض هي نظرية التناظر أو التماثل الفائق supersymétrie  حيث الويمبس wimps هو إحدى أركانها . وهي نظرية جميلة وأنيقة مبنية على التناظر والتماثل الفائق بين  الجسيمات الأولية للمادة وتفاعلاتها لكن العقبة تكمن في عدم اكتشاف أو رصد الجسيمات الأولية للتناظر والتماثل particules supersymétriques في التجارب التي أجريت في مصادم ومسرع الجسيمات الأولية LHC على الحدود الفرنسية السويسرية القريب من جنيف ، ومن ثم انهيار فرضية جسيمات الويمبس ما دفع العلماء للبحث عن بدائل أو كينونات دون مجهرية غريبة كالجسيمات الفائقة الخفة particules ultralégeres، أو الويمبسات الأكثر ثقلاً ووزناً وكتلة وحجماً ومع ذلك لم يعثر عليها أحد، وكذلك افتراض شبكات من البايتات الكمومية أو الكوانتية bits quantiques تقوم بنسج الزمكان، أو افتراض وجود أبعاد مكانية إضافية غير مرئية لصغرها، منطوية على نفسها وموازية  للأبعاد المكانية الثلاثة المعروفة والبعد الزمني الملموس كما تقول نظرية الأوتار الفائقة، أو اللجوء إلى فرضية الكتلة السالبة Masses négatives. كل هذه البدائل وغيرها تمتلك جوانب أنيقة ومغرية ولها جماليتها الخاصة وتعقيدها بل وجنونها. خاصة عندما يحاول العلماء بجدية إقناعنا بأن نفكر بأننا نعيش في كون يخفي عنا أبعاد  مكانية إضافية غير مرئية أو عالم غامض غير مرئي متداخل مع عالمنا المرئي وواقعنا الملموس لكننا لا نراه و لا نشعر به . أو بوجود واقع آخر خفي غير مرئي مليء بالآكسيونات Axions  و النيوترينوات العقيمة neutrinos stériles، يكون هو المصدر  غير المرئي لجسيمات المادة المظلمة أو السوداء الأولية. 
    للتفكير بالمادة السوداء لا بد للفيزيائيين المنظرين أو التنظيريين القيام بعملية اختيار لصياغة التطورات النظرية في هذا المجال. ولا بد من أن يدخلوا في مساعيهم الدلائل التجريبية  المختبرية  والرصد المباشر ، بل وحتى لو كان ذلك من خلال عملية الرصد غير المباشر. فالنظرية العلمية هي في واقع الأمر معادلات رياضياتية زائد تأكيدات تجريبية مختبرية عبر التجارب العلمية حيث يمكن التحقق من صحة وصواب النظرية. هناك نظريات قابلة للتجريب مبدئياً لكنها عصية على التجارب في الواقع حالياً. خاصة في حالة اختلاف لعلماء الذين يجرون تلك التجارب في استنتاجاتهم وحسم مواقفهم من النتائج المختبرية  الناجمة عن تجاربهم. والأنكى من ذلك عندما ترفض الطبيعة الانصياع والتحدث إلينا بلغة العلم لتأكيد صحة توقعاتنا النظرية وتبقى صامتة إزاء العديد من المعضلات والألغاز والأسرار والظواهر والتحديات. 
    تطلب الأمر مرور ربع قرن بين التنبؤ بوجود النيوترينو واكتشافه ورصده مختبرياً ، ونصف قرن بين افتراض وجود جسيمات هيغز وتأكيد وجودها مختبرياً ، وقرن من الزمن بين افتراض وجود الموجات الثقالية ورصدها مختبرياً . فالزمن الذي يحتاجه العلماء لاكتشاف جسيمات المادة السوداء قد يتجاوز أعمار جيل أو جيلين منهم .
    الطريقة والمنهج:
    هناك العديد من الطرق والمناهج البحثية العلمية التي يلجأ إليها العلماء للبحث في طبيعة وماهية المادة المظلمة أو السوداء والطاقة المظلمة أو السوداء والثقوب السوداء و ما يجري في داخلها، وفي صحة وصلاحية نظرية الأوتار الفائقة ، والتوصل إلى نظرية الثقالة الكمومية أو الكوانتية الخ.. . فهناك معيار الأناقة والجمال  والبساطة ، وهناك أهمية الجانب التجريبي  الذي يحدد للعلماء اختياراتهم وتحبيذهم لهذه النظرية على تلك. إلى جانب قوة ومتانة وصلادة التركيبات والبنيات  والمعادلات الرياضياتية وحلولها. هناك الكثير من النماذج النظرية لكن الطبيعة لا تساعد على حسم اختيار الأصح والأكفأ من بينها مما جعل بعض العلماء يشعر أنه وقع في فخ يقبع في أسس الفيزياء لأنهم قد يكونوا قد بلغوا نهاية الإرب أو الحدود القصوى لما يمكن للكائن البشري أن يقيسه ويفهمه أو يدركه مما تحمله شجرة المعرفة من ثمار . وقد يكون قد حان الأوان لتسليم الراية لمن هو أكفأ من الإنسان ألا وهو الذكاء الاصطناعي وسبر أغوار لغة علمية جديدة لا قدرة للبشر على استخدامها حالياً وبمساعدة الذكاء الاصطناعي التوغل بعيداً في دراسة تعقيدات وآفاق وإمكانيات الدماغ البشري الكامنة ومساعدة البشر على صياغة نظريات فيزيائية أكمل وأوسع وأشمل  مما أنتجه البشر في الوقت الحاضر. 
    ولكن ماذا لو استعصى أمر اكتشاف ومعرفة ماهية وحقيقة المادة السوداء والطاقة السوداء وأعماق الثقوب السوداء ؟ هل ستتخلى الفيزياء عن مهمة معرفة طبيعة العالم وجوهره وحقيقة الواقع وأسراره؟ . هناك عدة فرضيات عن أصل وماهية المادة المظلمة أو السوداء matière noire، إحداها تقول أن الجسيمات الأولية للمادة السوداء غير قابلة للرصد على الإطلاق ولن يمكن كشفها لأنها لا تتفاعل مع المادة الطبيعية العادية التي نعرفها بأية طريقة أخرى غير الجاذبية أو الثقالة gravitation، وبما أن هذه الأخيرة مهملة ولا قيمة لها في النطاق الميكروسكوبي فإنها ، أي جسيمات المادة السوداء الأولية ، ربما ستفلت دائماً من مصيدة كشافاتنا المختبرية الحالية وبالتالي لن يمكننا فيزيائياً معرفة طبيعتها  وجوهرها وماهيتها إذ قد يكون ذلك من المستحيلات ، ومع ذلك هناك أمل بتحقيق تقدم تكنولوجي مهم يساعد على كشف تفاعلات جسيمات المادة السوداء الأولية  ربما بطرق أخرى غير الثقالة أو الجاذبية . فلو كانت هذه المادة موجودة حقاً فلا بد أنها ظهرت في بواكير عملية ولادة الكون ، والحال أنه لا بد من عملية تفاعل جوهري في الطبيعة بين مختلف المكونات الأولية لتوليد جسيمات أولية من الحساء البدئي للطاقة الأساسية للكون الوليد. ولو تمكن العلماء من الفرز بين فيزياء  الكون المادي وفيزياء القطاع المظلم أو الأسود secteur noir، فلن يعد هناك سبب لمقارنة كميات نوعي المادة، الطبيعية والسوداء، فالنسبة التقديرية بينهما هي 1- 5 وليس فرقاً يقاس بمليار المليار ، ما يعني أن هناك فيزياء ضمنية كامنة بهذا الخصوص تربط بين آليات إنتاج جسيمات المادة السوداء الأولية مع جسيمات المادة العادية الأولية. قد تكون كثافة أو شدة  التفاعلات المنشودة بين نوعي الجسيمات الأولية للمادتين ضعيفة  بحيث سيكون من الصعب جداً على البشر في الوقت الحاضر امتلاك المعرفة الفيزيائية الضرورية  واللازمة لكشف مثل تلك التفاعلات. خاصة وإن هناك إفراط في النماذج النظرية التي تتنبأ بمثل هذه التفاعلات ، ولو كانت إحداها صحيحة فسوف نعرف منها ما إذا كانت المادة السوداء باردة وإنها موجودة حقاً وعلى نحو ملموس ومكونة من نوع معين من الجسيمات الأولية ولكن من الصعب حسم اختيار الأصلح من بين تلك النماذج النظرية. تاريخ العلم يخبرنا أننا مررنا بمثل هذا الوضع كثيراً وغالبا ما انتهينا إلى العثور على ما كنا نبحث عنه مختبرياً  وكان في الماضي في موقع المستحيل كما هو الحال مع النيوترينو الذي تنبأ به بول فولفغانغ سنة 1930 وتم العثور عليه بعد مرور 26 سنة ، وبوزون هيغز تنبأ به  هيغز سنة 64 وتم العثور عليه سنة 2014 أي بعد مرور 50 عاماً،  فالأمل لا يموت أبداً .

     يتبع

    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media