مهمّ وهامّ.. و(همّ بها)
    الجمعة 13 سبتمبر / أيلول 2019 - 11:57
    د. هادي حسن حمودي
    باحث وأستاذ جامعي عراقي - لندن
    شيء من اللغة

    وعن الهمّ سؤالان:
    الأول: ما معنى الآية (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ)؟
    الثاني: أيّهما أصح: هامّ أم مهمّ، إذا قلنا أمرٌ هامّ مثلا؟
    فأجيب:
    رأى بعض المعجميين أن الجذر (هـ. م. م) دالّ على ذَوْبٍ وجَريان ودَبيب. 
    أمّا معنى الذَّوب أو الذّوَبان فأخذوه من قول العرب: انْهمّ الشحم: ذاب. وهمّني الشيء: أذابني.
    وأمّا معنى الجريان فأخذوه من السحاب الهاموم: وهو الكثير الصَّوْب، أي الغيث. ولكنهم عادوا وقالوا: إن الهَميمة: المطرة الخفيفة. والهَمُوم: البئر الكثيرة الماء. 
    وأمّا معنى الدبيب فأخذوه من الهوامّ، بتشديد الميم وهي الحشرات التي تدبّ على الأرض.
    وأمّا الهَمّ ففسروه بالحزن. وعللوا ذلك بأنه لشدته يَهُمّ أي يُذيب. وجمعُه هُموم. وجعلوا منه هَمّه الأمرُ هَمّا وأهمّه فاهتمّ به.
    وإذا قلت: أهمّني الأمرُ. قالوا لك إنك تعبر به عن قلقك وحُزْنك. فأهمّني: أقلقني وأحزنني. وبذلك فإنهم جعلوا الاهتمام بمعنى الاغتمام، من الغمّ. ولكن الاهتمام بالشيء لا يعني الحزن به أو له. وهم أنفسهم قالوا: الهمّ ما هممت به. وكذلك الهِمّة، ثم يُشتقّ من الهِمّة: الهُمام، ومنه الشخص العظيم الهمّة، ولا يكون ذلك في النساء، حسب قول ابن منظور، وكأنّ النساء لا همّة لهنّ. وهذا من أعجب العجب في تفسير أقوال العرب.
    وأدخلَنا بعضهم في متاهة: هل البيضة من الدجاجة أم الدجاجة من البيضة؟ حين فسروا (ما) في المثل: هَمُّكَ ما هَمَّكَ. وهَمّك ما أهمَّك. حيث قالوا (ما) نافية، أي: ما أهمَّك لم يُهِمّك همُّك!
    ثم قرروا أنّ المُهِمّات من الأمور: الشّدائد المحرقة. وجعلوا منه: همّ بالشيء يهمّ هَمّا: نواه وأراده وعزم عليه. ولكنهم لمّا وصلوا إلى الآية (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) اختلفوا، على جري عادتهم في تفسير آيات التنزيل العزيز. فقال فريق: همّت زليخا بالمعصية مصرّة على ذلك. وهمّ يوسف بالمعصية ولم يأتها ولم يُصرّ عليها. وقال فريق آخر: هذا على التقديم والتأخير كأنه أراد: ولقد همّت به ولولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها. ويدري القائلون بهذا أن التقديم والتأخير لا يتمّان إلا لسبب بياني بلاغي، ولا نرى سببا لهما هنا، فلا تقديم ولا تأخير.
    واختلفوا في معنى (برهان ربه)، فقال جماعة: إنه أصيب بالعجز وذاك هو برهان ربه. وقال آخرون: إن برهان ربه أنه لمّا همّ بها في المرة الأولى رأى أباه جالسا عن يمينهما فامتنع عنها، وفي المرة الثانية رآه جالسا عن يسارهما، فامتنع عنها.. إلخ.. ولم يقدّم أي فريق منهم دليلا على ما يقول. وانظر ما رواه الطبري عمّن سبقه بمن فيهم بعض الصحابة والتابعين، في تفسير الآية بما يناقضها ويناقض الآية التي قبلها (قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ).
    وجاءهم الوهم من فهمهم للفعل (رأى) أنه وقع أثناء الحادثة. ولم يلتفتوا إلى دلالته على زمن ماض سبقها. فيوسف كان قد رأى برهان ربه من قبل ذلك بسنين: حين حدّث أباه عن حُلمه الذي رآه، وحين ألقوه في غيابة الجب أوحى إليه ربه: (وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ). فلولا أنه كان قد رأى برهان ربه من قبل لهمّ بها. مما يذكرنا بالآية: (وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً).
    وأما السؤال الثاني: مهمّ أم هامّ؟ فبناء على معاني الجذر وقياسا على قول العرب: (فلانٌ مُعِمٌّ مُخْوِلُ) أي كثير الأعمام كثير الأخوال، وللفرق الواضح بين مُعِمّ وعامّ نصل إلى حقيقة جديرة بالأخذ. هي أن دلالة (مُعِمّ) دلالة خاصة. فكونك مُعِمًّا أمر يخصك وحدك. فإذا كان الأمر لا يخصك فحسب، بل يعمّ الآخرين معك، فهو أمرٌ عامّ. وكذلك هنا: أمر مهمٌّ يهمّك وحدك. وأمرٌ هامّ يهمّ الجميع. فكلاهما صحيح ولكن باختلاف الدلالة.

    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media