أَنَبقى بَعدَك؟!...
    الثلاثاء 17 سبتمبر / أيلول 2019 - 20:32
    أبو تراب كرار العاملي
    الحضور على قِسمَيْن: "مباشر" و"غير مباشر".

    أما الأول، فيتجسّد بالحضور الشخصي للطرف المعني، فيحضر بشخصه وبكافة قواه وقدراته. فيجلس بينهم، يحادثهم ويسامرهم، يناقشهم ويحاججهم، يمازحهم ويلاطفهم، يتابدل معهم أطراف الحديث ويتناوب معهم حول مختلف جزئياته. ابتسامةٌ فَمُداراة... وغيرها من الوضعيات الحضورية الكذائيّة التي جرت العادة على ملاحظتها في جلسات بني البشر التواصلية.

    أما الآخر، فهو حضور من نوع مغاير، حيث الغياب الجسدي يُعَوِّضه التواجد الآثاري. ولهذا الأخير تجلّيّات متنوعة: كتب، مؤلفات، خطب، تسجيلات صوتية ومرئية (في عصرنا)، دروس، حِكَم ومواعظ، نصائح وإرشادات...

    ولا يخفى على المُلاحِظ أن من الممكن بمكان اجتماع القِسم الأول مع بعض مصاديق القِسم الآخر فيحضر أحدهم وتحضر معه القِيَم النَّيِّرة فيغدق على المستمعين بعض أوجه القسم الثاني. وهنا قد يُسَجَّل مرور سريع واقتحام سهل لبعض مفردات القسم الثاني ـ في محضر القسم الأول ـ إلى المقاصد المبتغاة... ألا وهي عقول المُتَلَقّين وأفئدة المُتَعَلِّمين.

    من هنا، أهلاً بكم إلى الولوج للساحة التأملية المتعلقة بالشعار العاشورائي "أَنَبقى بَعدَك؟!...".

    ما المقصود به؟

    من المؤكد ـ وقبل الشروع بإظهار بعض التفاسير والرؤى حوله ـ أنه ذو قيمة عملية مهمة في مسيرة العبد الموالي وليس شعاراً مُجرّداً استُفيد منه لكي يملأ مكاناً عابراً في موسم يمرّ ويرحل.

    في المقصد العملي لهذا الشعار، لا بأس بتقسيم المُستفيدين إلى فَوْجَيْن:

    أحدهما، الثّلّة المؤمنة الطّاهرة التي كانت في خدمة سيد الشهداء(ع) يوم عاشوراء وتحت لوائه ولنصرته.

    ثانيهما، الزُّمرة الموالية والعشّاق الذّائبون في محبتهم لأبي الأحرار(ع) والذين لم يشهدوا واقعة الطف لبعدهم الزمني عن أحداث هذه الفاجعة المؤلمة، جعلنا الله ـ وإياكم ـ منهم.

    أمّا الصنف الأول، والذي أكرم الله أفراده بأروع أنواع الشهادة المتمثلة بالارتقاء شهداء بين يَدَيْ سيد الشهداء(ع)، والذين تشرّفوا بالاحتكاك بالإمام(ع) وفق الحضور بقسمه الأول المشار إليه أعلاه، فمن الممكن تطبيق الشعار العاشورائي ـ "أَنَبقى بَعدَك؟!..." ـ عليهم وفق المنحى التالي:
    من بعد رؤية جمال الحسين(ع) والذي يُجَسِّد جمال الله "عز وجل"، لا طاقة للنفوس ولا إقبال للقلوب أن تستمر في الحياة وسيدها ومُلهمها غائبٌ عنها. ولسان الحال يردد بكل ثبات ووفاء: إما أن نبقى برفقتك وتحت إرشاداتك المباشرة وفي ظل ضياء إشراقاتك، أو نسبقك إلى جنان الخلد، إلى جوار جدِّك وأبيك وأمِّك وأخيك، في مقعد صدق عند مليك مقتدر... وننتظر قدومك المبارك. فلا مجال للبقاء ـ ولو للحظة ـ في الدنيا بدون الحسين(ع)، نبقى سَوِيّاً أو نمضي قبلك، فالحسين(ع) بمثابة الرئة التي نتنفّس من خلالها، وغيابه كغياب الهواء. إن غاب... تغيب معه إمكانية البقاء.

    أما الصنف الثاني، فأركانه يتمتعون بدورهم بميزة مهمة مفادها وجود هذا الربط العشقوي النّوعي والمُمَيَّز بينهم ـ أي أفراد هذا الصنف ـ وأهل البيت(ع)، دون معاشرتهم ورؤيتهم البصرية لهم، وإنما التماس حضورهم المبارك الغير مباشر (راجِع بداية المقالة وتَأَمَّل بالقسم "غير مباشر")، فوجود هذه العلقة الملفتة والعلاقة الوجدانية الفريدة دون المرور بعامل الاحتكاك المادي إنما يُعَبِّر عن خاصّيّة مميزة خصَّ بها الله "تعالى" عباده الصالحين.

    وعليه، يَحضُر الشعار العاشورائي ـ "أَنَبقى بَعدَك؟!..." ـ في أوساط هذه الفئة الموالية وفق التوجيه التالي:
    صحيح أننا لم نتشرف برؤيتك بصريّاً يا أبا عبد الله، إلا إن إدراكنا الوجداني لِكُنْهِ نورانيّتك وتماهينا مع مسلكيتك الربّانيّة دفعانا للانسياب إليك والمُضي على خطاك المباركة والاغتراف من معين عطاءاتك إلى درجة أننا لا نستطيع الاستمرار دون الإتيان على ذكرك المستمر وإحياء ذكراك وإقامة مجالسك، وقبل ذلك وخلاله وبعده الثبات على مبادئك التي ضحّيتَ من أجلها وبذلت الغالي والنفيس في سبيل إبقائها برّاقة تحفظ دين الله "جلَّ وعلا" وتُرَسِّخ معالمه وتنير دروب السالكين إلى مولاهم الحق. فلا سبيل للبقاء إلا في كنف عطاء الحسين(ع) وتحت إرشاداته وفي ظلّ توجيهاته الشريفة.

    وبما أنه تمّ اعتماد هذا الشعار ـ "أَنَبقى بَعدَك؟!..." ـ في أرض وطننا العزيز، لا بأس بالعروج وإطلاق الإشارة بلسان الحال:

    مقاومتنا الإسلامية الاستثنائية باقية على نهج الحسين(ع)، وتستمدّ قوتها من إرثه المبارك، تستلهم منه ومن أهل بيته الأطهار وأصحابه الأبرار أروع تعاليم الشجاعة والثبات... وتاليّاً الانتصار الإلهي، مع حساسيّة الوضع والضغوطات القائمة والعقوبات الضاربة، إلا أنه في حضرة أبي الأحرار(ع)، خيارٌ واحدٌ مُتاح: العزة والكرامة والنصر.

    [وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ].


    أبو تراب كرار العاملي

    [[article_title_text]]

    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media