إعادة إنتاج “الحريم” ومثلبته
    الأربعاء 18 سبتمبر / أيلول 2019 - 18:41
    أ. د. محمد الدعمي
    كاتب ومؤلف وباحث أكاديمي/أريزونا
    استقطب لفظ "حريم”، بعد إدخاله اللغات الأوروبية، كناية عن حال المرأة في الشرق العربي الإسلامي هالة من المعاني المشوهة حتى أضحى مفهوما لصيقا بنسائنا عبر العالم الغربي، للأسف.
    ولذا، لا يفلت متابع أدبيات الثقافة والسياسة الغربية الخاصة بالمجتمعات العربية والإسلامية من رصد تركيز هذه الأدبيات على موضوع المرأة وقضية تحريرها عبر هذه المجتمعات، تحت عنوان "الحريم” Harem أو Hareem. حتى إذا ما أدار المستمع مذياعه لالتقاط بث أي من المحطات الإذاعية الغربية، فإنه لا بد وأن يصادف برنامجا أجنبيا من نوع التصيد في الماء العكر تحت عنوان "قضايا المرأة”، وهي مبثوثات تعتني بأوضاع المرأة عبر البلدان العربية والإسلامية خاصة، دون نسيان تحريض المرأة ضد مجتمعها بادعاء العمل على "تحسين” حالهن وفك قيودهن من طغاة البيت السمر: مثل الأب والأخ والابن؛ أي هؤلاء الذين يوقعون (بحسب التصوير الغربي) أقسى العقوبات البدنية والنفسية ببنات أسرهم. ولا تختلف محطات البث الأثيري المحلية المتلفزة في بلداننا الشرقية (أحيانا) عن هذا النوع من التصوير الذي يُسيء تمثيل المجتمعات الشرقية عبر توظيف ثغرة يعدها العقل الغربي نقطة ضعف أو "جبهة رخوة” يمكن من خلالها اختراق مجتمعاتنا على سبيل تبرير التدخل في شؤونها ومن ثم الدعوة إلى "إصلاحها”. وعلى سبيل المثال لا الحصر، لنلاحظ اشتراط الإدارة الأميركية في العراق (2003-2011) تمثيل المرأة بنسبة 25% في كل مجلس إداري أو تمثيلي، وكأن هذه الإدارة تلقن العراقيين دروسا من نوع جديد في كيفية التعامل مع المرأة وخصها بالاحترام المناسب!
    ومن ناحية أخرى، يرصد المهتمون بالاستشراق وبنقده هذا الاتجاه المهم من المدخل الاستشراقي بسهولة، نظرا لأنه اتجاه دأب على فكرة العويل وذرف الدموع من أجل المرأة في المجتمعات الشرقية عامة والمسلمة خاصة، بوصفها واحدة من أهم "عوامل الإعاقة” التي حالت بين هذه المجتمعات، من ناحية، وبين التقدم، من ناحية مقابلة. بيد أن الأخطر في هذا السياق لا يكمن في حال "التأمل الرومانسية” المتعاطفة مع المرأة الشرقية "الحبيسة”، حسب تصويرهم غير العادل لها، بل هو إحالة هذه "النزعة الرومانسية” التي تبدو بريئة على السطح لتغدو سلاحا للصدام الثقافي: لقد تم "تسييس” قضية المرأة وتحريرها في الشرق كي يمكن تأبطها "شرا” على سبيل تجسيم مثالب هذه المجتمعات وتضخيمها، بل والتدخل في شؤونها. ومن الناحية التاريخية، تتجسد هذه الحال في الخطاب الاستشراقي والاستعرابي على نحو عام، ذلك أن واحدا من أهم المبررات التي اعتمدها التدخل البريطاني المبكر في الهند، إذ ارتكن إلى فكرة تحرير المرأة من الممارسات السادية التي كان يمارسها الهندوس من أقدم العصور، خصوصا بقدر تعلق الأمر بعادة "حرق الأرامل” أنفسهن طواعية، المسماة "ساتّي”، بعد وفاة أزواجهن. لذا عمد الصولجان البريطاني في الهند لتبرير بقائه (الذي كانوا يريدون له التواصل للأبد) عبر الحديث عن "الجميل” الذي أسداه التاج الإمبراطوري للمجتمع الهندوسي عن طريق منع ممارسة هذه العادة السيئة، ناهيك عن سواها من العادات التي كانت تحط من شأن المرأة.
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media