لو لم تكن المعارضة موجودة لصنعناها
    الخميس 26 سبتمبر / أيلول 2019 - 11:20
    عادل نعمان
    كاتب وإعلامي مصري
    مقولة الفيلسوف الفرنسى «فولتير» قالها فى شأن آخر، لسنا فى محله أو فى موضعه الآن، ودعونى أتصرف فيها تصرفا محدودا ومقبولا «لو لم تكن المعارضة موجودة لابتدعناها أو صنعناها» وأضعها هنا بجوارى، وأنزلها منازل بلاد لا تقتنع بها ولا ترضاها سبيلا، وتطمئن وتفرح بطريق خال شاغر عقيم، وفى اتجاه واحد، وربما تصل القافلة دون تنبيه أو تحذير أو رأى معارض، إذا أخلص ربانها وأوفى وعدل والتزم.
    وبلاد كثيرة صنعتها وأبدعتها وأتقنتها، وكانت تحت العين والحاجب، حتى المعارضون الحقيقيون الصائبون والمتخاصمون فيها، لم يكن فى علمهم أن سقف معارضتهم وصراخهم واستهجانهم كان فى حدود ما يصنعه نظامهم، وأن الأيادى التى تصفق وتهتف لهم وتشير إليهم بعلامة النصر والتأييد هى أياد من صنع نظامهم أيضا، وكذلك يفعلون ولا يعلمون، براعة الأنظمة أن تصنع ملعبا يتبارى فيه المتنافسون والمعارضون والمشجعون والمؤيدون والمحايدون، كل يهتف ويصرخ ويؤيد ويعارض ويرفض ويوافق، والحكم حاد قاطع صارم فى الحق وبالقانون، قرارته لا يتنازل عنها إلا إذا راجعه المتخصصون والعالمون بمجريات اللعبة، ولا يستجيب للغوغاء أو أصحاب المصالح من جمهور على حساب الآخر، يعدل القرار والحكم والفكرة، وهو رافع الرأس لا ينحنى. من قال إن المعارضة فى أمريكا أو أى دولة عصرية حرة، صارمة حازمة صادمة وصادقة ومستقلة ومحايدة لا تتنازل ولاتتواءم ولا تتصالح ولا تتناغم، ولا تبيع مع النظام وتشترى؟ المسرح المكشوف أمام الجماهير ليس صادق العرض فى عمومه، والصفقات المشبوهة ليست بين الفاسدين فقط، بل بين الشرفاء أيضا أو الذين نحسبهم كذلك، وليست الخناقة الحارة بين الأنظمة والمعارضة فى الغالب الأعم إلا على «كلب ميت» ومن يستحق من الموتى البكاء والعويل والضرب والخناق قد دفنوه سويا «ولا من شاف ولا من درى» وما خفى من الصفقات بين الجميع كان الأعظم «هذه لعبة الديمقراطية، فمادام المؤيد صناعة الأنظمة، فالمعارض صناعة وحرفة قد تحتاج إلى وقت أكثر قليلا».
    وغنى عن البيان أن أنظمة كثيرة تضيق بشعوبها، عندما تكون ولادة الديمقراطية مستعصية، وأصوات الغوغاء والجهلاء فى الشارع عالية ومسيطرة، ومصالح المنتفعين فى الأسواق غالبة ومهيمنة، وتيارات دينية عند البسطاء كاذبة ومخادعة، وفوضى وإرهاب وتكاسل وتقاعس وإهمال وفساد وتواكل وتراخ وفهلوة وسرقة ورشوة، كلها منتشرة بين الناس ومقبولة ورائجة وشائعة، ونخب مثقفة وواعية محايدة بإرادتها أحيانا، أو مهمشة ومعزولة فى أحايين أخرى، الغريب والعجيب فى الشعب «أى شعب» حين يتوق الواحد منهم للأمن والعدل والعيش فى سلام وأمان ولا يصنعها ولا يساعد عليها، وحديثه متصل ومتواصل ومتحمس حول جمهورية أفلاطون ويسكن فى مملكة الشياطين، ويدفعك إلى الأمام دفعا وتحسبه عونك وسندك ومددك، و«يسلت» نفسه حين يجد الجد، وخبير وعالم ببواطن كل الأمور ولا يخفى عليه خافية وعنده مفاتيح كل الأبواب، وهو لا يفك الخط ولا يعرف الألف من الكوز الذرة، الكل رئيس ووزير وخبير ومناضل ومثقف ومنظر ومصلح «أسطوات» فى الإتلاف والتعطيل، والإفساد والتهويل، فلا صبر ولا وقت يكفى كل هؤلاء، حتى يضيق الأمر على صاحب الأمر بما رحب، و«يزهق» ويخرج علينا من الصفوف من يؤجلها، ويقول لسنا مؤهلين لها ولننتظر قليلا، وهو أمر غير مأمون العواقب أيضا.
    ولا أخفى عليكم أنه شىء محير، ديمقراطية منشودة ومفقودة، وشعب غالبيته يبيعها ويشتريها، وحكومات متعاقبة تفصل وتخيط وتغرز على هواها، وجد ولعب وحب ومنافع فى هوجة الانتخابات، يبيع من يبيع ويشترى من يشترى والكل هانئ وراض وسعيد، والنتيجة واحدة. لقمة «نتنة وفاسدة» وساعتها الكل يعلم أن فى الفرن طبيخ عفن وتالف، حتى تعايشوا وأكلوا جميعا وشربوا دون خجل ودون كسوف، والغريب أن صاحبنا «المحموق» يتباهى بإتقانه نظرية الغش الجماعى على أبواب الإمتحانات، وربما يملى الإجابة من ميكرفون المسجد المقابل، وسط تصفيق وتهليل الجميع حتى شيخ المسجد، وينقل ابنه من صف إلى آخر، وهو لا يستحق ولا يقرأ ولا يكتب، ويقف فى طابور الانتخابات يبيع ويشترى، ثم يحدثنى بصوت عال عن ضياع التجربة الديمقراطية، وغياب حرية الرأى، واختناق قنوات الاتصال وعدم وصول صوته وأنينه، ونسى صاحبنا أنها جزء من صناعته وبضاعته، وعلته ومرضه الذى ابتلانا به، ومفتاحه الذى سلمه بيديه لشيخ المنصر.

    وأعترف أننا جزء كبير من «المشكلة» ولسنا جزءا من الحل، وهو أمر يحاصرنا من قرون، نحن معزولون عن أنظمتنا باختيارنا وإرادتنا، دوما نتركها كلها فى رقبة عالم أو حاكم، ليخرج كل منا غانم سالم، غيابنا واختيارات غير المؤهلين منا والمفسدين والمزورين والتجار والمتحالفين مانع وحائل، دايرة نلف فيها وندور، ونخض فيها دون «حتة زبدة» نحن هكذا الأمس واليوم وغدا. اصنعوا المعارضة فى مكان مغلق بعيدًا عن كل هؤلاء، فو الله لا حل سوى استبعادهم حتى تكتمل «الطبخة» وتجهز المائدة، وإلا أفسدوها.


    adelnoman52@yahoo.com

    "المصري اليوم" القاهرية
    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media