مفهوم الزمن في السينما
    الثلاثاء 25 فبراير / شباط 2020 - 12:08
    د. جواد بشارة
    مقدمة نظرية
    إن الاختلافات الموجودة بين عالم الواقع وعالم الشاشة لا تكمن فقط في مجال المكان وأبعاده الثلاث، الطول والعرض والارتفاع وما يوحيه بالعمق كتجسيد ثلاثي لإحداثيات المكان وهندسته وتكويناته، فحسب، بل يتعين علينا أن نضيف بعداً رابعاً لا يقل أهمية كما في فيزياء آينشتاين، وهو الزمن، ولكن في السينما، حيث يمتلك المخرج خاصية التلاعب بالزمن وخلقه وتحويله أو تجميده. تجري أحداث الفيلم في نظام زمني مستقل عن مفهوم التتابع والتعاقب الذي يحكم عملية تعاقب الحركات والأفعال والأحداث في حياتنا اليومية. من هنا يمكننا القول بوجود " زمن سينمائي" يتميز تماماً عن " الزمن التعاقبي للوقائع الموجود في أي نظام زماني مألوف ومتعارف عليه. فالزمن التعاقبي أو الواقعي هو الزمن الشمسي أو المرتبط بالشمس وحركة الأرض أو دورانها حول الشمس خلال 24 ساعة، حيث اختار الإنسان أن يربط وينظم إيقاع حياته ووجوده مع الطبيعة مانحاً إياه سمة الثبات وتعذر الانعكاس والارتداد إلى الوراء، وهو أمر مفيد لعمليات الإدراك والاستيعاب والتقدير وترتيب الأحداث والظواهر وتقعيد حركاته ضمن إيقاع محدد. فالزمن الشمسي هو النموذج الوحيد كأداة قياس زمني، الذي كان معروفاً لدى البشر طيلة قرون طويلة، إلا أن الفن، في بعض مناحيه ومظاهره وتجلياته، كالموسيقى والمسرح والرواية والسينما الخ ... والفلسفة والسيكولوجيا والعلم والتكنولوجيا جعلتنا نتآلف مع أنظمة زمنية أخرى ذات طبيعة مختلفة غير الطابع التعاقبي الشمسي والتاريخي، وكشفت لنا تلك الوسائل التعبيرية الميزة الأساسية المركبة والمعقدة المتعلقة بمفهوم الزمن. فتعرفنا على الزمن الفيزيولوجي الذي يتحكم بالإيقاع الخاص للأعضاء الداخلية للجسم البشري كالقلب والعضلات الخ.. وتعرفنا على الزمن النفسي أو السيكولوجي الذي ينظم ويتحكم بمشاعرنا وتفكيرنا. واطلعنا على الزمن الرياضياتي الذي يواكب وينظم الظواهر العلمية دون التقيد بضوابط الزمن الأرضي. فبدلاً من الزمن الوحيد غير القابل للانعكاس والارتداد والمتجه بسهمه من الماضي إلى المستقبل، ها نحن نتعامل مع زمن متعدد الأوجه ومتغير، وهو الذي أدى إلى ولادة المفهوم الفلسفي " للمدة" وإلى النظرية العلمية الفيزيائية المعروفة باسم النسبية.
    ظهرت السينما قبل أكثر من قرن ووفرت لنا، باعتبارها آلة ميكانيكية، إمكانية قنص وتفكيك وإعادة بناء وتشكيل الحركة الظاهرة للحياة وتحويلها والتلاعب بها من خلال عمليات تكنيكية بصرية وخدع سينمائية كالتسريع والتباطؤ والانعكاس والارتداد إلى الخلف أو العودة إلى الوراء الخ... أي السيطرة تماماً على النظام الزمني الشمسي.  واستطاعت السينما بإمكانيتها، كأداة سردية أو كأداة تعبيرية معبرة، أن تترجم الحركة الداخلية للحياة الفكرية أو نزعة التفكير العقلي، العاطفي أو السيكولوجي، أو تعديله في الإرادة بواسطة كافة أنواع الإجراءات والطرق التعليمية أو الدرامية الجديدة، بتعبير آخر، السيطرة الكلية على النظام الزمني السيكولوجي. وبالتالي، وبفضل العملية التوليفية أو تكنيك المونتاج السينمائي، امتلاك القدرة على أن تخلق السينما بنفسها، في إطار سياق الأحداث المعروضة، إيقاعاً جديداً خاصاً بها، والذي هو العمود الفقري لما نسميه بالزمن السينمائي.  لذلك، تقدم السينما هذه الخصوصية المتمثلة في القدرة على الجمع بين عدة أنظمة زمنية معروفة بالفعل لتعديل هيكلها وإدخال مفهوم أصلي ومستقل للوقت. أي ليس مجرد الاستنساخ المحض والبسيط للواقع الخارجي.
    تستنسخ السينما بشكل غير كامل للغاية وبطريقة تقليدية، مظهر العالم المحسوس أو المعاش، أي المساحة المادية أو المكان الفيزيائي، ومع ذلك فهي قادرة على أن تقدم لنا بأمانة شديدة على الشاشة وبمعدل 24 صورة في الثانية الواحدة جريان الزمن المادي الواقعي، وهو الذي نراه في الواقع اليومي وتجعلنا السينما نراه يمر على الشاشة في عرض عادي طبيعي وواقعي حيث تقدم لنا تجليات ومظاهر الحياة وتطور الأشكال وتنقل الأشخاص والأشياء والتعاقب المنطقي للحوادث والمسار الطبيعي للأحداث. ومع ذلك، فإن تحليل واقع عملية استنساخ مظاهر الواقع من خلال أداة التصوير السينمائي لا يخلو من بعض الملاحظات. يتكون الفيلم من سلسلة مستمرة من الصور الثابتة، كل منها يمثل لحظة مقتطعة من الواقع يتم فصل كل صورة عن الصورة السابقة وعن الصورة التالية بفاصل زمني قصير للفضاء والوقت أو الزمن ـــ المكان على شريط السلليلويد والزمن أثناء العرض ـــ، خلال ذلك يتغير الواقع ويكون التغيير بعيد المنال. إنها حقيقة إذ أن السينما تقدم لنا في الفيلم فقط سلسلة من اللقطات الثابتة غير المتحركة. ولكن بعد تجميعها مع بعضها البعض وعرضها على الشاشة بسرعة 24 لقطة في الثانية الواحدة، ستعيد هذه الصور في أعيننا الحركة الظاهرة للحياة.
    إن خط الحركة في الفيلم هو الخط الزمني. ومن صفات الفيلم هي وجود الحركة فيه فهو فن الصور المتحركة ومعنى الحركة هو انتقال الشيء في زمن ما من مكان على آخر أو بعيارة أخرى أن الحركة في جوهرها هي الانتقال نفسه من حالة إلى أخرى ويتم تنظيم الحركة في الفيلم وتحديدها بمقدار السرعة والبطء في المجرى العام للأحداث بالتوافق مع الخط العام للتطور الدرامي لموضوع الفيلم لأننا نرى الزمن في السينما ضمن ثلاث مقاربات، مادية ونفسية ودرامية. فالزمن المادي هو الزمن الذي يستغرقه حدث ما عند تصويره وعند عرضه على الشاشة. أما الزمن النفسي فهو انطباع ذاتي يشعر به المتفرج عند مشاهدة الفيلم أما الزمن الدرامي فهو الزمن السينمائي المضغوط الذي تستغرقه الأحداث المصورة عند تحويلها إلى فيلم. في الحقيقة أن السينما تستغل عيب أو نقيصة في نظامنا البصري وحواسنا خاصة حاسة الرؤية أو البصر لأننا لا نستطيع أن نميز بين الصور الساكنة المتتابعة بسرعة معينة وبين الحركة المتواصلة. فالسينما تصور سلسلة من الصور الساكنة وتقوم بعرضها على الشاشة بسرعة 24 كادر في الثانية لتعيد انتاج وهم الحركة في الواقع الذي تم تصويره بواسطة كاميرا سينمائية تصور بإيقاع 24 صورة ساكنة في الثانية، ويتولد انطباع في عصبنا البصري يبقى ثابتاً نشعر به في حين أن هناك فترة ظلام قصيرة حيث يعقبه انطباع جديد يتولد من عرض الصورة الساكنة الثانية قبل أن يتلاشى أو يختفي انطباع الصورة السابقة وهكذا دواليك، وهو الأمر المعروف بالوهم البصري. وبالتالي فإن أهم إنجاز حققته السينما وتفوقت فيه على باقي الفنون البصرية كالتصوير الفوتوغرافي والرسم هو إعادة إنتاج الحركة والتحكم بالزمن من خلال إعادة تقديم الحركة في الزمن المحدد بعد أن تمكنت التقنية من تثبيت الزمن على مادة قابلة للتكيف والمعالجة كالشريط الفيلمي وإخضاعه لمعالجة تقنية بحرية بغية تسجيل المدلولات الزمنية المنشودة والفصل بين الفترات الزمنية ثم إعادة تجميعها في وحات متكاملة. 

    يتبع  

    د. جواد بشارة ـــ باريس

    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media