السينما الفرنسية الواقع والآفاق ومضة ضوء على حركة" الموجة الجديدة الفرنسية"
    الأحد 15 مارس / أذار 2020 - 21:05
    د. جواد بشارة
    الكتابة عن السينما الفرنسية مهمة عسيرة رغم سهولتها الظاهرية ووفرة المصادر، خاصة عندما لا يكون هناك موضوع محدد نود الخوض فيه والكتابة عنه. فلا يمكن الإحاطة بالموضوع من كل جوانبه ببضعة صفحات لمقالة واحدة طلبتها مني المجلة، فهو يحتاج لمجلدات وكتب كاملة، لكي نتمكن من تقديم لوحة متكاملة عن السينما الفرنسية عبر مختلف المراحل التاريخية التي مرت بها وذلك من خلال استعراض التطور التاريخي والجمالي والاقتصادي لهذه السينما، منذ فترة النشأة بعد ولادة السينما، ومرحلة ما بين الحربين العالميتين ولغاية سنوات الستينات التي تتوجت بظهور حركة سينمائية شهيرة ونعني بها" الموجة الجديدة في السينما الفرنسية " التي سنركز عليها في هذه المقالة.
    من الضروري والمبرر دائماً، وقبل الحديث عن أية حركة، أدبية أو فنية مهمة، الرجوع إلى المنابع الأصلية والتاريخية التي هيأت الأرضية الفكرية والمناخ الملائم لنموها وتطورها وانتعاشها ولو باختصار. فهناك أيضاً أسباب تاريخية واقتصادية وفكرية وثقافية عامة توفرت لنشأة الموجة الجديدة لا يمكن تجاهلها مطلقاً، لذلك ارتأينا المرور سريعاً على مجمل الحركات والتيارات الفكرية التي عصفت بالمناخ الفكري في فرنسا في أعقاب الحرب العالمية الثانية من خلال ما نتج من تجديد وإضافات جمالية في مجالات الأدب والمسرح والفلسفة والفن التشكيلي ، وحتى في السينما، وعلى نحو خاص في الأدب الفرنسي وبالذات الرواية الفرنسية منذ العام 1945 وحتى العام 1958 وهو العام الذي أعلنت فيه رسمياً ولادة هذه الحركة السينمائية الشابة آنذاك، وهي موضوع هذه المقالة.
    من الواضح أن السينما، كوسيلة تعبير فنية راقية ومتقدمة وعصرية مناسبة ومواكبة للنهضة العلمية السائدة في القرن العشرين، لها وظيفة، وكانت سلاحاً ذا حدين، وهي تعكس كل إرهاصات وملامح ومكونات الفترة الزمنية التي ظهرت فيها. ومنذ ما يزيد على ثلاثة أرباع القرن العشرين انطلقت السينما في غزو العالم والكشف عن الحقيقة أو تزييفها، حسب الظروف ومواقع الانتاج، واستمرت تبحث عن عوالم أخرى، إما واقعية فتعمل على كشفها وتعريتها، أو خيالية لتساهم في خلقها لتؤدي دورها في عملية التوعية أو التشويه والتخدير، وغالباً ما تكون عوالماً مجهولة أو فنطازية أو خيالية علمية.
    وكما أشار إلى ذلك أنطوان فاليه، الباحث والناقد الفرنسي سنة 1963، استمرت السينما تلقي نظرة شاملة على الحياة ولا شيء يمكن أن يفلت أو يهرب من عين الكاميرا ، فكل شيء مكشوف أمامها ، ولا يخفى عليها سر، أنها تجول عبر الزمان والمكان، عبر القارات والعهود والحقب الزمنية ، وفي دواخل النفس البشرية الوعرة والمعقدة، وفي الجو والفضاء البعيد، وفي أعماق البحار والمحيطات ، لتثبت أنها الشاهد الوحيدة على حياة وتاريخ الكائن البشري. 
    وفي الفترة الواقعة بين الحربين العالميتين انبثقت في فرنسا، وفي أرجاء العالم الأخرى ايضاً، حركات ومدارس فكرية وفنية عديدة ضمن تيار فلسفي معاصر يحتويها جميعاً اتخذ عدة أشكالاً وصوراً ومسميات، إما فلسفة تشاؤمية أو منافستها الفلسفة المادية الديالكتيكية المعروفة بالمادية التاريخية، التي جاءت لتنقل الإنسان من العقل الخرافي إلى العقل العلمي، وتنتشله من حالة الضياع واليأس التي تلفه. انعكس ذلك في الرواية والقصة القصيرة والشعر وكثير من المسرحيات ذات النفس الجديد ومجموعة من الأفلام لترسم لوحة صافية وجلية لتلك الفترة الزمنية التي لم نعرفها ولم نعشها نحن الجيل الذي ولد ما بعد الحرب الكونية الثانية بعقد أو عقدين من الزمن. فتلك النتاجات كانت تعطي فكرة واضحة عما كان يسود العالم من أفكار وقيم ومعان وأخلاق عامة طبعت أجيالاً كاملة في فرنسا وبقية العالم الغربي ببصماتها. لكن ذلك لم يؤد إلى خلق أو إيجاد قوانين جديدة أو أنواع وأشكال وأساليب جديدة لوسائل التعبير، ولم ترفض القديم وإنما تعايشت معه واستنفذت طرقه ومعاييره. وحدها الحركة السوريالية هي التي أعطت دفقاً جديداً تطور إلى مدرسة عالمية فيما بعد اكتست أهمية تعبيرية وفلسفية بالغة الأهمية والتأثير على المستويين الاجتماعي والأخلاقي، ناهيك عن المستوى الإبداعي واكتسحت العالم. فبعد أن كانت قد بدأت ببضعة أشخاص لا يتجاوز عددهم العشرة ، انفتحت على العالم واتسعت رقعتها حتى وصلت إلى كثير من البلدان وأصبح لها فروعها وامتداداتها في كل مكان في العالم ، وصار لها أتباع ومؤيدون في جميع أنحار أوروبا وأمريكيا وآسيا  وأفريقيا، واصبحت هذه المدرسة الفنية والفكرية الإبداعية شاهداً على عصرها ومرآة لحقبة زمنية غنية بالإبداع ، لكنها بقيت محصورة في الأقلية  وحكراً على النخبة المثقفة ، بينما كان هناك ، وعلى نحو مواز لها، حدث آخر على الصعيد الفلسفي والفكري له أهميته القصوى ، ونعني به ولادة وانتشار اتجاه موازي هو الفلسفة والأفكار الوجودية وترجماتها الإبداعية. وهو اتجاه قاده مجموعة من المفكرين والفلاسفة والأدباء قاموا بنشره وتأثر به جيل من الشباب المندفع بشجاعة والمهتم بعمق بمآسي عصره ومشاكل ومصير مجتمعه الذي يحيط به. وفي الواقع إن الوجوديين قد شعروا  بقوة وبصورة مبالغ فيها أحياناً، بحالات القلق  العام والتشاؤم  واللاتوازن  التي أصابت مجتمعاتهم ، ووجد الإنسان الفرد في الغرب  نفسه غارقاً فيها كنتيجة حتمية من النتائج السلبية التي خلفتها الحروب، خاصة الحرب العالمية الثانية، على نفسية الفرد وما شاهده من فواجع ومذابح  ومآسي وتدمير للرموز الحضارية التي بناها عبر معاناة طويلة وشاقة ، وما أصابه من حالات تأنيب الضمير المرضية  والشعور بالاحتقار والعزلة والخوف من المجهول ، وثقل الآلة الرأسمالية الجشعة  والمتوحشة وقيمها الاستغلالية . فقد كانوا يبحثون عن شكل آخر للعيش دون أن يجدوا الطريق الصواب، وقد ظهر ذلك، ليس فقط، في آثارهم ونتاجاتهم الأدبية والفنية، فحسب، بل وأيضاً في نمطية وشكل الحياة التي عاشوها والأخلاق البرجوازية التي أفرزها المجتمع الرأسمالي المتفكك.
    وكان هذا التيار في فرنسا قد قاده الفيلسوف والكاتب الروائي والمسرحي جان بول سارتر والروائي الفيلسوف البير كامو والكاتبة سيمون دي بوفوار، وغيرهم كثيرون، وكان التيار الوجودي يبحث عن وسائل جديدة للتعبير عن نفسه ووجوده ودوره ويجذب وجوهاً جديدة للكشف عن هويته في محاولة منه للتكيف والتطبع والتأقلم مع حقبته الزمنية، فوجدوا في الفن، وفي الأدب على نحو خاص، ضالتهم، وفي الأفكار العدمية كفلسفة لهم. لذلك تراهم بحثوا وأوجدوا شكلاً آخر للرواية عرف بالرواية الجديدة، وفهم أو تفسير جديد للحياة المعاصرة كوجود عبثي بلا هدف ولا غاية تستحق المعاناة، وعلى الإنسان أن يعيش لحظته الحاضرة ليس إلا وأن يتشبث بحريته ويستميت دفاعاً عنها. وطالبوا بابتكار أسلوب جديد في الرسم، التجريدي على سبيل المثال، لا يخدم العقلية التقليدية للمتلقي، ولا يتناول المواضيع الكلاسيكية المستهلكة. وكما ذكر جان لورنس في كتابه" السينما وأزمة العصر" نقلاً عن المفكر بيرديائيف قوله:" إن تفكيري قد تخلى عن قناعاته السابقة وأخذ يؤمن بقناعة جديدة وراسخة بأن هناك فترة تاريخية بأكملها آخذة بالاختفاء والذوبان والانتهاء حتى الاضمحلال النهائي، وإن حضارة أخرى متكاملة ومتطورة ستتجاوزنا جميعاً آخذة بالظهور والانبثاق، فنحن على أعتاب عالم جديد لا نعرف ما ستؤول إليه الأمور فيه لاحقاً". 
    هذا لا ينفي ما لهذه الحركة الفكرية من تأثير هائل على الأوساط الفكرية والثقافية والفنية في المجتمع. الأدب كان أول المصابين بأعراض الوجودية والأدب السارتري شاهد على ذلك. فقد كتب جان بول سارتر مسرحية" الذباب" سنة 1945 ومسرحية" الشيطان والإله الطيب" و " الأيدي القذرة" و " سجناء التونا". ومن ثم نشر سارتر تحفته الفلسفية " الوجود والعدم" إلى جانب الكثير من الكتب والمسرحيات الأخرى والبحوث والدراسات التي طورت الوجودية وانتقلت إلى الفنون الأخرى وترجمت إلى العديد من لغات الأرض. وما حدث مع سارتر وشهرته التي طفقت الآفاق، حدث مع ألبير كامو صديقه وخصمه اللدود، خاصة بعد أن نشر روايته" الطاعون" سنة 1947 و" الرجل المتمرد"، وبشكل خاص بعد أن نشر روايته " الغريب" للتعبير عن حالة الغثيان والتشاؤم التي وصلت حدود اليأس وجسدت ذلك القلق الوجودي المؤلم أمام عبثية الحياة ، إذ ليس أمام المرء سوى  الانتحار أو الهروب إلى الأمام أو الثورة والتمرد. ومن نظرة سريعة على عناوين ما نشره هؤلاء نفهم محتويات رسالتهم الفكرية إضافة لما سبق نجد عناوين مثل، " الغثيان" و " المومس الفاضلة" و" ما الأدب" و" جان جينيه الكوميدي الشهيد" وغيرها لسارتر إضافة لكتبه وأبحاثه التنظيرية الفلسفية والسياسية عن الوجودية ، وكامو الذي أصدر" أسطورة سيزيف"  للدلالة على استحالة المقاومة واليأس. وكذلك " سقوط الحضارة". وفي مقابل هذا نما لون آخر من ألوان الأدب وهو الأدب الشعبي التقدمي الذي رافق عملية التطور التي أصابت الحركة العمالية في فرنسا في عام 1963 وهذا اللون من الآثار قد انتشر وتطور باتجاه الفلسفة الماركسية التي جاءت لخلق البديل وهذا ما اعترف به سارتر نفسه حين صرح " أن الماركسية هي الفلسفة المعاصرة الوحيدة". 
    أين السينما من كل هذه الحقيقية المجتمعية المهيمنة آنذاك؟ إنها لم تتحرك وبقيت منغلقة على نفسها وتقاليدها، أما أقطابها وأعمدتها المشهورين في تلك الفترة فهم، رينيه كلير، جان رينوار، مارسيل كارنيه، جاك بيكير، وجان كوكتو،  جان غريمليون، الخ... فقد واصلوا على نفس مناهجهم الإخراجية الكلاسيكية التي اعتادوا عليها وأساليبهم القديمة  المتكلسة عدا استثناءات كرينوار وكوكتو ، يكررون نفس أساليب التعبير الفيلمية ونفس اللغة السينمائية التي استهلكوها في فترة الحرب العالمية الثانية وما بعدها ويكررون نفس الأفكار والمواضيع دون إضافة أو تجديد ومع الاحتفاظ لكل واحد منهم بأسلوبه المميز وشخصيته . فقد انضوت جهودهم وأعمالهم ضمن بناء واحد كان موجوداً منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى وعرف بسينما الآباء وخرج منه تيار استثنائي عرف باسم " الواقعية الشعرية" ظلوا يراوحون في أماكنهم دون الاهتمام بما يدور حولهم من تطورات وغليان فكري وتحولات عنيفة في المزاجية الجماهيرية وفي المحيط الثقافي والفني بشكل عام وما تفاقم، عشية الحرب العالمية الثانية وما بعدها، من مشاكل اجتماعية ووجودية وثقافية تمس أجيال كاملة من الناس.
    عبر عن ذلك بوضوح الناقد السينمائي غي هينيبيل في كتابه " خمسة عشر عاماً من السينما العالمية" وهو يتحدث عن الحالة السياسية والاجتماعية في فرنسا في ذلك الوقت وقال:" أن وجودنا الوطني كان قد أثر وتأثر، منذ عام 1945، بخمسة أحداث مهمة:" إرث ومخلفات المقاومة، وصراع الطبقات، ونمو الحركة العمالية وطليعتها السياسية المتمثلة بتفاقم نفوذ وشعبية الحزب الشيوعي الفرنسي، مما عجل بقيام كثير من الاضرابات العمالية المشروعة المهمة. وبالطبع الهيمنة الأمريكية على مرافق الاقتصاد والثقافة والفن. والحروب الاستعمارية التي قادتها أمريكا وفرنسا ضد الشعوب الضعيفة والفقيرة. والعلاقة بالمستعمرات الأفريقية وحرب الجزائر. والعنصرية الخ.. " فماذا فعلت السينما وما كان موقفها من هذه الحقائق والمواضيع، وكيف نظرت إليها؟ لا شيء. فقد بقيت السينما الكلاسيكية بعيدة وغريبة عنها. ولو عددنا الأفلام التي عالجت أي من هذه المشاكل، من قريب أو من بعيد، لما تجاوز عدد أصابع اليد الواحد. إذن فالسينما هي الوحيدة، من بين جميع وسائل التعبير الأخرى، التي لم تساهم بشكل فعال في النهضة الفكرية، بسلبياتها وإيجابياتها، التي عمت فرنسا في الفترة التي امتدت حتى عام 1958، وهذا ما دفعها للولوج في داخل أزمة مميتة تفاقمت إلى الحد الذي بات من الضروري البحث عن البديل أو المنقذ للخروج منها خصوصاً بعد أن زادت الطين بلة مدرسة " النوعية الفرنسية la qualité française" التي خلفت " الواقعية الشعرية" وانتهت هذه الأزمة بعد الولادة الرسمية لمدرسة " الموجة الجديدة سنة 1958".
    الولادة العسيرة:
    كان الفيلم القصير وحده، الروائي والتسجيلي، له مساهمة متواضعة في جو التجديد وأتى بأفكار متطورة سيكون لها صداها في الأفلام الطويلة للموجة الجديدة، وكانت أفلام مثل " النقطة القصيرة" لأنيس فاردا 1954، و " السادة المجانين" لجان روش 1956، و " أنا أسود" لجان روش
    [[article_title_text]]
    آلان رينيه مع ممثليه لتصوير فيلم حب حتى الموت
    أيضاً 1958، و " جحا" لباراتيه 1958، وهناك على نحو خاص سلسلة الأفلام القصيرة التي أخرجها آلان رينيه " زيارة إلى لوسيان كوتود" و " زيارة إلى فيليكس لابيس" و " زيارة إلى هانس آرتونغ" و " زيارة إلى سيزار دوميلا" و " بطاقة شخصية  لهنري كوتيز" و " نهار طبيعي أو زيارة لماكس آرنست" وهذه المجموعة من الأفلام هي مبادرة من المخرج الحديث والمجدد آلان رينيه عن حركة الفن التشكيلي التي اشتهرت في فرنسا وقد أخرجها جميعاً ابتداءً من عام 1947. 
    وبعد ذلك أخرج مجموعة من الأفلام القصيرة الطليعية المهمة عن الفن التشكيلي أيضاً صار لها سمعة وصيت عالمي وشهرة واسعة فيما بعد كفيلم" فان كوخ" و" غوغان" و" غيرنيكا لبيكاسو" و" التماثل تموت أيضاً " و" ليل وضباب" و" كل ذاكرة العالم" و" سر الأتلييه 51" و " أغنية شتيرن" مابين 1948 و 1958، قبل أن يخرج فيلمه الروائي الطويل الأول وهو تحفته السينمائية الذائعة الصيت " هيروشيما حبيبتي " 1958 عن رواية لمارغريت دوراس التي كتبت سيناريو الفيلم وكان بمثابة إعلان رسمية " للموجة الجديدة" وأثار كثيراً من النقاش والجدل وقلب موازين التقنية السينمائية واللغة الفيلمية التقليدية السائدة آنذاك.
    كان الجيل الأول من سينمائيو " الموجة الجديدة" قد تكون ما بين 1958 و1963، واقتحموا ميدان الإخراج بحركة عارمة حتى بلغ عددهم حوالي المائتي مخرج نفذوا خلالها ما يزيد على الأربعمائة فيلم متفاوتة المستوى. وهم ينقسمون إلى ثلاث تجمعات، الأول هو جيل 1958 – 1960، والثاني هو " جماعة الضفة اليسرى" (إشارة إلى الجانب الأيسر من نهر السين الذي يسكنه معظم أعضاء هذا التجمع الذي بدأ العمل بالأفلام القصيرة وله علاقة وثيقة بالأدب، وبالأخص حركة " الرواية الجديدة" حتى سميت أفلامهم " بالسينما الأدبية". والثالث هو جماعة التيار الواقعي (وهي تسمية غير صحيحة لأن أعضاء هذا التجمع لم يخرجوا أفلاماً واقعية فقط. التجمع الأول هو الذي يشكل الأغلبية التي هيمنت على هذه المدرسة الشابة ورسمت الخطوط الرئيسية للغتها وجمالياتها، وقد ضمتهم نواة واحدة تجذروا فيها وتفتقت فيها مواهبهم. وهذه النواة هي عملية " الكتابة السينمائية" التنظيرية، أو الكتابة للسينما وعن السينما، وممارسة النقد السينمائي. وهي مرحلة التكوين النظري والتثقيفي والمشاهدة المكثفة للأفلام في الصالات والمهرجانات، و في داخل أروقة وحجرات التحرير في مجلة " كاييه دي سينما أو كراسات أو دفاتر السينما" وهي المجلة السينمائية النظرية التي نظرت لتيار الموجة الجديدة ونظرية سياسة المؤلف ، ونتج عنها " سينما المؤلف" التي ماتزال آثارها موجودة حتى الآن في الكثير من الأفلام المعاصرة. 
    ومن المحفزات والعوامل الرئيسية التي ساعدت على نجاح هذه المدرسة هو التأثير الهائل للسينما الأمريكية عليها وخاصة من قبل بعض مخرجيها كهوارد هواكس والفريد هيتشكوك ونيكولا رايس، والكثير من الأفلام الإيطالية أيضاً بالإضافة إلى الظرف الزمني الملائم بعد انتكاسة السينما التقليدية " النوعية الفرنسية" وخسائرها التجارية المتكررة والمتراكمة، فاستغل قادة " الموجة الجديدة" هذه الأوضاع وأعلنوا معارضتهم للأسلوب البرجوازي لنمط الإنتاج المتهرئ . وكان وصول ديغول للحكم ومعه وزير الثقافة أندريه مالرو الكاتب والروائي والمفكر السينمائي، الذي شجع مادياً ومعنوياً الاتجاه الثقافي للأفلام ونوعية السينما الجادة التي تتميز بشخصية صانعيها، وأخيراً تأثر هذه المدرسة بظهور التيارات الجديدة في الأدب كالرواية الجديدة التي قاد لواءها الروائي والمنظر والمخرج السينمائي والسيناريست آلان روب غرييه، ومارغريت دوراس، الروائية وكاتبة السيناريو والمخرجة السينمائية، وفرانسواز ساغان وناتالي ساروت وغيرهم. وللمرة الأولى تهيأ لهم واقع ديناميكي قابل للتطور والتغيير بحرية نسبية مريحة ضمن إطار فورة ثقافية لا تنفصل فيها العوامل الموضوعية عن الذاتية، كالمضامين الجديدة التي دخلت سوق الاستهلاك وانتشار الموضات والاتجاهات الجديدة والتيارات المتعددة والانتعاش الاقتصادي في تلك الفترة التاريخية المتفجرة.
    ركزت الموجة الجديدة بنيانها على أنقاض السينما التجارية التقليدية، التي بقيت تراوح في مكانها متخبطة في أزمتها بسبب ذلك التحول الحاد في نفسية وذوق المشاهد الشاب، على إثر التغييرات الاجتماعية التي عصفت بأوروبا الغربية وأمريكا على السواء، وعرف السينمائيون كيف يستغلون ذلك ويكسبون ود المشاهد المتلهف على كل جديد، وبهذا كانوا مؤهلين لقيادة التغيير في المحيط السينمائي والخروج به إلى أرض الواقع. وكانوا شجعاناً في مبادراتهم، واقبلوا على المخاطر اقتصادياً وفنياً، واصبحت مبادراتهم هي البديل الذي دعا إلى تحطيم الأطر والأسس القديمة وخلق سينما فرنسية حقيقية تعكس روح العصر  وليعبروا من خلالها وبواسطتها عن أنفسهم بطريقة حرة وخلاقة.
    لقد أشار المفكر والباحث الاجتماعي والمنظر السينمائي الفرنسي المعروف إدغار موران، في إحدى دراساته، إلى هذه الحقيقة واصفاً تلك الفترة قائلاً:" إن تحسن الأوضاع السكنية والمعيشية إبان فترة الانتعاش الاقتصادي 1955-1962، وتوسع المدن وظهور أحياء الضواحي المحيطة بها، وانتشار موضة التنزه على الدراجات النارية والبيتلز والحرية الجنسية، واختراع التلفزيون، هي عوامل أساسية في أزمة السينما التقليدية، وهي التي خلقت حالة من عدم التوازن بين نوعيات وحاجات مشاهدي السينما". وأضاف:" فالشباب والأطفال هم فئة الغالبية التي ترتاد دور العرض وقد استحوذت على مزاجيتها وذوقها وسائل اللهو والترفيه الأخرى وعلى رأسها التلفزيون الذي يقدم الثير من الأفلام مجاناً، وكان الخاسر الوحيد في هذه المنافسة غير العادلة هي السينما التي غرقت في حالة شبه إغماءه وتكلس، من هنا بات من الضروري البحث عن دماء جديدة لإنقاذها، تمتلك روحية المغامرة والتجريب وتوافق روح العصر وتهتم بمشاكل شبابه ومراهقيه، الآنية واليومية الملحة وبأساليب بسيطة وصادقة.
    فلا الإنتاج الضخم ذو الميزانيات الكبيرة ولا الأسماء اللامعة الأسطورية التي فرضها نظام النجوم، كان كافية لإنقاذ السينما من مشاكلها ، بينما كانت هناك أفلام بسيطة متواضعة في ميزانيتها تستقطب إقبال الجماهير  وتنال نجاحاً هائلاً . وقد تمكن السينمائيون الشبان من تناول مواضيع محضورة في السابق ويعالجونها بجرأة واتقان، كمواضيع الجنس التي أصبح لها رموزها المشهورة والتي تحولت هي بدورها إلى نجوم كبريجيت باردو وبيرناديت لافون وجان مورو وآني جيراردو الخ.. اللواتي بدأن مع بدايات الموجة الجديدة. إن هذا المناخ هو الذي شجع كثير من النقاد للعبور إلى مجال الإخراج ومنحتهم الفرصة والوسيلة الملائمة للتعبير عن آرائهم النظرية وأفكارهم عن طريق الأفلام التي أخرجوها، ومعظمهم لم يتمكن من إخراج فيلم آخر ورجع إلى مجال الكتابة أو هجر السينما نهائياً.
    [[article_title_text]]
    إريك روميو أثناء تصوير أحد أفلامه
    وبأموال قليلة جاءت عن طريق الإرث أو المساعدة الحكومية، تمكن مخرجون من أمثال كلود شابرول وفرانسوا تروفو وإريك رومير وجاك ريفيت وجان لوك غودار وألكسندر أستروك وجان دانيال فالكروز وبيير كاست وآلان رينيه من إخراج أول أفلامهم الروائية الطويلة (يشكل رينيه الاستثناء وخصوصية شاذة حيث لم يتبع نفس سياق زملائه في صنع أفلامه رغم أنه مدين للموجة الجديدة لما وفرته له من أجواء ملائمة ومناخ إيجابي مكنه من تحقيق مشاريعه وتجاربه السينمائية الرائدة والتجديدية.
    كان أول فيلم فرنسي فتح الطريق أمام الشباب السينمائي هو فيلم " وخلق الله المرأة" من إخراج روجيه فاديم سنة 1956 الذي أحدث ضجة وفضيحة بجرأته، وأثار عاصفة نقدية من حوله فمنهم من اعتبره فيلماً ساذجاً وتافهاً في مضمونه، ومنهم من اعتبره محاولة شجاعة وجريئة للخروج من وراء قضبان التقليد وطرق مواضيع أخرى أكثر حياة وحيوية. بينما كان الفيلم الفرنسي التقليدي من " أفلام النوعية الفرنسية" يواجه صعوبات جمة للوقوف على قدميه رغم كونه يعج بأسماء نجوم تربعت على قمة النجاح لسنوات طويلة مثل فرنانديل وجان غابان. كان الفيلم الجديد ينال الاهتمام والتقدير كفيلم " العشاق " من إخراج لوي مال، وفيلم " سيرج الجميل" من إخراج كلود شابرول و فيلم " الأربعمائة ضربة" من إخراج فرانسوا تروفو ، و فيلم " على آخر نفس أو اللاهث أو النفس الأخير" من إخراج جان لوك غودار ، و " هيروشيما حبيبتي " من إخراج آلان رينيه، ، و " السعادة" من إخراج آنييس فاردا ، وفيلم " صمت البحر" لجان بيير ملفيل وغيرهم كثيرون، لم يبق أمام المنتجين والموزعين وأصحاب دور العرض ، سوى الالتفات لهؤلاء الشبان وتكليفهم بعمل الأفلام التي يريدون صنعها وكانت فترة انتعاش حقيقية في عمر السينما الفرنسية لم تشهد لها مثيل من قبل.
    [[article_title_text]]
    إريك روميو أثناء تصوير أحد أفلامه
    ونلاحظ أفول أسماء كبيرة كانت هي المهيمنة على مصير الانتاج السينمائي في فرنسا مثل كلود أوتان لارا و رينيه كليمونت وإيف أولغريت وغيرهم.
    بعد مرور أربعة أعوام على ولادة هذا الحدث الذي اختلفت التسميات حوله، فمنهم من أطلق عليه مدرسة " الموجة الجديدة"، ومنهم من اعتبره مجرد تيار سينمائي عابر، فيما اعتبره آخرون ووسموه بأنه حركة سينمائية راسخة الجذور والأركان والأسس. بعد هذه الفترة القصيرة من الزمن  صرخ جان لوك غودار، الذي بدأ ناقداً في مجلة كاييه دي سينما ومخرجاً لأفلام قصيرة، صرح قائلاً :" بأننا، كادر مجلة كراسات السينما، نعتبر أنفسنا مخرجي المستقبل  وإن مجرد ترددنا على السينماتيك ونوادي السينما هو بحد ذاته عمل سينمائي ، والتفكير بالسينما  هو عمل في السينما ومن أجل السينما وبطريقة السينما، حيث أننا نعتبر الكتابة للسينما بمثابة عمل سينمائي صرف وإن ما بين الكتابة والإخراج هناك اختلاف طفيف في الكم لا في النوع، والناقد الصرف الوحيد لذي كان بيننا وبقي ناقداً سينمائياً فحسب هو أندريه بازان ، أما الآخرين فهم إما مؤرخون أو باحثون اجتماعيون أو أي شيء آخر عدا أن يكونوا نقاد أبداً "...وفي نفس الفترة صرخ فرانسوا تروفو :" بأننا لا نشكل مدرسة وليس بيننا أية قواعد أو طرق أو اساليب مشتركة سوى عامل واحد هو الثورة على الأساليب التقليدية والبحث عن الجديد وأعتقد بأننا اقرب إلى الحركة من إلى المدرسة".. 
    وكثيرون هم الذين اتفقوا معه في هذه الطروحات وساندوا هؤلاء المندفعين لفن السينما والعاشقين لها حد الهوس، والذين غيروا مجرى تاريخ هذا الفن في فرنسا وقادوا نقطة التحول الحاسمة في حياتها بحماسهم واخلاصهم وتفانيهم وجرأتهم واندفاعهم الذي فجر قوة خلاقة ومبدعة قادرة على الالتزام بما خططته والمضي بهذه المغامرة الفنية والاقتصادية غير المأمونة العواقب وذلك بتناولهم موضوعات ليس لها علاقة لا من قريب و لا من بعيد بما كان سائداً ومتعارفاً عليه في الوسط السينمائي الذي يقوده السينمائيون القدامى. كانت مواضيعهم معاصرة وساخنة وجدلية وجريئة وآنية تهم الشباب والمراهقين وأزمات الساعة، وتتقمص روح العصر بنفس جديد. إنها تتحدث عنهم ومعهم وإليهم وتطرح أمامهم مشاكل الضياع واليأس واللامبالاة والحرية الجنسية والعلاقات العاطفية وحالة القرف والفراغ النفسي والاستلاب والتغريب والعبثية، باختصار ، كل ما عبرت عنه الفلسفة التشاؤمية بجذورها الوجودية . كل هذه الأبعاد طرحت داخل قوالب ومواضيع وقصص مغرية وجذابة.
    [[article_title_text]]
    غودار أثناء تصويره لأحد أفلامه
    وعند ظهور عوامل اقتصادية وسياسية مواتية لدعم هذه الحركة من خلال صدور قانون المساعدة الحكومة للإنتاج السينمائي سنة 1959، نهضت هذه الحركة بقفزة كبيرة إلى الأمام بإعطائها الفرصة لمن لم يتمكن لغاية ذلك التاريخ من إخراج أول فيلم روائي طويل له وكان دور المركز الوطني للسينما كبيراً وكان رئيسه آنذاك هو جاك فلو في عهد وزارة أندريه مالرو  صاحب رواية ومخرج فيلم " الأمل" عن الحرب الأهلية الإسبانية. وفي نفس الوقت تواجدت على الساحة السينمائية في فرنسا نخبة من المنتجين الواعين  والمحبين للمغامرة كأصحاب شركة بلياد وشركة آركوس وظهور صفة المنتج المستقل الذي له الفضل الكبير على سينمائيي الموجة الجديدة من أمثال برومبيرجيه وبروغارد وماران كارميتز المنتج وصاحب سلسلة دور العرض الطليعية " الفن والتجربة MK2  ، ممن دعموا  وشجعوا هذا الجيل الشاب من السينمائيين في ذلك الوقت إلا أنهم أصبحوا كلاسيكيي اليوم بعد أن استرجعوا بعض اساليب الانتاج في السينما التقليدية وتكيفوا مع نظام النجوم إذ خلقو بدورهم نجومهم الخاصين مثل جان بول بلموندو وجان مورو وبريجيت باردو وجان كلود بريالي وجان لوي تريننتنيان وغيرهم كثيرون وهكذا سقطت هذه الحركة في نفس الفخ الذي خلقت من أجل إزالته وتهديمه وانتهت رسمياً على لسان مؤسسيها سنة 1963 رغم أن روادها ما يزالون يواصلون عملهم  في السينما على شكل انفرادي وكل واحد منهم يمتلك شركة الانتاج الخاصة به التي تنتج أفلامه وحده فقط مع بعض الاستثناءات كحالة آلان رينيه وجان لوك غودار الذين بقيا مخلصين لمبادئ ومنهجية رؤيتهما السينمائية التجديدية وواصلا عمليات البحث والتجديد والتجريب وإثراء اللغة السينمائية على صعيدي الشكل والمحتوى وقد توفي أغلب رواد الموجة الجديدة كفرانسوا تروفو وآلان رينيه وجاك ريفيت وكلود شابرول وإريك رومير ومارغريت دوراس .  

    (نشرت هذه الدراسة في مجلة الثقافة الجديدة اليمنية الديموقراطية: أكتوبر، نوفمبر، ديسمبر 1983)

    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media