المرأة والإخراج السينمائي
    الخميس 19 مارس / أذار 2020 - 13:29
    د. جواد بشارة
    منذ اختراع السينما في أواخر القرن التاسع عشر (1895)، برزت أسماء كثيرة في خدمة هذا الفن. الألاف من الأسماء اللامعة من المخرجين الرجال اشتهرت على صفحات الكتب والمجلات المتخصصة والمنوعة. إلا أن تاريخ السينما لم يشهد سوى عدد محدود جداً من النساء المخرجات فما هو السبب في ذلك؟ هل لأن المرأة غير جديرة بهذا التخصص أو غير قادرة على ممارسة هذه المهنة، أي مهنة الإخراج السينمائي؟ 
    هذا هو الشعور الذي كان سائداً لأكثر من نصف قرن، بينما نجد أن المرأة بلغت أعلى المستويات الفنية في مجال التمثيل والكتابة السينمائية. ولو تمعنا قليلاً في سيرة حياة رواد السينما منذ ولادتها حتى اليوم لوجدنا المئات من النساء كن يقفن خلف من أطلقتهم الأضواء وألقت بهم إلى مقدمة المشهد الإعلامي، فالمرأة موجودة في مجالات واختصاصات العمل السينمائي الأخرى. فإلى جانب التمثيل، شغلت المرأة أكثر المناصب أهمية وحساسية في ماكينة الإنتاج فكانت منتجة أو مديرة إنتاج وكاتبة سيناريو وملاحظة السيناريو في البلاتوه أثناء التصوير ومسؤولة مونتاج أو مونتيرة ومصورة ومديرة تصوير ومسؤولة المكياج والديكور والإدارة الفنية والإدارية لمراحل ما قبل التصوير وما بعده وفي مرحلة التسويق وتنظيم الدعاية للعروض السينمائية، باختصار كانت وماتزال المرأة موجودة في صلب عملية الانتاج السينمائي.
    فمهمة سكرتيرة البلاتو أو ملاحظة السيناريو، على سبيل المثال، هي من أهم المهن والاختصاصات بعد المخرج ومدير التصوير في عملية صنع الفيلم. فهي تتطلب توفر مزايا كثيرة كالقدرة على مراقبة وتسجيل وحفظ كافة التفاصيل وامتلاك ذاكرة حادة ونشطة وحية وقوية خصوصاً عندما يتم تصوير اللقطة عدة مرات أو تجزئة اللقطة إلى عدة لقطات وعلى عدة أيام متباعدة حيث يكون الاعتماد عليها فهي الحفاظ على الراكور فالمطلوب من فتاة السيناريو متابعة تنفيذ الديكوباج ;أن تسجل كل شيء، الحركة والماكياج والملابس والديكورات والإكسسوارات والإنارة والصوت ونبرته والكومبارس الخ..
    قصة أول مخرجة:
    عند مرور لوي لوميير في باريس سنة 1865، لزيارة صديقه الشاب ليون غومو، الذي كان يصنع ويبيع آلات التصوير الفوتوغرافي، ليدعوه إلى حضور أول عرض خاص للاختراع الذي ابتكره مع أخيه أوغست لوميير، قبل تقديمه للعرض الجماهيري في 22 آذار من العام نفسه. كان العرض في شارع رين في باريس وقبل مغادرته لمكتب السيد غومو التفت لوي لوميير إلى فتاة شابة في الثالثة والعشرين من عمرها تعمل سكرتيرة لليون غومو ووجه لها الدعوة لحضور العرض الخاص وقال لها: 
    -آنسة آليس إذا كان يهمك الأمر ويعجبك فيمكنك مرافقة السيد غومو لمشاهدة عرضنا السينمائي.
    كانت آليس قد ولدت في بيت محترم ومتوسط الحال، وكان والدها صاحب مكتبة إلا أن ظروف المعيشة أجبرتها على العمل لمساعدة العائلة، وجاءت للعمل في محل السيد غومو للعمل كسكرتيرة خاصة، ذكية وشجاعة، وسرعان ما أصبحت أحد أقرب مساعدي هذا الصناعي الشاب. 
    ذهبت الآنسة آليس، كما كانوا يسمونها، برفقة السيد غومو لمشاهدة العرض الخاص في شارع رين، ومن ثم ذهبت لمشاهدة العرض الجماهيري الأول في المقهى الكبير في 22 آذار، فعشقت ما رأته وصارت تحلم به. فحتى في أوقات العمل كانت مأخوذة بما شاهدته على الشاشة وفريسة لنفس المشاعر التي تملكتها عند أول مشاهدة لأفلام الأخوين لوميير.. لم يتجاوز العرض المذكور بعض المشاهد الوثائقية كدخول القطار للمحطة وساحة عامة هي ساحة بيلليكور في مدينة ليون ولعبة ورق واستعراض عسكري.
    وفي أحد الأيام، استجمعت آليس شجاعتها ودخلت على معلمها ورب عملها السيد غومو وقالت له:" ألا تعتقد ياسيد غومو أن كل هذه العلب الصغيرة التي عرضوها علينا (المشاهد الصغيرة) ستصبح قريباً مملة ومكررة، وهل تسمح لي بالاهتمام بها؟".
    أما السيد غومو، الرجل الجاد والصارم الذي لا يحب المزاح الفارغ، فقد اعتقد لأول وهلة أن هذه الفتاة تمزح معه، لكنه بعد أن فهم جدية كلامها أجابها:" ولم لا.. اهتمي بهذه القصص الصغيرة، ولكن ليكن في علمك أن المراسلات والرسائل هي الأهم وتأتي في المرتبة الأولى وقبل أي شيء آخر، يجب ألا يؤثر ذلك على عملك الأساسي.. يمكنك أن تصنعي أفلامك الصغيرة أيام الأحد".
    وضع الصناعي الشاب الشهير ما تحتاجه مساعدته الشابة من أدوات وأفلام خام تحت تصرفها لتحقق حلمها.. وهكذا ولدت أول مخرجة سينمائية في تاريخ السينما العالمية.. وبفضل جرأتها وعزمها وقوة شخصيتها، أصبح رئيسها فيما بعد واحداً من أشهر وأكبر المنتجين السينمائيين في العالم وهو الذي أسس شركة غومو الفرنسية للإنتاج والتوزيع السينمائي.
    كان أول فيلم قصير لها هو " لأنه ذو حكاية" بعرض قصة شابين عاشقين يتجولان في أحد حقول الريف الجميلة، وبعد أن يستلقيا على العشب في أحد المزارع تظهر لهم في الحلم ساحرة، وبضربة عصا سحرية تخرج لهما من إحدى الخضار طفلاً يمص إبهامه، ولقد صورت آليس غي فيلمها في حديقة قريبة من مقر عملها وخلفية مرسومة وفيلماً خام طوله 30 متراً وخلال ساعات معدودة ومع صديقين لها وقامت هي بالذات بالدور الثالث وتمكنت من صنع أول فيلم من إخراج امرأة.
    امرأة تقود حركة الطليعة في السينما:
    بعد أن لاقت آليس غي نجاحاً كبيراً في مشروعها السينمائي وأخرجت عدداً كبيراً من الأفلام وشيدت على أكتافها إمبراطورية غومو للإنتاج السينمائي، انسحبت بهدوء من عالم السينما لتكرس نفسها لحياتها العائلية... وفي تلك الفترة بالذات، أي خلال الأعوام التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، برز إسم نسائي آخر في هذا المجال، وهو اسم المخرجة والمنظرة المعروفة جيرمين دولاك رائدة حركة الطليعة في السينما وكانت أكثر تسلحاً من الناحية الثقافية من آليس غي وأكثر استعداداً لخوض مغامرة الإخراج. ولقد تركت بصماتها واضحة على مسيرة وتاريخ وتطور الفن السينمائي إبان السنوات العشرين الأولى من القرن العشرين الذي ولدت فيه الصور المتحركة. وضعت جيرمين دولاك Germaine Dulac  كل قدراتها وإيمانها في العمل من أجل إيجاد وتكريس فن سينمائي صاف وحر وذكي، واحتلت مكانة متميزة في تاريخ الفن السينمائي العالمي. كان نشاطها التنظيري يضاهي نشاطها وإبداعها العملي في هذا الميدان. وحول أعمالها تبلور الجزء الأكبر من المبادئ التي أعتمد عليها الذكاء السينمائي وقواعد الفن السينمائي لتنمو وتكبر وتنضج فيما بعد بفضل ما قدمته جيرمين دولاك من مباحث نظرية وتجارب عملية، كما قال شيخ السينمائيين الفرنسية آنذاك مارسيل ليربييه.
    جيرمين دولاك أديبة أحبت المسرح والموسيقى، ومن ثم سحرت بالسينما من أول ظهورها واعتبرتها الأداة التعبيرية الأكمل في القرن العشرين. وهي ذات ميول اشتراكية ومن المدافعات المتحمسات عن حقوق المرأة.
    ولدت عام 1882 في آمبين في عائلة برجوازية من العسكريين ورجال الأعمال والصناعة واسمها الحقيقي جيرمي نسيسه شنيدر وعرفت فيما بعد بجريمين دولاك حيث تلقبت بكنية زوجها، كانت تميل إلى المطالعة الكثيرة ودرست الموسيقى والغناء، وعلى الأخص أوبرا ريتشارد فاغنر ، ومن ثم هوت التصوير الفوتوغرافي وتزوجت سنة 1905 بالمهندس الزراعي ألبير دولاك  وتطلقت منه بعد خمسة عشر عاماً من الحياة الزوجية.
    رفضت أن تكتفي بلعب دور الزوجة وربة بيت، واقتحمت ميدان الصحافة وعينت سنة 1909 كمحررة في مجلة فرنسية وهي مجلة نسائية تصدرها جمعية الحركة النسوية الفرنسية، عملت فيها أربعة أعوام وكتبت عن شخصيات نسائية شهيرة في العالم وأجرت معها مقابلات، وفي نفس الوقت كانت تتعاون مع مجلة لافروند ومن ثم تخصصت بكتابة النقد الفني والمسرحي في مجلة المرأة الفرنسية.
    ومع الوقت كرست نفسها نهائياً للسينما وقالت آنذاك:" السينما فن مدهش وهو يعجبني ويأخذني كلياً وأتابع بشغف واهتمام تطوره.. وقد بدا لي أن لي القدرة على دراسته وتحليل وتطبيق الإمكانيات التي يمتلكها هذا الفن الجديد وعن طريقه سأصل إلى عرض وإخراج مثالي لنموذجي الفني الذي أرنو إليه وأتخيله".
    في عام 1914 دعتها صديقتها الراقصة العالمية الشهيرة في تلك الفترة ستاسيا نابيركوفسكا لترافقها إلى روما حيث ستقوم بتصوير فيلم تاريخي هناك ولتحضر تصوير الفيلم ولتكتب عنها. كانت تلك أول مرة تجتاز فيها جيرمين دولاك أبواب الاستوديو السينمائي. وعند عودتها أسست شركة سينمائية وتعاونت مع إيرين هيلل إيرلانيجييه الشاعرة والروائية المعروفة لتصبح كاتبة سيناريوهاتها بينما اهتم زوجها بإدارة الشركة الحديثة العهد.. لقد رحب بها زملاؤها المخرجون الرجال لقوة شخصيتها وموهبتها الفذة وصدقها وجديتها وعزمها الذي لايلين على مواصلة الطريق الذي اختارته. بدأت في إخراج أربعة أفلام كتبت نصوصها وسيناريوهاتها مساعدتها الأديبة إيرين إيرلانجييه وهي: " الأخوات الأعداء" و " جيو الغريبة" و " الأقدار أو اللغز" و فينوس فيكتريس " و" صخب الحياة" وفي عام 1917 بدأت فيلماً طويلاً على حلقات هو " أرواح المجانين" قامت ببطولته ممثلة ذكية وموهوبة جداً هي أيف فرانسيس" بطلة مسرحيات كلوديل  وزوجة أول ناقد ومنظر سينمائي في فرنسا هو لوي ديللوك.
    كان لقاء جيرمين دولاك بلوي ديللوك بداية سعيدة لميلاد حركة " سينما الطليعة" الذي كان هو محركها وكانت هي قلبها النابض..وفي عام 1918 قدم ديللوك الناقد والمنظر سيناريو فيلم بعنوان " الحفل الاسباني" للمخرجة الموهوبة الذي أخرجته بذكاء وبطريقة معبرة وتجديدية جداً بالنسبة لتلك الفترة.
    كانت جيرمين دولاك تحلم بسينما صافية ونقية بما يشبه الأحلام، بلا مواضيع ، وعلى شكل سمفونيات بصرية، كما كانت تسميها ، مقدمة لخلق سينما مطلقة. وتقدمت عملياً في هذا المفهوم بإخراج فيلم " دعوة للرحيل" وهو عبارة عن ترجمة سينمائية لأشعار " بودلير" وبعد ذلك، ورغم الصعوبات المالية، قامت بتجربة أخرى جمعت بين السينما والموسيقى ، حبها الأول وهوايتها الأصلية، وأخرجت فيلم " ديسك أو اسطوانة" رقم927" وهو ترجمة سينمائية لبعض صفحات موسيقية لشوبان . ومن ثم أخرجت فيلم " مواضيع ومنوعات" من بعض المقطوعات الموسيقية الكلاسيكية وفيلم " دراسة سيوغرافية" عن موسيقى آرابيسك  لديبوسي.
    في كل بلد مخرجة"
    عندما عرض على الشاشات الفرنسية الفيلم السوفيتي " قرية الخطيئة" للمخرجة السوفيتية أولغا بريوبريجوتسكايا صاح النقاد " إنها جيرمين دولاك " الروسية. لقد ترك فيلمها انطباعاً مدهشاً لدى النقاد والجمهور الفرنسيين، ويعد اليوم من أهم الانتاجات والآثار السينمائية الراقية والتحف السينمائية الفنية في فترة الفيلم الصامت. لم تلعب المخرجة أولغا بريوبريجوتسكايا أي دور في عملية الإبداع النظري أو التنظيري في مجال جمالية الفيلم  ولغة السينما كما فعلت جيرمين دولاك لكنها مع ذلك قدمت إحدى التحف السينمائية الصامتة ..
    من هي أولغا بريوبريجوتسكايا ؟ يقال أنها كانت راقصة باليه .. ولدت عام 1885 ودرست منذ حداثة عمرها الفن الدرامي وأصبحت ممثلة مسرحية قديرة. بدأت العمل في السينما عام 1913 كممثلة في عدد من الأفلام المتفاوتة المستوى. وقبل ثورة أكتوبر بقليل أصبحت نجمة سينمائية مشهورة. وفي عام 1925 احتكت بالاستديوهات السينمائية ولكن ليس بصفة ممثلة، بل صارت تهتم بالاخراج كمساعة مخرج مع رفيق قديم هو المخرج غاردين . كما عملت كمساعدة مخرج مع مخرجين آخرين، ثم شاركت آخرين عملية الإخراج بصفة مخرج ثاني. وقد أتاحت لها تلك التجارب تعميق خبرتها ومعارفها التقنية العملية وسنحت لها الفرصة لأن تكون مساعدة للمخرج السوفيتي الكبير دوفجينكو. وفي عام 1927 ، وبتوجيه من هذا المخرج المرموق وافقت مؤسسة السينما التابعة للدولة ّ سوفينكو" على انتاج فيلم من إخراج أولغا بريوبريجوتسكايا فكان فيلم " قرية الخطيئة" وكانت المرة الأولى في تاريخ الفن السينمائي السوفيتي تقوم إمرأة بإخراج فيلم روائي طويل.. ولقد سبق لها وأن أخرجت عدة أفلام قصيرة للأطفال.
    برزت في ألمانيا إمرأة أخرى في مجال الإخراج السينمائي هي ليني ريفنستال Leni Riefenstahl التي أثارت حول شخصها الكثير من الأقاويل والإشاعات والانتقادات التي يعود معضمها لأسباب سياسية وأيديولوجية أو لأسباب الغيرة الشخصية . ولكن مما لاشك فيه أن هذه المرأة تتمتع بموهبة كبيرة وإرادة حديدية لتحقيق مشاريعها.
    ولدت في برلين سنة 1902 في عائلة ميسورة الحال مكونة من أب موظف كان في شبابه ممثل ويهوي الفنون الجميلة وكذلك  زوجته والدة ليني المنحدرة من أصل روسي  وكانت الطفلة ليني موهوبة بالرسم وتحفظ الكثير من القصائد الشعرية حتى قبل دخولها للمدرسة.
    كانت في بداية شبابها تعشق المسرح، لكن والديها عارضا اختيارها المبكر هذا لطريق الفن، عندها اختارت ليني الرسم ودخلت الفنون الجميلة . وقد قرأت في أحد الأيام إعلاناً في الصحف يبحث فيه أحد السينمائيين عن عشرين وجهاً نسائياً شاباً للظهور في فيلم استعراضي راقص عن أوساط الرقص.. وبعد اختيارها إثر اجتيازها لامتحان اختبار  قررت أن تصبح راقصة أيضاً.. وبعد تردد قصير وافق والديها على اعطائها دروساً في رقص الباليه على يد راقصة الباليه الروسية الشهيرة أدواردوفا ، ومن ثم على يد الراقصة الشهيرة ماري ويغمان، التي أدخلتها في فرقتها وبعد ذلك اشتهرت في ألمانيا كراقصة موهوبة لكن حادثاً وقع لها وسبب لها جرحاً في الركبتين في حزيران سنة 1924 منعها من مواصلة مهنتها في الرقص. بدأت عملها السينمائي كمساعدة للمخرج أرنولد فانك سنة 1926 الذي كان يدير شركة انتاج وفريق عمل متجانس ومنسجم من الفنانين والتقنيين . كانت ليني ريفنستال Leni Riefenstahl المرأة الوحيدة بينهم وكانت قد ظهرت كذلك في أفلام متفرقة مثل " الجبل المقدس" و " القفزة الكبرى" و" سجينة الجبل" و" عاصفة على الجبل الأبيض" وتعرضت للانتقاد الحاد والقاسي من قبل بعض النقاد على طريقتها في التمثيل وافتقادها للموهبة في هذا المجال. كما مثلت البطولة المطلقة في فيلم " مسألة مايرلينغ" سنة 1933. وحين قررت ولوج مجال الإخراج لم تستطع إقناع المنتجين بتمويل أفلامها فقررت انتاجها بنفسها وأعدت موضوعاً أثيراً وقريباً لنفسها عنوانه " الزهرة الزرقاء" لكنها عدلته إلى " النور الأزرق" وكتب لها السيناريو الناقد والمنظر السينمائي الكبير بيلا بالاز الهنغاري الأصل. تدعى بطلة الفيلم يجونتا وهي فتاة شابة غريبة الأطوار إيطالية الأصل لا تنام وتتخيل نفسها في ليالي القمر المكتمل وهي تتجه نحو ضوء أزرق تراه يتلألأ على قمة جبل ويصدر عن أحجار الكريستال السحرية وهي الصخور المكونة للجبل، وتمنح السعادة النموذجية والمثالية والأبدية لمن يمتلك حجر الكرستال المشع بالضوء الأزرق وإن يجونتا هي الوحيدة التي أمكنها بلوغ الضوء الأزرق لذلك اعتبرها سكان القرية ساحرة لكن عشيقها كشف سر الطريق المؤدي للنور الأزرق فأصابها ذلك بصدمة جراء خيانة حبيبها لها مما دفعها للانتحار حيث رمت نفسها إلى الوادي من أعلى قمة الجبل وكان موتها قد جلب السعادة لكل الذين لم يفهموا أن الواقعية تقتل الحلم.. كان الفيلم رومانتيكياً حالماً وذو مسحة شاعرية حيث حاولت المخرجة بإمكانياتها وتجربتها المحدودة تحقيق وتنفيذ أثر سينمائي مكتمل وناضج ونجحت في خلق مناخ الأسطورة من خلال الإنارة وأسلوبها الإخراجي وجسدت بدقة لعبة التناوب بين الظلال والأضواء  وبين الأبيض والأسود  والتدرجات الرمادية . لقد كشف هذا الأسلوب عن عمق شاعري لدى هذه المؤلفة السينمائية الذكية والجريئة التي نافست في عملها كبار المخرجين الرجال في تلك الفترة وتفوقت على البعض منهم في هذا الاختصاص المحتكر من قبلهم. وكانت المخرجة هي التي مثلت الدور الأول الرئيسي في فيلمها أيضاً وكان ذلك إذاناً بميلاد مخرجة إمرأة هي الأولى في تاريخ السينما الألمانية. 
    عندما لجأ المنظر السينمائي وكاتب السيناريو اليساري والاشتراكي النزعة والعقيدة بيلا بالاز إلى الاتحاد السوفياتي بعث لها بعروض للعمل في موسكو لكنها رفضت لأنها شعرت أنها لاتستطيع أن تمثل وتبدع خارج المناخ الجرماني في إطار انتعاش السينما التعبيرية . وبعد وصول هتلر للسلطة وسيطرته على الحكم أخرجت ليني ريفنستال فيلم " انتصار الإرادة" عام 1934 وفيلم " آلهة الملعب" وهما فيلمان دعائيان للنظام النازي الجديد في السلطة. لكنهما مع ذلك كانا فيلمين ذكيين وممتعين من الناحية الشكلية المحضة وليس من ناحية المضمون. ومنذ ذلك التاريخ أصبحت هذه المرأة هي مخرجة النظام الرسمية وأصبحت كلمتها هي النافذة والمطاعة. انتشرت حولها أقاويل  وإشاعات وانتقادات عنيفة وجارحة ومسيئة لسمعتها وفنها بسبب علاقتها بقادة الرايخ الثالث حيث قال عنها هتلر إنها فنانة موهوبة جداً لكن هذا الموقف تجاه النظام النازي كلفها الكثير بعد دحر النازية وسقوط هتلر.
    وفي هوليوود كانت هناك ممثلات شهيرات كن في مصاف النجوم يشاركن في بعض جوانب الإخراج في أفلامهن على جانب المخرجين الرجال المكلفين بالمهمات الرئيسية لعملية الإخراج السينمائي وهي إدارة الممثلين والتنسيق مع مدير التصوير لاختيار الإنارة المطلوبة. ومن الأمثلة المشهورة ماري بيكفورد وماي مواري والشقيقتان يموفا وماريون ديفيز ، خصوصاً عندما يكون المخرج زوجاً للنجمة والبطلة الرئيسية لفيلمه.
    أول مخرجة هولوودية هي بلا جدال لويز فيبر وكانت بدايتها سنة 1915 . في الفترة نفسها التي اخرجت فيها جيرمين دولاك الفرنسية أول أفلامها الطليعية في فرنسا، كانت لويز فيبر ممثلة وعضواً في فريق المنتج أدولف زكور مؤسس شركة بارامونت وظلت لعهد  طويل المرأة المخرجة الوحيدة في هوليوود لأن آليس غي كانت تعمل آنذاك في نيويورك.
    الشخصية النسائية الثانية التي اقتحمت ميدان الاخراج السينمائي في هوليوود هي دوروتي أزنر التي لم تكن ممثلة أو مؤلفة أو أديبة بل كانت وببساطة خبيرة متعمقة بتقنية السينما وهي من مواليد سان فرانسيسكو سنة 1900، درست في جامعة كاليفورنيا  الجنوبية في قسم الإخراج السينمائي ودخلت للعمل في شركة بارامونت سنة 1919 كسكرتيرة ومن ثم مارست الاختصاصات السينمائية كافة قبل أن تصل إلى مستوى تحمل مسؤولية الإخراج لوحدها بعد أن تمرنت طويلاً كخبيرة مونتاج.
    وهناك إمرأة أخرى هي جاكلين أودري التي، منذ أن دخلت استوديوهات هوليوود عام 1933، وهي تعرف ماتريد بالضبط. فبرغم أنوثتها المغرية وجمالها الجذاب لم تفكر لحظة واحدة أن تصبح ممثلة وأن تكون نجمة مشهورة بل أرادت أن تكون مخرجة. وعملت سكرتيرة ثم مساعدة مخرج وأخيراً مخرجة سينمائية لها كلمتها وشخصيتها المتميزة ونفوذها وأسلوبها الإخراجي الخاص بها وهذا هو الطريق التقليدي في التدرج في المسؤوليات الذي يتبعه الرجال للوصول إلى مهنة الإخراج.
    وفي فرنسا برز إسم المخرجة آنييس فاردا ذات الشخصية القوية  التي ظهرت بوضوح وانعكست على آثارها السينمائية وهي من أصل يوناني ولدت في بوكسيل من أبوين يونانيين عام 1928 وتربت في فرنسا وتابعت دروس مدرسة فنون الديكور في باريس وأصبحت مصورة فوتوغرافية محترفة وتوظفت في المسرح الوطني الشعبي الذي كان يقوده المسرحي القدير جون فيلار. فكرت فاردا أن الكاميرا السينمائية أفضل وأكثر فائدة من آلة التصوير الفوتوغرافي لتسجيل الحياة اليومية الواقعية. وفي عام 1945 أسست جمعية سينمائية مع آلان رينيه وكارلوس فيلار ديبو لإنتاج فيلم كتبت هي له السيناريو وعنوانه " النقطة القصيرة" وكان أثراً سينمائياً فريداً ومتميزاً في تاريخ الانتاج السينمائي الفرنسي في ذلك الوقت. وكان فيلمها الطويل الثاني ، الذي أخرجته بعد سلسلة من الأفلام القصيرة ، لما لاقته من صعوبات وعراقيل وعوائق مادية منعتها من مواصلة إخراج الأفلام الطويلة ، ولكن بعد ظهور " الموجة الجديدة" في السينما الفرنسية ، التي كانت هي من روادها، سنة 1957، تمكنت آنييس فاردا من إخراج فيلمها الروائي الطويل الثاني وعنوانه " كليو من الخامسة إلى السابعة" وكان فيلما جميلاً ومجدداً في كل شيء ، في موضوعه وتصويره وإخراجه وتمثيله. ثم ألحقته  بتحفتها السينمائية الثالثة " السعادة" الذي كثيراً ما قورن بأفلام المخرج السويدي الكبير إنغمار بيرغمان. وظلت هذه المخرجة المبدعة تعمل وتبدع في السينما الفرنسية وأصبحت أحد أعمدتها الرئيسية بعد أن رسخت اسمها عالمياً ومن أفلامه الجرئية " بلا مأوى ولا قانون ، الذي أخرجته سنة 1987 ، وتوفيت مؤخراً سنة2020 . وهناك مخرجات نساء كثيرات اليوم في فرنسا وايطاليا وفي الدول الاشتراكية سابقاً وكذلك في بلجيكا وسيوسرا حيث يوجد اليوم أكثر من 500 مخرجة سينمائية في جميع أنحاء العالم وهو عدد ضئيل إذا ما قورن بعدد المخرجين الرجال . لكن المرأة أثبتت أنها قادرة ، بل وفي كثير من الأحيان، متفوقة على الرجل في هذا الميدان من العمل الفني الإبداعي أي الإخراج السينمائي، الذي بدأ وما يزال حكراً على الرجال . والقائمة طويلة لايمكن إدراجها بالتفصيل تبرز فيها بضعة أسماء كأمثلة على ماذكرنا مازلن يعملن وينتجن ويخرجن أفلاماً سينمائية راقية مثل نيللي كابلان مساعدة عميد السينمائيين الفرنسيين الراحل آبل غانس والروائية الكبيرة الراحلة مارغريت دوراس التي أخرجت العديد من الأفلان السينمائية الطليعية  الحديثة  والممثلة الراحلة جولييت بيرتو بطلة غودار في فيلم الصينية التي تحولت للإخراج وأخرجت بضعة أفلام طويلة ناجحة، والمخرجة البلجيكية الموهوبة شنتال أكرمان والممثل الشابة التي تحولت للإخراج كريستين باسكال  وزميلتها أليزابيت هوبير  ويانيك بيلون  صاحبة الفيلم الجميل " الحب المغتصب"  وكولين سيرو مخرجة الفيلم الشهير " ثلاث رجال ومهد" وجان مورو  والألمانية مارغريت فون تروتا  ومونيك رونو وليلان دي كريماديك الخ..
    وفي السينما العربية لدينا مخرجات موهوبات مثل رنده الشهال وجوسلين صعب وهيني سرور وإيناس الدغيدي وغيرهن كثيرات في تونس والمغرب والجزائر ومصر والعراق وسوريا لكن مهتمهن أصعب من نظيراتهن الغربيات  نأمل أن يزداد عددهن ويستمر إبداعهن في إطار السينما العربية الجادة  وليس التجارية المبتذلة.

    نشرت هذه المقالة في مجلة الثقافة الجديدة التي يصدرها الحزب الشيوعي العراقي في العدد 7 السنة 38 أيار 1991

    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media