شيء من اللغة.. دلالة (قومك) في القرآن
    الخميس 19 مارس / أذار 2020 - 19:36
    د. هادي حسن حمودي
    باحث وأستاذ جامعي عراقي - لندن
    كتب لي متابع معنيّ بلغة القرآن رسالة طويلة خلاصتها أن الإسلام خاص بالعرب، وذكر ثلاث آيات، الأولى: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ) والثانية (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)(إبراهيم 4) والثالثة: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ)(الشعراء 195). 
    * جوابي:
    الموضوع ذو شقين: القوم، واللسان العربي. نتحدث هنا عن الأول ونرجئ الثاني، تيسيرا للقراءة:
    الحقل اللغوي للجذر (ق و م) دالّ على التصدّي لأمر ما. كما في قولك: قام صاحبي بكتابة رسالة. فأنت لا تقصد أنه كتبها وهو واقف على رجليه. بل عبّرت عن عزمه على ما أراد وتنفيذه لما عزم عليه.  
    فلا يصحّ أن نذهب لتفسير معاني مشتقات (ق و م) ومنها (القوم) من غير المرور بهذا المعنى الأصيل للفظ.
    ولنواصل:
    تُشتقّ من هذا الجذر مشتقّات كثيرة، يبقى فيها ذلك المعنى. فالقيامة هي: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (المطففين 6). ومثلها إقام الصلاة أو إقامتها، أي أن تؤدَّى بكل ما يُطلب فيها ومنها.
    والقوم: في الأصل اسم منقول من المصدر: (قام، قوما، وقومة، وقياما) وبإدخال الألف واللام على المصدر يظهر (القوم) بمعنى جماعة مِن النّاس بينهم روابط من نَسَبٍ أو عقيدة، وما أشبه ذلك.
    * فمثال رابطة النّسب: (ثُمّ بَعَثْنا من بعدِهِ رُسُلاً إلى قومِهِمْ)(يونس 74). وغيرها.
    وإنما صاروا (قوما) بسبب العلاقات التي بينهم إذ (يقوم) بعضهم بشؤون بعض.
    ونلاحظ أن إسناد لفظة (قوم) إلى النبي الكريم (قومك) (قومي) وردت في السور المكية فقط، ولم ترد في السور المدنية، وهي:
    الأنعام 66: (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ)
    هود 49: (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا).
    الزخرف 44: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ)
    الزخرف 57: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ)
    وكذلك ما جاء في سورة الفرقان 20: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا).
     كلها مكية، ذلك أن قبيلة قريش قوم النبي، وإليهم ينتسب. ولم تكن بينه وبين أهل المدينة، رابطة نسب. ولكن القرآن الذي هو ذِكْرٌ له ولقومه، لم يمنعهم من أن يأخذوه إلى غيرهم، ولذا عرض النبي رسالته على القبائل حتى توفق أهل يثرب للإيمان بها، فصارت يثرب المدينة المنورة.
    كما نلاحظ أنه منذ بدء الإسلام آمن به عدد من غير قريش ومن غير العرب، مثل بلال الحبشي، وسلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وغيرهم. كما آمن به، في الفترة النبوية عدد من أهل الأديان الأخرى، بلا إكراه ولا إجبار، ولك في سبب نزول الآية (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة 265) دليل واضح.
    وليس من المعقول ولا من المنقول ولا من المقبول أن يأتي أحد أتباع ثقافة أخرى يريد الانتساب للإسلام، ثم نقول له: كلا لن نقبل إسلامك. فأنت لست عربيا وهذا الدين خاصّ بنا.
    * وإذا كانت تلك هي رابطة النسب فثمة رابطة أخرى هي رابطة العقيدة: (وهُدىً ورَحْمةً لقومٍ يؤمنون) (النّحل 64) فهؤلاء مِنْ مختلف الأنساب والأماكن صيّرهم الإيمانُ قوما. ومثلها آيات أخرى.
    وقد أراد الإسلام تغليب رابطة العقيدة في تكوين الأمة على رابطة النسب، من غير إلغاءٍ لهذه الأخيرة، بل بتشذيبها من التعصب والعنصرية. ولنا أدلة وفيرة على هذا كما في الآية 24 من سورة التوبة، وكما في الخطاب النبوي الموجه للناس كافة، لا للعرب خاصة: (أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى). ولا تقوى جديرة بصفتها بلا إيمان جدير بصفته، كيفما نظرت إلى معنى الإيمان ومعنى التقوى.
    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media