كورونا ... ونهاية سلطة القانون
    الأحد 22 مارس / أذار 2020 - 21:42
    آية الله الشيخ إياد الركابي
    لم يكن مسموحاً  قبل اليوم البوح بما هو  وحول  ما يمكن أن يكون عليه العالم   ،  لكن الأقدار المجهولة  قد باغتت  العالم  من غير رحمة  ومن دون تمييز  لتقلب الحياة رأساً على عقب   ، لقد نبهت  منظمة الصحة العالمية  بعد حين  وبعبارات  صادمة   ما يمكن  أن يحدثه أو يسببه  هذا الوباء على الصعيد الدولي ، و كان ملفتاً هذا التجييش غير المسبوق  من جميع الدول والقطع المبرمج  للحدود  وللصلات  بين الدول والمجتمعات  يُنبئنا  هذا  وكأن أمراً  كبيراً  ما سيحدث لا حقاً  حتماً .
    وبعيداً عن الضوضاء والصخب الإعلامي كان لابد من وقفة مع هذا التسونامي  الجارف  الذي أختلف الناس في تصنيفه  كلاً  حسب طبيعته  وطبيعة  المتبنيات التي يتبعها  .
    ان وضعاً  جديداً سيقرر  للعالم  حسب مقاسات  جديدة ومعطيات جديدة وهي بحدود  ما يقوله  أهل الشأن  (سيادة النزعة استبدادية القائمة على هيمنة المعرفة الذكية)  ،   وفي  أوربا  وضمن مصانع القرار الإستراتيجي  تبدو هذه  النظرية غالبة   ،  وقيل  لنا  إن لها ما يبررها  بعدما سادت  الفوضى في النظام الإجتماعي والثقافي  والإقتصادي  بعد  الحرب العالمية الثانية    ،  والغرب عموماً  يتعرض جراء هذا الوباء إلى هزات عنيفة  في المال والإقتصاد وحتى على الصعيد  السياسي ، وليس سهلاً ما يتعرض إليه السكان الأصليين من هذا الوباء اللعين   ، لكنهم مؤمنين بأن المستقبل هو المهم  وإنه لا بد من إعادة النظر بمفهوم (سيادة القانون  والديمقراطية  والأسواق  المفتوحة)  ، والمشرع  الغربي  يعتبر  نظرية سيادة القانون  في شكلها الحالي  عبئاً  كبيرا  وله آثارا خطيرة على المستوى الإجتماعي والإقتصادي والثقافي والنفسي   .
    كذلك  ولم تكن الديمقراطية ولا الأسواق المفتوحة بقادرة على صناعة ثقافة التعايش في ظل القانون ممكنة ،   وبعدما زاد   عدد  المهاجرين بنسب خطيرة  مما  يشكل هذا خطرا جديا على مستقبل  أوربا  والغرب عموماً   ،  ولم تكن  نشأت  القوى المتطرفة  والراديكالية  خارجة عن السياق   ،  بل عدها  المشرع الغربي  نتيجة طبيعية للخلل  في ميزان  الحياة الإجتماعية والثقافية   ،  ناهيك  عن الطريقة  السيئة  التي يُقدم الشرق فيها نفسه  للعالم  ،  من خلال متبنياته  الثقافية والإجتماعية والسياسية   ،  ولم يكن ممكناً  القبول  بهذا الكم  من صناعة العنف والتطرف وتصديره  تحت مسميات دينية  عممت الفوضى وأرهقت المجتمعات بثقافات  بدائية ، ساعد  في هذا  صعود  وتنامي  نوعاً  من الأحزاب والمنظمات والشخصيات  التي تبنت ذلك  وروجت  له  وفقا لمصالحها ورغباتها ،  وكانت  الحروب المحلية والأهلية ذات الطابع المذهبي والطائفي  الوجه البشع  عن ذلك  التقديم  السيء  .
    في ظل هذا لم يكن ممكناً  القبول  بالديمقراطية ولا بنظرية  الحقوق الطبيعية ذات معنى في ظل هذه الفوضى ، وفي المقابل عجز النظام الغربي  أن يجد آلية  يمكنها  التغلب على هذه الظواهر المتطرفة ، وكان ما يقدمه  من حلول  ومعالجات  عبارة عن  ردود أفعال أو إفتعال مشاكل هنا وهناك على أمل التخفيف من عبء التحدي  .
    وإذا برأنا الإنسان من صناعة هذا الوباء فهناك اعتقاد واقعي  بانه  قد  جاء في وقته ، ليساهم في معالجة ما كان يعتبر تحديا للقانون وسيادته وللحقوق  ،  كما لم يكن ممكناً   جعل  التغيير  في القوانين  طبيعياً  لدى قطاعات واسعة مؤمنة بنظرية الحرية والعدالة والقانون   ،  لهذا كان الوباء هبة من  الله   أو من الطبيعة   وقد جاء في وقته  ليرفع عن كاهل المشرع ما كان يخشاه  أو يعتبره تحدياً إجتماعياً   ،  فكان هذا الوباء  النموذج  الذي  يحدد شكل العالم القادم  من غير  ان يحدث  إهتزاز إجتماعي   ،  خاصةً  وصناع القرار والمشرعين  كانوا مؤمنين بالتجديد والإلغاء  للنظام  القديم  في نفس الوقت .
    وهنا سأستعير تلك المقولة التي تبناها كورباشوف ونادى  بها  قبل نهاية الحرب الباردة  إنها (البيرسترويكا) إنه الإلغاء والتجديد   ، ولكننا  هنا  سنوظفها  وفقاً  لنظرية المعرفة الجديدة حول سلطة  التكنولوجيا الذكية  وقدرتها  في إنهاء حقبة عالم الإستهلاك والرفاهية ، وبالتالي  إعادة  تشكيل العالم على أسس  ومضامين  جديدة  ولعل من أبرزها  ذلك  المصطلح  الذي  يقول  :  إنما  (الإنفاق بقدر الحاجة)   ،   وهذا التعبير  يعيدنا للحقبة التي تبناها ماركس وأنجلز في زمن ما ، وهو ما يظهر جليا في  ذلك  المقال المنشور في الجيوبلتيكس للكاتب  الفرنسي جاك أتالي  .
    نعم  إنه  عصر جديد  وعالم  جديد   سوف يُبنى  ولن  يكون فيه للضعيف دورا ولا قدرة ،  وكأننا على أعتاب مرحلة من الإستبداد الذي تتحكم به التكنولوجيا  الذكية  وعالمها المتعدد الإتجاهات ، وفي ظل ذلك  سينكمش دور العالم  القديم  بنسخته  التي تشكلت  بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي  وتلك  حتمية  تاريخية وواقعية ، ومعه  ستزول تلك المجتمعات البدائية ذات التقاليد البالية  ،  وأعني هنا زوال  الكثير من المجتمعات العربية  ذات الثقافات  والتقاليد  العتيقة   .
    وكان  مقدمة ذلك أن سد العالم أبوابه ومايؤدي إليه  ، وفي ذلك أيذآن  وتفكير جدي بطرد المهاجرين وإعادة توطينهم في بلدانهم الأصلية  ،  يشمل هذا القرار قطاعات  واسعة ممن يعتبرون عالة على المجتمعات الغربية  ، وسوف ينتهي مفهوم السوق المفتوحة  وستعود أوربا كما كانت قبل الإتحاد  ، وسيعمم المفهوم  الوطني للدولة القطرية  ،  وقد أشار إلى ذلك  أحد  المسؤولين في السويد  من غير قصد  ،  وهذه حقيقة يجب  النظر إليها بعناية وجدية  ، حيث سيكون الإقتصاد من الآن  فصاعداً  أكثر صرامة  ،   وستتحكم فيه قوى جديدة تخضع بدرجة كبيرة  للتكنولوجيا الذكية  ، فكانت الكورونا إذن إيذآنا  بنهاية عصر وبداية عصر جديد ..
    آية الله الشيخ إياد الركابي 
     

    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media