عيد كورونا!!
    الأثنين 25 مايو / أيار 2020 - 06:34
    د. صادق السامرائي
    عيد سنة ألفين وعشرين يختلف تماما عن أي عيدٍ , فهو عيد كورونا المطلق الذي ألزم الناس بيوتهم , وفرض عليهم دخول مساكنهم , وإلا سيجتاحهم الوباء العارم ويأكل منهم ما يشتهيه.

    عيد كورونا وضع البشرية أمام ذاتها , وأخرجها من دائرة النزق التي كانت تسكر فيها , وفرض عليها أن تجالس نفسها وتبصر حقيقة الحياة ومعانيها وما يدور في أعماقها وماهية جوهرها.

    عيد كورونا جعل الناس تبتعد عن بعضها , وتخشى الزيارة والإحتفاء بالعيد في البيوت والجوامع والفنادق , وغيرها من أماكن الإحتفال والإجتماع , لأن الكورونا سيندس بين الحاضرين ويصيبهم بدائه الوخيم.

    عيد كورونا يقظة بشرية ما بعدها يقظة , وزعزعة إدراكية , وهزة وعيوية عنيفة , كأنها الإعصار الذي يداهم الأشجار فيجردها من أوراقها ويلقي ببعضها أرضا.

    عيد كورونا , تمكن منّا , فعزلنا وأجبرنا على التعايش مع وحدتنا والتباعد عن بعضنا , والتفاعل عن بعد لكي نحافظ على حياتنا , وجعلنا نتيقن بأن المخلوق يواجه مصيره لوحده , فلا ينفعه مال ولا بنون , ولا أي وهم من أوهام سكرة الدنيا.

    عيد كورونا لديه عيون ميدوزية تحدّق في الموجودات , التي لا تزال غير قادرة على كظم ما فيها من نوازع البغضاء والشرور , وما أن تلمحها حتى تحيلها إلى عصف مأكول , وترمي بها في غياهب أسرة العناية المركزة لتلقى حتفها بعد حين مرير.

    عيد كورونا علينا أن نوظفه لإستكشاف طبقات وعينا , وفضاءات مداركنا , ومدارات عقولنا , فنتبصر ونتحذر ونعمل على تعبيد سبل نجاتنا من قبضة العدم , ومن الأسر في متاهات الرغبات والنزعات الدونية التي سحقت الإنسانية.

    عيد كورونا يعلمنا المعنى الحقيقي للعيد , ويبعدنا عن الهشاشة والسذاجة والغباوة السلوكية , التي أدْمَنّا عليها وتوارثناها جيلا بعد جيل , فأرانا قيمة التفاعل الإيجابي الرحيم , وأن نكون أخوة , فالتراب أبونا وأمّنا , وكل مخلوق سواء بعرف كورونا , الذي يتحدّى مَن يرى أنه في مَنعة وأمان من صولاته العِظام.

    عيد كورونا أجبرنا على التنافر والإبتعاد , ليُشعرنا بقيمة التفاعل والإقتراب , الذي وشحناه بالدموع , ومضينا في النيل من بعضنا بقيادة أبالسة ما فينا من أمّارات السوء والكراهية والعدوان وحب سفك الدماء.

    عيد كورونا يخبرنا أن الحياة رحمة ومحبة وألفة وأخوة , فالمصير واحد وقافلة الأحياء يصعد إليها الكثيرون وينزل منها الكثيرون , وهي تسير على ظهر سيارةٍ تدور.

    فهل سنتعلم معاني العيد السعيد؟!!

    د-صادق السامرائي
    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media