في أفق تدبير مغاير لجائحة كورونا بالمغرب
    الثلاثاء 26 مايو / أيار 2020 - 19:41
    عبد الإله الوثيق
    اذا كانت مسؤولية الدولة ، تفرض عليها القيام بما تراه مناسبا لحماية حياة مواطنيها في حال كان هناك خطر يتهددهم ، كما هو الشأن مع جائحة كوفيد 19  التي دفعت عددا من الدول ، ومن بينهم بلدنا المغرب - والذي يهمنا هنا مناقشة تدبيره لهذه الأزمة - الى فرض حالة الطوارئ الصحية ، لتفادي تفشي فيروس كورونا وما قد يتسببه من وفيات كبيرة في صفوف المواطنين كما حدث في دول مجاورة...
    اليوم ونحن نلج الشهر الثالث من الحجر الصحي ، وهو الاجراء الذي باغث الجميع ولم يسعفهم ليتحضروا لمواجهة تبعاته ، بات من الضرورة علينا جميعا ، التفكير في صيغ بديلة ، تمكن من تدبير الحياة العامة بما يضمن من جهة ، اعادة دفع عجلة الاقتصاد ثم انعاشه ، و من جهة ثانية إتاحة ضمان تنظيم حركية التنقل في ارجاء البلاد بشكل سلس ، متحكم فيه بحيث نستطيع  رصد وتتبع الحالات المصابة بفيروس كورونا .
    للاشارة ، عندما قامت حكومة سعد الدين العثماني في 20 مارس الماضي بفرض حالة الطوارئ الصحية ، لم يكن أحد يتوقع في أول الامر اننا سنكون أمام تمديد أول ثم ثان لهذا الوضع الاستثنائي ، ناهيك عن ما خلفه هذا التمديد المتكرر  من انعكاسات اقتصادية ، همت حجم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها مجموعة من القطاعات ، لدرجة أن البعض أصبح على شفير حافة الافلاس ، إن لم يكن قد افلس فعلا .... ينضاف الى ذلك ما صاحب هذا القرار من تبعات أخرى على الصعيد الاجتماعي ، عندما تأثر بسببها عدد من المواطنين الذين تقطعت بهم السبل في مدن كانوا قد قصدوها قبل صدور القرار، بحثا عن لقمة العيش بعيدا عن ذويهم ، ليجدوا انفسهم بين عشية وضحى بين سندان توقف القطاع الاقتصادي الذي كانوا يشتغلون به ويعيلون من خلاله أسرهم ، وسندان قرار الحكومة المتمثل في منع التنقل بين المدن ، ناهيك عن تنكر هذه الأخيرة لهؤلاء ، بحيث لم تتحمل لا مسؤولية رجوعهم الى أسرهم ، و لا حتى ما بعاتقهم من تكاليف وإلتزامات تخص عيشهم اليومي كالكراء وغيره ... في الاخير ، وجدت هذه الشريحة نفسها  أمام خيار وحيد ، تمثل في المغامرة عبر غيابات الفيافي ، يقطعون مسافات بمئات الكيلومترات فيما يشبه سفر العهود الوسطى ، الشيء الذي عرض حياة الكثيرين منهم لخطر الموت المحقق ، في تناقض تام مع ما استند عليه منطق لجوء الحكومة لفرض حالة الطوارئ الصحية  ، المتمثل في حماية حياة المواطن كأولوية قصوى . فكيف إذن يستقيم الامر ، عندما نريد ان نحمي من ندفع في سبيله من يتساوى معه في الحقوق والواجبات الى التهلكة ،  وذلك من خلال تطبيق حرفي لقرار حكومي ، قد يجتهد في تفسيره أصغر عنصر سلطة ، تصادفه عند حاجز امني بما قد يمليه عليه هواه ، كأن يقول مثلا لوافد ما ، يرتفق سيارة ، بأن عليه العودة من حيث أتى بسبب عدم توفره على ترخيص ، فيجيبه الوافد بأنه يملك من البنزين ما يسعفه فقط لبعض كيلومترات ، ليواجه برد مكانيكي صرف من نفس عنصر السلطة ذاك ،  مفاده ان الامر ليس من شأنه ، فهو يطبق التعليمات والسلام... 
    غيض من فيض معاناة كثيرين ، تجاهلتهم الحكومة عندما اتخذت قرارتها السريعة - ولا أريد أن أنعتها بالمتسرعة - حيث تركتهم لمصيرهم المجهول ، توقف مورد رزقهم ، منع التنقل بين المدن ، ولم تتحمل مسؤوليتها تجاههم - على الاقل عندما لم تكن مستعدة على مستوى بنيتها الصحية - بما قد يتيح لمن اضطر للعودة الى حضن أهله ، ان يقوم بتحاليل مجانية أو على نفقته ، تكون بمثابة المسوغ القانوني الامثل للحصول على ترخيص تنقل ، وبالتالي تفادي ظاهرة تسلل البعض ، بسبب تعقيدات الاجراءات و الخوف من التبليغ عليهم ، مما يرفع من احتمال انتنقال العدوى من وافد بشكل غير قانوني مصاب بالفيروس ، لعدد من المواطنين الذين خالطهم ، فتتعقد بذلك مسألة تنتبعهم مما يضاعف الجهود والنفقات التي كان يمكن ترشيديها ، عبر التحكم بضبط ايقاع الوافدين - حتى المصابين منهم - عبر القيام بعزلهم ، لان الخوف كل الخوف في نظري ، لا يتمثل في دخول مصاب للمدينة مادام اننا نتتبعه ، ومادام اننا في نفس الدولة ، حيث سيتلقى نفس برتوكول العلاج هنا أو هناك ، بدل ان نصبح فيما يشبه سباق المدن ، عندما يتعلق الامر بمؤشر وجود ، او عدم وجود حالة تعالج بهذه المدينة او تلك ، عكس ما قد يشكله دخوله من خطر في حال تسلله ، مع ارنفاع احتمال ذلك ، في ظل تمدد الازمة زمنيا ، وعدم ملاءمة قرار الحكومة بخصوص حالة الطوارئ الصحية ، على من قد يخالطهم بوعي او بغيره.و مع ما قد يمكننا جميعا تخيله من انعكاسات غاية في التعقيد ، في مثل هذه الوضعية.  
    أعتقد اليوم ان الحكومة ، وفي ظل ما سقناه اعلاه ، مسؤولة عما قد يكون قد لحق بعدد ممن تقطعت بهم السبل، بسبب قرارها السريع بفرض حالة الطوارئ الصحية ، في ظل غياب تصور واضح لديها بخصوص وضعية هؤلاء الأشخاص الذين فقدوا مصدر رزقهم ، بسبب توقف القطاع الاقتصادي الذي كانوا يشتغلون به ، وعدم تمكنهم من الالتحاق بأسرهم بسبب قرار منع الننقل بين المدن ... في ظل هذا الوضع ، و من موقعنا كمدافعين عن حرية التنقل كحق موقوف الننفيذ مؤقتا بسبب جائحة كورونا ، نطالب الحكومة باعنماد آلية جديدة لتدبير عملية منح رخص التنقل بين المدن ، يكون أساسها خضوع طالب الترخيص لتحليل اخترازي يخص كوفيد 19 ، مع ما يقتضيه ذلك من ضرورة اسراعها بتعميم نقاط القيام بهذه التحاليل كشرط اولي لابد منه ، مما سيمكن من ضمان سلاسة أكبر للوافدين ، سواء من داخل المغرب أو من خارجه ، و ضبط أكبر لعملية رصد و تتبع الحالات المصابة ،  مع فتح إمكانية اختيار المريض لمكان علاجه حال قرر الاستشفاء في مدينة غير التي شخص طاقمها اصابته ، شريطة مواقفة بنية الاستقبال و تحمله مصاريف التنقل .
    أخيرا ، ومن موقعي كمدافع عن حقوق الإنسان عامة ، ادعوا كل من تضرر من قرار الحكومة القاضي بفرض حالة الطوارئ الصحية ، وما صاحب ذلك من عدم تحمل هذه الاخيرة لمسوؤليتها تجاه هذا المتضرر ، شريطة اثباته ذلك طبعا ، ان يتوجه للقضاء من أجل المطالبة بالتعويض عما اصابه من ضرر جراء ذلك...

    عبد الإله الوثيق 
    عضو المكتب التنفيذي للرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان
    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media