هل جاء أردوغان لقيادة تركيا عبر بلدية إسطنبول أم عبر الصهيونية العالمية؟
    الجمعة 29 مايو / أيار 2020 - 17:28
    فادي عيد
    باحث ومحلل سياسي مصري بشؤون الشرق الاوسط وشمال افريقيا
    لمناسبة الإنشقاقات داخل "حزب العدالة والتنمية" التركي الحاكم، وذهاب رفاق أردوغان  القدامى كداوود أوغلو وعبد الله جول وعلي بابا جان لتأسيس أحزاب جديدة منافسة، وتبادل الاتهامات بينهم من جهة وبين أردوغان من جهة أخرى، نتطرق إلى تاريخ أردوغان السياسي، وكيف جاء أول خلاف للرئيس التركي الحالي منذ بداية مشواره السياسي، مع نجم الدين أربكان أبرز زعماء التيار الإسلام السياسي في تاريخ الدولة الأتاتوركية والأكثر صداما معها.
    كانت البداية بعد إغلاق حزب الفضيلة (الحزب الذى أسسه نجم الدين أربكان) قضائياً في آغسطس/ آب 2001 كي ينقسم أعضاء الحزب إلى فريقين، الفريق الأول تزعمه القياديون الكبار من مؤسسي حزب الفضيلة وأسسوا حزباً جديداً أسمه "حزب السعادة" بينما قام المنشقون بعد يومين فقط من إغلاق حزب الفضيلة وعلى رأسهم رجب طيب أردوغان وعبدالله غول وبولنت أرنتش ومليح كوكجيك بتأسيس حزب آخر أسمه "حزب العدالة والتنمية "، بعد خلافات شديدة بينهم وبين أربكان، خصوصاً بعد إرغام الجيش التركي للأخير على الاستقالة والتنحي وتهديده بالانقلاب العسكري والسجن لجميع قيادات الحزب.
    وهنا لم تتأخر قيادات حزب "العدالة والتنمية" في أتهام أربكان بالفشل فى أدارة الدولة حتى صرح أردوغان بنفسه، قائلا : "أن أربكان ديكتاتور ومحب للسلطة، وأن قراراته وقيادته فردية لا تعرف المناقشة، وأنه لا يستطيع أحد أن يقول كلمة غير كلمته."
    وبعدها أتهم أربكان أردوغان ورفاقه بالرغبة في إشعال نار الفتنة بين مؤسسي وأعضاء حزب الفضيلة والعمل على تقسيم الحزب، قائلا :"أن أردوغان ما هو الا عميل للصهيونية العالمية".
    ثم صرح عبد الرحيم قارصلي زعيم حزب الوسط مستشهدا بالصحافي الشهير وأحد أكثر المقربين من أردوغان وهو عبد الرحمن ديليباك، مؤكدا أن "حزب العدالة والتنمية التركي"أسس على يد الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل، كي يبنى على ذلك الحزب أساس مخطط الشرق الأوسط الكبير، والتحكم فى شكل وحراك تيار الإسلام السياسي كما تريد تلك الدول، على غرار تجربة الإستخبارات البريطانية عند تأسيسها لجماعة "الأخوان المسلمون" في مصر عام 1928.
    وقد أكد كلامه هذا الصحافي علي بولاج، بعد أن فجر بولاج العديد من الوثائق التى تؤكد أصدار شهادة حزب "العدالة والتنمية" من خارج الحدود التركية قبل أن يظهر في أنقرة، وأن حزب العدالة والتنمية هو حجر الأساس في مشروع الشرق الأوسط الكبير، مؤكدا أن الراحل نجم الدين أربكان أطلعه على العديد من الوثائق التى تكشف حقيقة حزب العدالة والتنمية وعمالته، وكان حاضراً في ذلك اللقاء حسب تصريحات علي بولاج نائب رئيس حزب السعادة ارتان يوليك.
    أسس حزب "العدالة والتنمية" في 14 أغسطس/ آب 2001 بعد إنشقاق مؤسسيه عن حزب الفضيلة الإسلامي الذي كان يتزعمه أربكان مؤسس حركة ميللي جوروش (الرؤية الوطنية) الإسلامية في تركيا؛ وقدم نفسه إلى الشارع التركي على أنه حزب سياسي ذو خلفية سياسية اجتماعية محافظة، وكان الرئيس الأسبق عبد الله جول أول من تولى رئاسة الحزب، إلى أن تم رفع الحظر عن رئيس بلدية إسطنبول وقتها رجب طيب أردوغان والسماح له بممارسة السياسة، وجلس على كرسي رئاسة الوزراء الذي أستمر فيه طويلا إلى أن وصل إلى منصب رئاسة الجمهورية في يونيو/ حزيران 2014.
    أما الأخطر من كل ما سبق فقد جاء على لسان مصطفى كمالاك رئيس حزب السعادة (أمتداد حزب الفضيلة) في حوار له مع صحيفة "بوغون" التركية قائلا: "أن الإسرائيليين عرضوا على رئيس حزب الفضيلة نجم الدين أربكان عروضًا لو قبلها الأخير ما كان ظهر حزب "العدالة والتنمية" على السطح، فقد زار فى أحد المرات عدد من الممولين وأصحاب الخطط والرؤى السياسية (دون تحديد جنسيتهم) نجم الدين أربكان وقالوا له بالنص "أن مؤشر الإسلام  بتركيا في أرتفاع، ونحن نأمل في التعاون معكم".
    وقدم هؤلاء لنجم الدين أربكان عرضاً سخياً بداية بتصعيد حزب أربكان إلى سدة الحكم، مرورا بتحمل التكاليف المالية وتقديم الدعم المادي للحزب، وصولا لازاحة المعارضين عن طريق حزب الفضيلة كي يستلم السلطة منفردا، وفي المقابل ضمان أمن أسرائيل، والتعاون في وضع صيغة ورؤية جديدة للاسلام ككل وليس الاسلام السياسي فقط، والمساهمة في جهود إعادة تفسير الاسلام، وأخيرا المساهمة في تنفيذ مشروع "الشرق الأوسط الكبير".
    وقبل أن يخوض نجم الدين أربكان في نقاش حول ما عرض عليه رفض الأمر تماما، ويكمل مصطفى كمالاك حديثه قائلا: أن نفس العرض الذى قدم لنجم الدين أربكان ورفضه، قدم لرئيس حزب الوحدة الكبرى الراحل محسن يازجي أوغلو ورفضه أيضا، إلى أن نجحت إسرائيل في المحاولة الثالثة لها بعد فشل الأولى مع أربكان ثم الثانية مع يازجي، بعد أن تقدمت بمشروع لرجب طيب اردوغان ورفاقه الذين قبلوا بكل الشروط، ويستشهد مصطفى كمالاك مذكرا بتصريح للرئيس التركي نفسه رجب طيب أردوغان عندما أعلن أنه رئيس موازٍ ضمن إطار مشروع "الشرق الأوسط الكبير".
    وفي 2010 صرح نجم الدين أربكان رئيس حزب السعادة وقتها في حوار صحافي مع جريدة"Die Welt "الألمانية قائلا على رئيس الدولة التركية وقتها عبد الله جول ورئيس وزرائه أردوغان "أن هناك بعض القوى الخارجية التى جاءت بهم إلى السلطة، وهي القوى التي تتحكم في النظام العالمي، وتتبنى سياسات عرقية وتتميز بتوجهاتها الصهيونية الإمبريالية وتحول الأشخاص إلى عبيد، الغرب يدعم هذا النظام الصهيوني العالمي دون أن يدرك، وأغلب ما يقوم به الغرب خطأ، وهو يزيد أرباح ومكاسب للصهيونية حول العالم من خلال الضرائب والديون"
    وفي عام 2007 وأثناء مشاركته في مؤتمر خاص بمركز أبحاث الأقتصاد والأجتماع في تركيا صرح نجم الدين أربكان قائلا: "لقد تقلد أردوغان عام 2002 خلال لقائه مع الرئيس الأميركي جورج بوش على منصب مدير مشروع الشرق الأوسط الكبير وإسرائيل الكبرى، وبعدها حصل أردوغان على وسام "الشجاعة اليهودي"، وبعد ذلك بأقل من عامين بدأ رجب طيب أردوغان فى طرح مصطلح جغرافي سياسي جديد إلا وهو "الشرق الأوسط الكبير" وبدأ يصرح لوسائل الأعلام التركية عن شكل وماهية وكيفية تنفيذ ذلك المشروع ودور تركيا فيه، وأن حجم تركيا فى ظل قيادة حزب إسلامي يحافظ على علمانية الدولة يؤهلها لقيادة المنطقة، ويجعل من تركيا عموداً رئيسياً لتنفيذ أي مشروع بالاقليم وفي مقدمتها مشروع "الشرق الأوسط الكبير".
    وبنفس الصدد تحدث عبد اللطيف شنر (نائب رئيس الوزراء من عام 2002 الى 2007 في حكومة الرئيس عبد الله جول) فى برنامج تلفزيوني على قناة "هلك تى في"، قائلا : "أن مهمة أردوغان الأولى هي تطبيق سياسات إسرائيل وضمان حمايتها، وتحويل مدينة القدس عاصمة لإسرائيل".
    وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2010 أجرى أربكان حواراً تلفزيونياً مع الأعلامي الشهير أوغور دوندار على قناة " "Star TVوعندما سئله دوندار قائلا: لقد قلتم أن أردوغان يخدم الصهيونية، فكيف ذلك وأردوغان معروف عنه توجهاته الإسلامية ودفاعه عن المسلمين بكل مكان في العالم؟
    فأجاب أربكان: "أن الصهيونية تسمح لشخص أردوغان بذلك، بل أسرائيل هى من تطلب منه ذلك كي يكسب تأييد الشعب التركي المعادي لإسرائيل وكذلك باقي الشعوب العربية والإسلامية، فأسرائيل بحاجة ماسة له في المنطقة، فهو صنيعة "الصهيونية" ومن تربع على كرسي أمين صندوق الصهيونية".  
    وفي نفس السياق صرح عبد الرحمن ديليباك الصحافي الإسلامي الشهير بجريدة "يني عقد" اليومية الموالية لأردوغان، قائلا : "أن حزب العدالة والتنمية تم تأسيسه كمشروع من قبل الولايات المتحدة الأميركية وإنجلترا وإسرائيل، وتأتى خريطة القواعد الاميركية وقواعد حلف الناتو بتركيا خير دليل على ذلك".
    وفي سؤال صادم طرحته صحيفة "ملي غازيت" الإسلامية على رجب طيب أردوغان الذى يسوقه إعلام حزب العدالة والتنمية وقناة الجزيرة القطرية على أنه الفارس المنقذ والمدافع الأول عن حقوق المسلمين في العالم، إذ تساءلت الصحيفة فى عنوانها الرئيسي "هل قاعدة كوراجيك أسست ضد الصهيونية؟"
    ثم طرحت الصحيفة تقريرها الصادم للرأي العام التركي والذى تضمن شهادة مجلة "دفينس نيوز" العسكرية الأميركية والتي توضح دور قاعدة كوراجيك الرادارية الأميركية فى مدينة ملاطية بوسط تركيا، موضحة أن قاعدة كوراجيك الرادارية تعمل بصورة متناسقة مع نظام القبة الحديدي في "إسرائيل"، قبل أن يتم الإختبار والتدريب على التعاون بين تل أبيب وملاطية، وهو النظام الراداري الذى أقامته "إسرائيل" بعد كم الصواريخ الذي أصابها أثناء حرب تموز 2006 على يد حزب الله اللبناني.
    واذا تعمقنا بالنظر أكثر داخل الخريطة التركية سنجد أكبر قوات لحلف الناتو في منطقة الشرق الأوسط هناك، عن طريق العديد من القواعد العسكرية مترامية الأطراف في جميع أنحاء تركيا بداية من قاعدة الاسكندرون، مرورا بقواعد سيلفلي، انقرة الجوية، بلياري، انجرليك، وسيونوب، وبيرنكيك، وكارنمابردن، وصولا الى قاعدة أزمير الجوية.
    هذا إلى جانب حق الولايات المتحدة الاميركية في إستخدام كل المطارات والمؤانى وإنشاء أجهزة الإنذار المبكر والرصد والرادارات في أي بقعة في تركيا.
    وعند ذكر كلمة رادارات يجب أن نتذكر منظومة الرادارات التى وضعتها أميركا بتركيا لكي تغطي جميع دول الأقليم ليس بهدف حماية الأراضي التركية، وإنما لحماية "إسرائيل" كما صرح قائد أسطول القوات البحرية الأميركية في البحر المتوسط عندما قال :"أن هذة الرادارات مهمتها أرسال إشارات الإستشعارات المبكرة للبوارج الأميركية التي تقف في عرض البحر المتوسط لحماية "إسرائيل"، لأن الرادارات التي توجد على البوارج الأميركية مداها لا يتجازة 250 كم لكن رادارات على مستوى جبال طوروس أو جبال تركيا فهى تسطيع رصد أي صاروخ يخرج من سوريا أو إيران، وأرسال إستشعارات للبوارج التى تحمل منظومة صاروخية للدفاع عن إسرائيل، والتعامل مع أي خطر يهدد أجواء شمال إسرائيل".
    ويستوقفنى مشهد هام في مسيرة أردوغان عندما زار بصحبة زوجته ومجموعة من  وزراء حكومته لمتحف "ياد فاشيم" الخاص بضحايا الهولوكوست، ووضع أردوغان إكليلا من الزهور على النصب التذكاري لضحايا المحرقة، قبل أن يقف حدادا أثناء تلاوة الأدعية على أرواح الضحايا، وقتها ارتدى كل من وزير الصناعة والتجارة علي جوشكون ووزير الدفاع وجدي جونول "الكيباه" (غطاء رأس اليهودي)، ثم كتب أردوغان فى دفتر التوقيعات التذكارية الاتي: "إن المجزرة من أبشع الجرائم غير المعقولة في حق الإنسانية، ويجب ألا يتكرر حدوث مثل هذه الوقائع مرة أخرى، والشعب التركي سيستمر في مواصلة علاقة المحبة مع اليهود في المستقبل أيضا، مثلما كانت عليه منذ مئات السنين، فلا يمكننا أن نكون طرفا داعما للعرقية والتعصب، فلدينا إصرار على مقاومة هذا التوجه، وأنا بالنيابة عن الشعب التركي وبالأصالة عن نفسي، أبدى احتراما أمام النصب التذكاري للمجزرة التي راح ضحيتها الآلاف من النساء والرجال والشباب والكهول في هذا المكان الذي يعرض واحدة من أقسى ذكريات التاريخ الإنساني".
    وعلى أثر تلك العلاقة الحميمة بين أردوغان والكيان الصهيوني تسلم أردوغان "وسام الشجاعة اليهودي" كي يكون المسلم الوحيد من بين 10 اشخاص جميعهم تولوا رئاسة الولايات المتحدة يحصل على هذا الوسام.
    خلاصة القول، كان نجم الدين أربكان ابن المشروع الإسلامي وكذلك رجب طيب أردوغان أيضا، ولكن ما قدمه الغرب من فرص لمشروع أردوغان وحزب "العدالة والتنمية" لم يقدم لنجم الدين أربكان وحزب الرفاه أو الفضيلة، فنجم الدين أربكان كان يريد إخراج تركيا من دائرة التحكم الغربية، وسعى بكل قوة للعودة إلى محيط تركيا الإسلامي عبر الشراكة والتواصل والبناء، وليس التدخل فى شؤون دول الجوار الداخلية كما يفعل أردوغان اليوم، كما عزم أربكان بكل قوة على محو بصمات الصهيونية عن تركيا كأغلاق "المحافل الماسونية" وغيرها من غرف الصهيونية العالمية التي يتواجد بها أردوغان ونجله وصهره كأول الحاضرين في أهم مناسبات تلك المحافل، فلم يأت شخص أردوغان لقيادة تركيا عبر توليه بلدية إسطنبول كما يتوهم البعض ولكن عبر بوابة الصهيونية العالمية.
    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media