شعبوية ترامب تلتقي مع نهج الفصائل القمعية
    الثلاثاء 2 يونيو / حزيران 2020 - 17:03
    د. لبيب سلطان
    أستاذ جامعي/ كاليفورنيا
    أظهر رفع الكتاب المقدس من قبل الرئيس الشعبوي الأميركي دونالد ترامب بدقائق بعد تصريحاته العدوانية باستخدام العنف لضرب المحتجين على قتل جورج فلويد خنقاً على يد الشرطة في ولاية مينوسوتا أن هناك ظواهر كثيرة يشترك فيها اليمين الشعبوي الأميركي، الذي يمثله وبكل وضوح هذا الرئيس المتهور ،مع قادة فصائل القمع الأسلاموية في العراق التي قامت بقتل 800 من المتظاهرين السلميين تحت طائلة انهم يمارسون التخريب والأعتداء على مؤسسات الدولة والممتلكات العامة ، انه نفس الخطاب لكليهما ولاغرابة في ذلك ، فهما ينتميان لنفس  الأيديولوجية الدينية  اليمينية المتزمتة رغم التباين الشكلي للثقافات والأديان بين العراق والولايات المتحدة ، ولكن في الجوهر هم واحد ويحملون الفكرنفسه والمنهج والتبريك الألهي بأنهم انما يدافعون عن الرب وعن الله وعما ورد في كتبه المقدسة ولهم الحق في القمع وتبرير وتبريك من الله.

    صعد الرئيس ترامب للسلطة عام 2016 بما يشبه آلية سيطرة الفصائل في العراق على البرلمان ومفاصل الدولة، حيث في كلتا الحالتين امتنع المنتخبون من التوجه لصناديق الأقتراع ، ففي العراق ساهم 18% فقط فيها ، و كان سببهم انه لاجدوى من الأنتخاب اذا كان التزويرهو من يقرر النتائج  ، وفي الولايات المتحدة لم يحصل تزوير ، ولكن ساهم 28% فقط من الناخبين لأن الناس لاترغب باعطاء صوتها لأي من المرشحين ترامب وهيلاري كلينتون، وكلاهما لايصلح لرئاسة اميركا. ولكن في الوقت الذي جندت الكنائس واليمين العنصري القومي كل صفوفهم وذهبوا لأنتخاب ترامب، بينما لم يذهب منتخبو الطبقة الوسطى واليسار وأنصار الحريات المدنية  للتصويت لهيلاري كونهم فقدوا الثقة بها لوصوليتها السياسية وهزالها وعدم ثقتهم بها لتحقيق مطالبهم. 

     والعيب الحضاري الكبير الذي تشهده اميركا اليوم أنها تقف بالخندق نفسه مع فصائل تمارس السلطة والعنف في العراق والتعامل بعنف مع حركات أحتجاجية تطالب بالأصلاح، وهي أيضا تنصهر مع  اليمين الشعبوي المتطرف المتصاعد في اوروبا حيث وجدوا معاً ارضاً خصبة خلال السنوات العشر الأخيرة في التصعيد الشوفيني ضد المهاجرين والملونين واللاجئين، كونهم الأضعف، لأرجاع أرث كامن من الفكر اليميني القومجي العنصري والديني الذي كان يعتقد انه قد اندثر  مع أندثار المانيا النازية منتصف القرن الماضي ، ولكنه هاهو يعود اليوم تدريجيا تحت مسميات الحفاظ على الثقافة والأرث الوطني والديني الذي يريد هدمه الأصلاحيون ومناصري الحقوق المدنية وحركات المساواة الأجتماعية والمساواة بين البشر وألأجناس وخفض التفاوت الطبقي بينهم. الفرق ربما بين العراق مثلا ، ان السلطات لم تعتقل لحد اليوم اي قاتل ولم توجه تهمة للقتلة ، بينما في الولايات المتحدة جرى توجيه التهمة للشرطي القاتل وحبسه ، وهذا لايرجع طبعا لميل ترامب للعدالة بل لقوة مؤسسات العدالة والمدعي العام والأعلام في اميركا وعدم قدرة ترامب على التحكم بها أو عليها ، بينما في العراق تعاني هذه المؤسسات من سيطرة احزاب السلطة وميليشياتها المسلحة التي تهدد القضاء والأعلام والنشطاء والموظفين النزيهين، وعليه فالفرق هو بين درجة نضوج مؤسسات وليس بين الأيديولوجيات المتزمة للفصائل، وبين الشعبوية الأميركية التي يمثلها ترامب ومن حوله من اليمين الأميركي.

    للذي لايعرف تاريخ اميركا يمكن تلخيصه ان جوهره و منذ تاسيسها قبل قرابة 250 عاما هو نيل الحريات الأنسانية والمدنية والفكرية والنضال المستمر الذي قام به الشعب الأميركي لتثبيت حقوقه ابتداء من حرب الأستقلال من بريطانيا للتخلص من عنجهية اللوردات المتحكمين من لندن ، الى حركة وضع دستور نهاية القرن الثامن عشرينص ولأول مرة في التاريخ على ضمان هذه الحريات الفردية للمواطنين (متوازيا مع مبادئ الثورة الفرنسية التي اتت متوازية معه) وتلته حرب اهلية تمخضت عن تحرير الأميريكيين الأفارقة من العبودية عام 1864 وصولا الى اكبر الأضرابات وحق العمال في تاسيس النقابات مطلع القرن العشرين الى اضرابات الحرب الفيتنامية  وما تلاها في ستينات القرن الماضي من اقرار الحقوق المدنية وتحرير المجتمع الأميركي من سيطرة شركات الحروب والأتجار بها، فتاريخ اميركا هو تاريخ نضال مستمر للحقوق التي لم تتحقق دون هذا النضال الطويل المستمر لعقود وقرون ، ولعل الحركة الأحتجاجية اليوم هي الموجة القادمة من رفض احدى اهم ماتبقى من قواعد سلطة اليمين المتمترس خلف البوليس والدين والتراث (شعار الحزب الجمهوري هو الله والوطن والعائلة) ، فالشعب والشباب الأميركي الذي قطع شوطا بعيدا في طريق الحقوق والحريات وتقليص  سلطة الدولة والدين على الناس لن يركع امام ترامب واية واجهة شعبوية تحاول الرجوع بالعجلة الى الوراء . وقضية مماثلة يخوضها الشعب العراقي البطل الذي يخوض معارك غير متكافئة مع من يملك السلطة والمال والسلاح ويتستر بالدين ومصالح المذهب ليمارس القتل والأرهاب ، وكأي من الشعوب الحية ، فالشعب سينتصر في معاركه العادلة من أجل بناء دولته المدنية واقرار العدالة وسيرمي دون شك والى ازبال التاريخ من اعتقد انه بالمال والسلاح وادعاء التدين يستطيع ايقاف حركته لبناء مستقبل عادل له ولأجياله القادمة، فللشعوب قضية أنسانية واحدة جوهرها العدالة والحرية رغم اختلاف اجناسها وثقافاتها وتقاليدها

    د. لبيب سلطان
    1-6-2020


    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media