كيف نبقي على الذكر الطيب
    الثلاثاء 2 يونيو / حزيران 2020 - 17:11
    خضير العواد
    الذكر لا ينفع بشيء وبقاءه ليس له أهمية إذا لم يكن نتيجته الجنان أو الحياة الخالدة في النعيم ما بعد الموت ، فهنا تبدأ انطلاقتنا في الطرق التي تبقي الذكر الذي منه نحصل على الحياة الطيبة في الدارين ، وأهم قانون لمعرفة الذكر الذي سيبقى طيباً ونتيجته الجنان هذه الآية قال الله سبحانه وتعالى ( يا ايها الذين آمنوا أركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون)... (1) من خلال هذه الآية نصل الى أهم الاسباب التي تبقي ذكرنا خالداً في الدنيا مع حياة خالدة في الجنان ما بعد الموت وهو فعل الخير ، كيف نعرف هذا الفعل خير أم لا ، هناك ثلاث من الأفعال : الأول خير والثاني شر والثالث ما بينهما لا خير و لا شر اي لا ينفع ولا يضر ، كيف نعرف هذا الفعل خيراً أم شراً ، كل فعل تكون نتيجته الفلاح في الآخرة فهذا خير وكل فعل تكون نتيجته الفشل في الآخرة يكون شراً ليس خيراً ، مثلا الطالب عندما تأتي الامتحانات يذهب الى اللعب في الملاعب أو المقاهي وغيرها من المسليات ، هذه الأفعال هل ستؤدي به النجاح في الامتحان : كلا بل ستؤدي به الفشل في الدراسة وتكون النتيجة الرسوب في المرحلة ، وهذه الأفعال تكون شراً لأنها لم تؤدي به الى النجاح أو الفلاح ، أما إذا قام الطالب بالدراسة والاجتهاد فستكون النتيجة النجاح فسيكون فعل الدراسة والمثابرة خيراً لأنه أدى الى الفلاح والنجاح ، أما إذا كان الطالب خلال فترة الإمتحانات يقرأ مجلات أو مواضيع ثقافية ليس لها علاقة بالدراسة فإنها سوف تكون أفعال لا خير ولا شر لأنها لم تنفع أو تضر في الدراسة أو يقوم شخص ما في الصحراء ويرمي الطلاقات النارية بالفضاء فهذا الفعل لا خير ولا شر لأن نتيجته لم تنفع أو تضر وهكذا : وبعد أن عرفنا كيف نحدد أفعال الخير من الشر عندها يسهل علينا أن نختار طريق الذكر الطيب في الدارين ، فكل عمل يجعلنا يقربنا الى الجنان يجب علينا القيام به ، فأن اول أفعال الخير والتي تبقي بذكرنا طيباً وخالداً في الدنيا والآخرة هي القيام بعبادة الله سبحانه وتعالى (العبادات والمعاملات) كما أراد الله لأنها غاية الخلق أو الوجود حيث يقول الله سبحانه وتعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)... ( 2)  اي القيام بأوامره وترك نواهيه وأفضل وأصح العبادات عندما تأتي عبر الطرق التي وضحها الله لنا وهو طريق محمد وال محمد صلوات الله عليهم أجمعين  قال الله سبحانه وتعالى (قل إن كنتم تحبون الله فأتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم  والله غفور رحيم) ....(3) من يريد محبة الله لا تكن إلا بإتباع محمد وال محمد صلوات الله عليهم أجمعين بدون هذا الإتباع لا يمكن أن تحصل على محبة الله سبحانه وتعالى وإذا أتبعت محمد وال محمد صلوات الله عليهم أجمعين فأنك سوف تحصل على محبة الله بالإضافة الى مغفرته ، فان القيام بالعبادات في حقيقته هو الذي يؤدي الى أفعال الخير اي هو النبع الذي يسيل منه افعال الخير التي تحفظ ذكرنا في الدنيا والآخرة ، لأن العبادات في حد ذاتها تكن مع الله سبحانه وتعالى ولكن العبادات التي تكن في تماس مع الناس هي التي تحفظ الذكر وتبقي الذكر في الدنيا والآخرة :

    قال رسول الله (صلى الله عليه واله )( الكلمة الطيبة صدقة) هذا الحديث الذي يدفعنا الى الكلام الطيب مع أقرب الناس اليك الى جميع ابناء المجتمع ومن خلال هذا الكلام الطيب  المدعوم بالعبادات سوف ينتج أسرة صالحة وأبناء صالحون والرسول (صلى الله عليه واله) ( إذا مات الإنسان أنقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع منه أو ولد صالح يدعوا له ) .

    قال رسول الله (صلى الله عليه واله)( الدين المعاملة) اي اساس الدين معاملتك لمن يحيط بك وكلما معاملتك طيبة مع من يحيط بك سوف يبقى ذكرك على ألسن الناس وقلوبهم .

    قال رسول الله ( صلى الله عليه واله) (إن الصدقة لتطفئ عن أهلها حر القبور وإنما يستظل المؤمن يوم القيامة في ظل صدقته) فالصدقة من الأدوات التي تحفظ الذكر الطيب وتبقيه في الدنيا والآخرة ( أحد المقربين للعلامة المجلسي صاحب كتاب بحار الأنوار 110 مجلد رأى العلامة بعد موته في عالم الرؤيا فقال له اي الأعمال كان أكثر فائدة لكم قال أكثر عمل أفادني هو : يوم من الأيام كنت أمشي في السوق وقد اشتريت لي بعض التفاح أحملها بيدي وأمامي كانت امرأة تحمل طفله والطفلة تنظر الى الخلف وعينها على التفاح فأخذت تفاحة وأعطيتها الى الطفلة بدون أن يعرف أحد ونسيت هذا الفعل لصغره وحقارته ولكن الله حفظه لي وأعطاني ما لا رأت عين ولا سمعت آذن .

    قال الإمام الباقر عليه السلام ( ثلاث لم يجعل الله تعالى فيهن رخصة : أداء الأمانة الى البر والفاجر والوفاء بالعهد للبر والفاجر وبر الوالدين برين كانا أو فاجرين ) ، كأداء الأمانة يبقي الذكر ويفتح الطريق للسعادة في الدارين ، فهذا التاجر الذي أشترى بيتاً وبعد فترة وجد حائط البيت يريد السقوط وعندما قام وأراد إصلاحه وجد تحته كنز ثمين فقال في نفسه هذه الأموال ليست لي بل لصاحب البيت السابق فأخذ الكنز ووضعه أمام صاحب البيت وقال له ان هذه الثروة وجدتها تحت الحائط وهي لكم فقال صاحب البيت السابق ليس لي لأنني بعت عليك الدار، فذهبا الى القاضي يحتكمان فتعجب القاضي من أمانتهما فقال عجبا لكما أنتما لا تتخاصمان من أجل اخذ الثروة ولكن تختصمان من أجل أعطاء الثروة للأخر فقال هل عندكما أولا قال الأول بنت وقال الثاني ولد فقال نزوجهما حتى يأخذا الكنز فتم الزواج وعاش الجميع بسعادة بسبب الأمانة .

    الوفاء بالعهد : لقد جلب بعض الناس شخص قاتل لأمير المؤمنين عليه السلام فأراد الإمام عليه السلام بعد أن ثبت عليه الجرم فطلب منه القاتل ان يعطيه ثلاث ايام حتى يذهب الى قبيلته ويرشد أبن اخيه الذي يكفله الى الكنز الذي يخفيه له ولا يعلم به احد إلا هو فأن قُتِل ذهب الكنز وتعذب ابن أخيه في هذه الحياة ، فقال امير المؤمنين عليه السلام من يكفله لمدة ثلاث ايام فقال ابو ذر انا فتعجب الناس كيف يكفله ؟؟ فذهب الرجل وقريب أن تنتهي الثلاث ايام الجميع ينظرون الى أبي ذر خوفاً عليه وعندما اقترب الغروب شاهدوا فارساً يأتي من بعيد وهو مسرعاً ويجد في الإسراع حتى وصل الى أمير المؤمنين عليه السلام ، فكان الرجل القاتل فتعجب الناس من هذا الامر العجيب فقال أمير المؤمنين عليه السلام لماذا رجعت وكان بإمكانك الهروب فقال الرجل أتيت حتى لا يقال مات العهد وسأل أمير المؤمنين عليه السلام ابا ذر لماذا تكفلته فقال ابو ذر حتى لا يقال ماتت المروءة ( لهذا السبب بقى ذكرهم تتناقله الأجيال) .

    كان عابد في بني إسرائيل يمشي فرأى شاباً فقال في نفسه أصاحبه وأنصحه ، فطلب مصاحبته فوافق الشاب وأخذ العابد يقص عليه مساوئ الدنيا وإغراءاتها فعلى العبد ان يكون يقظ منها ومن حبالها وهكذا في ذلك اليوم كان الجو حارا والشمس قوية على رؤوسهم ، فقال العابد ندعو الله سبحانه وتعالى حتى يظللنا الله بالغمام فدعوا كليها فأتت غمامة فأظلتهما فأخذا يمشيان وأصبحا قريبا من مفترق طريقين سوف يذهب كل منهما في طريق فحدّث العابد نفسه ان الغمامة سوف تأتي معه لتظلله وهكذا يحدّث نفسه وعند نقطة الافتراق رأى العابد ان الغمامة رافقت الشاب فتعجب عجباً كبيراً ، أنا انصحه لكي يهتدي وإذا به هو أقرب الى الله سبحانه وتعالى ، فطلب العابد ان يرافق الشاب الى بيته وفي الطريق سأله ماذا تفعل وكيف تعيش وكيف تعبد مثل هذه الأسئلة فقال الشاب كل شيء عادي وليس عندي ما يجب ان أطلعك عليه فقط شيء واحد أن لي أبوين كبيري السن وأنا أُداريهما وأوكلهما وأنظفهما ولا أمِّلُ من هذا العمل ، فقال العابد ببر الوالدين جذبت الغمامة لتظلنا .

    قضاء الحوائج ، دفع الأذى عن الناس ، إصلاح ذات البين  ، مساعدة الجار ، صلة القربى  ، العفو عند المقدرة ، العدالة ، المسامحة ، الحلم وغيرها من الأعمال الخيرة التي ترتبط بأبناء المجتمع هذه الأعمال هي التي تبقي الذكر يتناقل مابين الأجيال جيل عن جيل ، وإذا نلاحظ سيرة أئمتنا عليهم السلام وأصحابهم وعلمائنا الأجلاء أكثر ما يبقى منها هذه المعاملات التي ارتبطت بالمجتمع  حيث قال رسول الله (صلى الله عليه واله) ( الدين المعاملة) ، لأن الله سبحانه وتعالى يبقي ذكر هذه الأعمال  ويحببنا للاستماع اليها غريزيا ًحتى يشجع الناس على فعلها والقيام بأمثالها لأنه سبحانه وتعالى أراد منا أن نحيا حياة طيبة في الدارين ، وهذه الأفعال الخيرة التي تجلب لنا السعادة والذكر الطيب في الدنيا وتمتعنا بجمال الجنان وملذاتها في الآخرة .

    (1) سورة الحج آية 77(2) سورة الذاريات آية 56(3) سورة آل عمران آية 31

    خضير العواد                                                                                                                              
    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media