"المعلم الجديد"
    الأربعاء 3 يونيو / حزيران 2020 - 05:42
    خالد جواد شبيل
    أول الكلام:
    أحاول عقد وصل ما انصرم من حلقات "زمان يا زمان"، وهدفي منها ليس شخصيّاً انطباعياً محض، بل هو أكثر من ذلك محاولة الإطلال على زمان مضى ما كنا راضين عنه، وعندما عشنا أزماناً قبيحة رديئة ملتاثة بالحروب والظلم ومصادرة كرامة الإنسان حتى إذا زال لنصل وضعاً صار الفساد فيه هو القاعدة والنزاهة هي الشذوذ! ولله در ذاك القائل:
    رب يومِ بكيتُ منه فلما - صرتُ في غيره بكيت عليهِ
    وهكذا أصبحنا نتراجع حتى وصلنا الى ما نحن عليه الآن.. والسؤال كيف ستكون أيامنا القادمة؟!

    ***
    مع ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958، التي كانت بمثابة زلزال في الحياة السياسية وانعكست في الوضع الاجتماعي والثقافي، فكنت أرى الريفي الفقير المعدم لا يدخل المدينة التي يأتيها مشيا على الأقدام أو على ظهر دابة ليشتري الضرورات من تبغ وشاي وكسوة.. تراه هادئاً مستكيناً أنهكه الفقر وربما المرض، وكانت البلهارزيا من الأمراض المتوطنة.. فيزداد الوجه شحوباً على شحوب.. 
    في صبيحة ذلك اليوم رأيت الفلاحين من هؤلاء، ومن العمال والفئات المهمشة والمسحوقة وجل الفقراء  والكسبة ينزلون الى شوارع مدينتنا الصغيرة يهزجون ويهتفون للثورة حتى إذا حل الظهر أتت صور لقائد الثورة فزاد الفرح والحماس أضعافاً حين يكون القائد ابن مدينتهم، وراح البعض منهم يروي ذكرياته وصداقته أو زمالته في مدرسة الصويرة، بل ذهب جمع يشير الى بيته الصغير المتواضع اعتزازاً وإثباتاً لصدق مزاعمهم،،، سيشتري الزعيم المحبوب عبد الكريم قاسم البيوت المجاورة لبيته من ماله الخاص وستبنى مدرسة هي لُقطة معمارية ويجعلها ثانوية للبنات وتلحق بها مكتبة عامة وساحة رياضة في الجهة المقابلة تصلها التلميذات عبر نفق يقطع الشارع الرئيس ليمارسن الرياضة!
    لقد غيّرتِ الثورة تفكيري وأخرجتني من طفولتي؛ فأصبح في مدينتنا شعراء بل وشاعرة مرموقة سمعت الوالد مبتهجا يسمع شعر حياة النهر وزميلتها وفية أبو أقلام تلقيان الشعر من الإذاعة تمجيداً للثورة الفتية وعهدها الجديد؛ ورحت أقرأ ما يأتي البيت من كتب جديدة ومن مجلات، وأبحث في مكتبتنا الصغيرة عن كتب الشعر، ووقع شاعران في خاطري موقعا طيباً: ديوان محمد سعيد الحبوبي، الذي طالما تغنى الوالد ما يستظهر من شعره، وكتاب عن أبي نواس حياته وشعره لعبد الرحمن صدقي الذي أحسبه أول كتاب قرأته كاملا من الغلاف الى الغلاف ففيه كثير من اللهو والطرائف والأشعار ماهو بريء وما هو غير بريء! ولا أحسب أنني كنت أفهم كل ما أقرأ فيه ولكن هذا الكتاب هو الذي فتح لي أبواباً جديدة وشوقني لقراءة  كتباً أخرى، بدءاً من مغامرات جلبر واللص الظريف أرسين لوبين وكل ما يقع بيدي من قصص المطالعة ناهيك الى قصص حظية التي تشدُّ السامعين كباراً وصغاراً لخيالها الخصب ولاحداث درامية ترتجلها ارتجالاً لتنهيها نهايات مفرحة، فتنتعش أساريرنا ونتنفس الصعداء...
    كنت في الحادية عشرة حين بدأت أقرأ مجلة كنت أحسبها كتاباً فهي خالية من الصور، وهي متينة ومرصوصة بمواضيع لأساتذة وقد أشكلَ عليّ لفظ "الدكتور" فقد كنت أحسبه طبيبا وأجد عنده مواضيع لاعلاقة لها بالطب وإنما قد تكون شعراً أو أدباً وتاريخاً..الخ. وحين استفهمت عرفت أن لقب الدكتور لا يكون حكراً لمن درس الطب بل هي درجة دراسية سامية ينالها الباحث بعد دراسة مضنية من عواصم كبرى مثل لندن وباريس وبعض مدن أمريكا!
    كانت هذه إذن مجلة "المعلم الجديد" التي أصدرتها وزارة المعارف في شهر شباط 1935 ، وأشرف عليها الدكتور متي عقراوي، وحيث أن الوالد تخرج من دار المعلمين الابتدائية عام 1939 فنحتفظ  بكل أعدادها منذ هذا التاريخ حتى تقاعد عام 1971، باستثناء الأعداد التي لم يستلمها في مدة الفصل السياسي التي تزيد على سنتين، وكان آخر عدد هو في شباط 2003.. 
    كنت أبدأ بمقالات الشعر والأدب، وأذكر من المقالات الهامة التي قرأتها مقالة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين في أحد أعداد الخمسينات، ينقد ديوان الجواهري كاشفا عن خصائصه الشعرية وقيمه الجمالية ثم يسلط الضوء في النقد اللغوي كاشفاً عن استخدامات مستحدثة لبعض المفردات وعلى بعض مواطن "الخلل" أو الخلاف في النحو والبناء اللغوي بين الكوفيين والبصريين!!
    ولكنني قرأت مقالاً جدّ هام في النقد كان ذالك في عام 1959 لأطروحة الدكتور علي الزبيدي المعنونة " زهديات أبي نواس" من إحدى الجامعات الإسبانية وأغلب الظن جامعة مدريد. ويرى الناقد الذي لم يصرح باسمه وإنما أبو (اسم بنت لا أتذكره)، الذي قدم نقداً لا أنساه قط لموضوعيته ومعياريته الأكاديمية حيث غربل الأطروحة وصحح الأبيات والأخطاء اللغوية من كل نوع ناهيك نقده للمعالجة المنهجية وخلص أن الأطروحة لا ترقى لشهادة الدكتوراه ولا حتى الماجستير.. رد الدكتور علي الزبيدي وكان قاصراً في رده عاجزاً عن التبرير بأن الأخطاء هي من المراجع!! وانفعل على الناقد واستخدم كلمة " أن أهل النحو يتشممون الأخطاء ويترصدونها للنيل من شخص الباحث).. فرد عليه الناقد وأفحمه .. وتدخل رئيس التحرير علي الشوبكي ليقف مع الحق الذي وجده عند الناقد ولام الدكتور الزبيدي على خروجه من الموضوعية الى الانحياز للذات!! وأغلق النقاش الذي كان معركة أدبية هامة قلّما نجدها في أدبنا العراقي إضافة الى المعركة الأدبية بين الدكتور عبد الرزاق محيي الدين وعلي الوردي إثر صدور كتابه وعّاظ السلاطين! على خلاف كثرتها في الأدب المصري عند طه حسين / الرافعي / العقاد؛ العقاد/ محمد مندور؛ لويس عوض/ شاكر محمود..طه حسين/ العقاد/ أحمد شوقي .. وغيرهم كثيرون..
    ومن المقالات الهامة التي ظلت نابضة حية في الذاكرة مقالة للدكتور علي جواد الطاهر تحت عنوان "النقد سهل" وهي مقالة ساخرة وصريحة ومهذبة من الدكتور الطاهر الذي انبرى يدافع عن النقد حين أصبح ملاذاً لكل من انسدت بوجهه أبواب الأدب ليجرب حظه في النقد..ويذكر شروط النقد التي يجب توفرها من قبيل سعة الاطلاع على الأدب ومناهجه النقدية وسلامة الذائقة وحصافة الرأي وقوة الحجة والموضوعية حيث شدد على الجانب الأخلاقي وأضاف شرطاً هاما أن يجيد الناقد لغة أجنبية حية تتيح له مواكبة التطورات في الأدب والنقد..تمنيت لوكان الدكتور الخالد علي جواد الطاهر حياً بيننا ليرى ما وصل اليه الأدب والدراسات الأكاديمية! والمعول على تلاميذه النجباء من الأساتذة الأفاضل الذين ساروا على نهج أستاذهم ..
    ومن المقالات الحية التي تابعتها هي مقالات الأستاذ عبد الحميد العلوجي في التراث العربي والأدب القديم منها "المعلم في الميزان" الذي استعرض فيها دور المعلم وكيف كان ينظر له بترفع باعتباره مربي صبيان محدود الثقافة فانبرى له نفر من المعلمين يتهمه بازدراء المعلم والحط من قيمته! فرد العلوجي بكل تهذيب بأنه باحث وعليه ان يكون أمينا في بحثه وليس القصد الإساءة بل رفع الحيف عن المعلم؛ وتدخل رئيس التحرير على الشوبكي منتصرا للعلوجي..
    وأتذكر مقالات الدكتور جميل سعيد، وكانت في مجملها عن ذكرياته الدراسية في مصر وكتابته عن طه حسين الذي كان يقدر جو المحاضرة حيث مع آخر كلمة يدق الجرس منهيا ساعة من الدرس.. وأذكر أنه كتب مرة مقالة مؤثرة عن " أستاذ ينتحر" وكان الأستاذ مستشرقاً عالماً محبوباً لم تبدُ عليه امارات الكآبة التي قد تفضي الى الانتحار الذي كان صادماً لزملائه وطلبته.. والمقالة هي رثاء ووفاء لأستاذه..
    ومما أتذكره أيضاً مقالات العلامة الدكتور مصطفى جواد عن " نساء البلاط العباسي" وهي دراسة علمية تاريخبية شيقة للنساء الزوجات أو المحظيات من الجواري اللائي لعبن دوراً هاما في تسيير شؤون الخلافة..والتى طالما ادت سطوتهن الى كوارث حقيقية على الخلفاء والوزراء!!
    وأتذكر أن أستاذا جامعياً فاتني اسمه كان يكتب " من دفاتر الإنشاء" كان يختار من دفاتر إنشاء طلبته ويذكر اسماءهم الصريحة  ويعلّق عليها ولقد كانت مادة شيّقة ان ترى كيف يفكر الطلبة الذين سيصبحون مدرسين، وأذكر أن أحد المواضيع يحمل عنوان " رجل ذو أذن واحدة!" ولكم أن تتصوروا روعة الأداء والدخول في معاناة رجل تشار عليه بأصابع مجتمع لا يرحم!!
    ما زالت هناك مواضيع حية عمرها أكثر من ستين عاماً غضة في ذاكرة  استعنت فقط في تثبيت تاريخ أول عدد للمعلم الجديد وآخر عدد؛ وهدفي هو أن نقارن ونسأل أين مجلاتنا الثقافية اليوم وأين الفِرق المسرحية وأين فرقة الإنشاد وأين برامج وحفلات المقام العراقي، واين نشاط الفرقة السمفونية العراقية، وأين البرامج التلفزيونية غير برامج النقاش الحامي والصراخ وكيل التهم وأساليب التسقيط السياسي وتصفية الحسابات السياسية والطائفية.. أين نحن من الأمس والى أين ذاهبون بثقافتنا المتدهورة وتعليمنا المتداعي؟!!

    الثالث من حزيران/ جوان 2020
    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media