تَعادُلِيّاتُ الوَلايَةِ والغَديرِ في القُرانِ والحديثِ
    الأربعاء 5 أغسطس / آب 2020 - 20:15
    زعيم الخيرالله
    التَعادُلُ لُغَةً : التساوي ، يقال تعادَلَ الفريقانِ اذا تساوَيا وَتَكافَآ . والكَونُ كُلُهُ قائِمٌ على التعادُلِ والتَوازُنِ بينَ مُكَوِّناتِهِ . يقولُ الله تعالى :
    (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ).المُلك: الاية: 3.
    والكون الذي هُوَكتابُ اللهِ التكوينّيِّ يُعادِلُ كتابَ اللهِ التدويني (القرآن) ؛ فهناك تَعادُلِيَّةٌ في الكون ، اجزاءُ الكونِ وعناصِرُهُ متعادِلَةٌ لايطغى بَعضُها على بَعضٍ ، بل هي في حالةِ تناغُمٍ وتناسُقٍ وانسجامٍ . يقولُ الله تعالى :
    (هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ).لقمان: الاية: 11. ويقولُ الله تعالى ايضاً :
    (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ).الرحمن: الاية: 5.
    هناك تعادُلِيّةٌ في الكون يقابلها تعادُلِيّةٌ في كتاب الله التدويني ، القرآن الكريم .
    القرآنُ الكريمُ كتابٌ متعادلٌ ، كلُّ كلِمَةٍ فيهِ موضوعةٌ بمكانها . الكلماتُ والجملُ في القُرآنِ متعادلةٌ متناغمةٌ متناسقةٌ لاتفاوُتَ فيها ولااختلاف . يقولُ الله تعالى :
    (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا).النساء: الاية:
    82./والله تعالى وصفَ كتابَهُ، بأَنَّهُ متشابه:
    (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ). الزمر: الاية:23./ ومتشابِهاً اي: يشبهُ بعضُهُ بَعْضاً ؛ فلاتنافيَ فيهِ ولاتضاد .
    التَّعادُلِيّةُ في آياتِ القُرآنِ الكريمِ
    ------------------------------
    لو تأملنا آياتِ القرآنِ الكريمِ لوجدناها مُتناغِمةً متناسقةً يأخُذُ بعضُها بعنقِ بعضٍ ؛ مما يُثبِتُ بدلالةٍ قاطعةٍ أَنَّ القُرآنَ الكريمَ كتابٌ من عند الله . ومن امثلَةِ التعادُلِيّاتِ في القرآنِ الكريم الآيات التالية :
    (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ). المؤمنون: الاية: 71. ، في الاية تعادُلِيّةٌ بين اتِّباعِ الحق لاهوائِهم وبين فسادِ السمواتِ والارضِ .
    وهناك تعادُلِيّةٌ بين الظلم العظيم والشرك . كُلُّ معصيةٍ ظُلمٌ ، ولكنَّ الشركَ ليسَ معصِيّةً عادِيّةً ، وليس ظلماً عاديّاً بل هو ظُلمٌ عظيمٌ كما في قولهِ تعالى:
    (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). لقمان: الاية: 13. وقولُهُ تعالى :
    (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ ).ابراهيم: الاية: 35. هناك تعادُلِيّةٌ بين دعائه في تجنيب نفسه الشرك وبين تحنيب ذريته الذين سأل الله الامامة فيهم ، لابد ان يكونوا بعيدين عن الشرك.ومن الايات في هذا المجال ، قول الله تعالى على لسان ابليس:
    (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * الا عبادك منهم المُخلَصين) . ص: الايات: 82-83.
    في الآيةِ تعادُلِيَّةٌ بينَ قُدرةِ ابليسَ على اغواءِ الناسِ جَميعاً مع عدم قُدرته على اغواء عبادِ الله المخلَصين ، وهذه التعادلِيّةُ سميتها : ( تعادلية تضاد) . وكذلكَ قولُ الله تعالى في حقِ يُوسُفَ :(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ).يوسف: الاية: 24. في الايةِ تعادُلِيّةٌ بين صرفِ السوء والفحشاء عن يوسف وبين كونه منَ المُخلَصينَ . وهذه التعادلية سميتها (تعادلية توافق).
    ومن التعادليّاتِ في كتاب الله ، قوله تعالى:
    (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً* ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ويُتمّ نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً* وينصرك الله نصراً عزيزاً).الفتح : الاية: 2 .
    في الايةِ الكريمةِ تعادُلِيَّةٌ بين الفتح المبين وغفرانِ ذنبه (ص) ماتأَخَرَ منهُ وماتقدمَ ، وليسَ للرسولِ(ص) ذنبٌ ، وانما قريشٌ اعتبرتهُ مذنباً حينَ صدعَ برسالتهِ وسفهَ أحلامهم ، وعابَ آلِهَتَهُم ، والفتحُ المبين انهى كلُّ هذهِ الذنوبَ التي اعتبرَها قومُهُ ذُنُوباً. وهذا يشبه ماقالَهُ اللهُ على لسانِ كليمهِ موسى (ع) :
    (وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ).الشعراء: الاية: 14.
    لم يرتكبِ الكليمُ عليهِ السلامُ ذنباً ، وانما كانَ ذنباً عندَ فِرعونُ وزبانيتُهُ .
    وقوله تعالى :
    (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا).النساء: الاية: 59. في الاية تعادليات في أَصلِ الوَلايةِ بين اللهِ والرسولِ واولي الامرِ ، وأيضاً هناك تعادلياتٌ بينَ انزالِ الذكرِِوبينَ تبيينِهِ ، يقولُ اللهُ تعالى: ( بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).النحل:الاية: 44. في الآيةِ تعادُلِيَّةٌ بين انزال الذكر وتبيينه . وهناك ايضاً تعادُلِيّةٌ بين انزال الذكر وحكم الرسول بين الناس بما أراهُ الله تعالى :
    (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا).النساء: الاية: 105.وهناك تعادُلِيَّةٌ بين ارسال الرسول (ص) ، وكونه رحمةً للعالَمين :
    (مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ). الانبياء : الاية:107. وكذلك هناك تعادُلِيَّةٌ بين انزال القرآنِ وعدم الشقاء، كما في قوله تعالى :
    (مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ). طه: الاية:2.
    تَعادُلِيّاتُ الوَلايةِ
    ---------------
    وفي القُرآنِ الكريمِ آياتٌ تتعلقُ بالولايةِ منها :
    (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).المائدة: الاية: 55./ في الآيَةِ تَعادُلِيّاتٌ بين ولاية الله وولاية الرسول وولاية الذين آمنوا في اصل الولاية .ومن الايات التي تتجلى فيها التعادليةٌ بوضوحِ ، قوله تعالى (ذَٰلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۗ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ).الشورى: الاية: 23. / في الاية تعادُلِيَّةٌ بين اجر الرسالة والمودة في قربى الرسول(ص) ؛ وبالتالي هناك تعادلِيَّةٌ بين الرسالةِ نفسها وبين القربي المطهرين .
    وفي قوله تعالى :(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا ۚ قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ).الرعد: الاية:43./ في الآيةِ تعادُلِيَّةٌ بين شهادة اللهِ تعالى وشهادةِ مَن عنده علمُ الكتاب وهو امير المؤمنين عليه السلام .
    وفي آيَةِ البيّنَةِ تعادليّةٌ بين من هو على بينة من ربه وهو رسولٌ الله صلى الله عليه واله وسلم وبينَ الشاهد من النبي وهو علي عليه السلام .
    وفي اية المباهلة تعادُلِيّةٌ بين نفس الرسول(ص) ونفس عليٍّ عليه السلام :
    (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ).ال عمران: الاية:61
    في اية المباهلة تعادليةٌ بين نفس الرسول صلى الله عليه واله وسلم ونفس علي عليه السلام .
    تعادُلِيّاتُ آياتِ الغديرِ
    --------------------
    في حادثةِ الغديرِ التي اعلن فيها الرسول (ص) عليّاً مولىَ واماماً على المسلمين ، نزلت اياتٌ عديدةٌ تتعلق بهذه الواقعة . منها :
    (۞ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ).المائدة: الاية:67./في الاية تعادلية بين الرسالة والولاية .
    (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا).المائدة: الاية: 3./ في الآيةِ تعادلية بين اكمال الدين واتمام النعمة التي هي ولاية علي عليه السلام .
    التعادليّاتُ في الحديث
    ---------------------
    هناك ايضاً تعادُلياتٌ في احاديث النبي صلى الله عليه واله وسلم ، منها حديث الثقلين الذي هو حديث التعادلية :
    ( إِنِّي تاركٌ فيكم الثقلينَ : كتابَ الله ، وعترتي أهل بيت ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا ، وهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض). / في الحديث الشريف تعادلية بين الكتاب والعترة .
    قول النبي لعلي : (إِنك تسمعُ ما أسمعُ وترى ما أرى إلا أنك لست بنبي ولكنك وزير وإنك على خير)./ هناك تعادلية بين سماع النبي (ص) وسماع علي (ع) ، ورؤية النبي (ص) ورؤية علي (ع) .
    وقول النبي لعلي (ع) : ( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، غير أنه لا نبي بعدي). / في حديث المنزلة تعادلية نِسْبَة بين منزلة عليٍّ من محمد ومنزلةِ هارون من موسى ، هذه تعادلِيّة نسبة لاتعادليّة اشخاص .
    هناك تعادليّة في حديث الغدير ، في قول النبي (ص) لعلي (ع) :
    (من كنت مولاه فهذا علي مولاه ) / في الحديثِ تعادليَّةٌ بينَ ولايةِ النبي (ص) وولاية
    علي (ع) . / وتوجد تعادلية في قول النبي صى لله عليه واله :
    ( ضربةُ عليِّ يوم الخندق تعدلُ عبادةَ الثقلين ) .هناك تعادليّةٌ بين ضربة علي يوم الخندق وعبادة الثقلين . وهذا يعني ان هذه الضربةَ لم تكن مجردَ ضربةِ بطلٍ في ساحة معركة وانما كانت ضربةً مصيريةً تَقَرَرَعلى ضوئِها مصيرُ الاسلامِ ومستقبلُ الرسالةِ.
    وهناك تعادلية في قول الرسول (ص) لعليِّ (ع) :
    (برزَ الإيمانُ كُلُّهُ إلى الشركِ كُلِّهِ). وفي قول الرسول (ص) هذا لعلي (ع) فيه تعادلية رمزية (تعادلية تضاد) بين علي الذي هو رمز الايمان ، وصفه حديثُ النبِّيِّ انه الايمانُ كُلُّهُ يعادلهُ تعادُلَ تضادٍ ورمزيةٍ عمرو بن عبد ود في تمثيل الشرك كله .
    والمجال مفتوح لمن اراد ان يتأمل التعادليةَ في كلام الله تعالى وكلام رسولهِ صلى الله عليه واله وسلم .
    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media