أيّتها الجميلة بيروت: قومي وانهضي... الانكسار ممنوع
    السبت 8 أغسطس / آب 2020 - 06:03
    أبو تراب كرار العاملي
    قلوب العالم اتّجهت نحوها، تعاطفَ الخلق معها، حَزنت الأفئدة واندهشت العقول لمصابها، تَعَجَّب المراقبون وانبهر المواكِبون لما حَلَّ بها، أهلها وعموم أهالي وطنها في الدّاخل والاغتراب، الأصدقاء، الحلفاء والمُقرّبون المخلصون، شعوب متعاطفة، أقوام حريصون... وَأَضِفْ عليهم إن أردتَ. عموم الجمع في حالة تأثّر، وعلى مستوى متقدّم من التّفاعل ودرجة مرتفعة من التّضامن.
    نعم... إنّها العاصمة الجميلة "بيروت"، مدينتنا الشّامخة... والموطن العزيز.

    مصيبةٌ وقعت وفاجعة حلّت ويا له من حادث مؤسف وانفجار مبهر، هذا نصيبنا وهكذا سلكت المجريات، فالقوم مُعَرَّضون لهزّات والشّعوب عُرْضة للبلاءات والاصطدام بالمِحَن، والدّنيا دار ابتلاء، ولهذا الأخير أشكال عدّة وتجلّيات شتّى، ولا نقول ـ إن شاء اللّه ـ ما يسخط اللّهَ، فإنّنا لقدره مُسَلِّمون ولمشيئته مُذعِنون، فنحن عباده وهو الحاكم تعالى شأنه، وهو الحالِم دام عطاؤه، وهو المُبتَلِي دامت رحماته، وهو السّالِب دامت حكمته، وهو المُعطِي دامت بركاته، وكلّ شيء عنده بمقدار... فتبارك اللّه أحسن الخالقين، أقوى المُدَبِّرين، ألطف المُسَيِّرين، أَرْأَف المُتَلَطِّفين وجبّار السّماوات والأرضين.

    بالرّغم من ثقل المصاب وعِظَم الفاجعة وشدّة التّأثّر، لا بدّ لنا من إظهار الثّبات كثبات عاصمتنا الغالية، وإظهار التّعاضد وتكثيف يد التّعاون بين مختلف أطياف شعبنا العزيز، ولا غرابة أن تشدّنا الكارثة ـ بكامل جوارحنا ـ إلى إظهار أبهى صور التّعاطف وأبهر زخارف الذّوبان العشقي والتّعلّق الفطري العتيد وترسيخ هذه اللّحمة الوثيقة ـ العاصية عن الانقطاع فضلاً عن التّصدّع ـ بين قلوبنا وعاصمتها.

    أيّتها الكلمات الخجولة، العبارات المتواضعة والصّور التّشكيليّة، مسارك بعيدٌ عن الخفاء، دربك ليس بضائع ووجهتك غير متستّرة، إلى العاصمة الحبيبة والمدينة المجيدة فَلْتَشُقّي السّبيل، وَلْتَتّخذي أطوار الأشعار ـ على اختلاف بحورها ـ مركباً، وإيّاكِ أن تبخلي بتشكيل منظومات إبداعيّة من البلاغة تَتّخذ أساساً علميّاً ومن أعماق الحبّ تنسج مضامين رنّانة في قالب من الإخلاص وصفاء النّيّة وحُسْن السّريرة.

    أَخْبِروا الحبيبة "بيروت":
    لا مهرب من أن تبقي الأجمل، الأبهى والأشمخ، لرونقك مكانة راسخة وهامة لامعة.

    أَسْمِعوا العزيزة "بيروت":
    مهما تكالبت عليك الظّروف وَحَمِيَ الوطيس، ومهما اتٌخذت المِحَن أشكالاً مختلفة: عدوان خارجي، فساد داخلي، وباء فتّاك، فَقْر مُدْقع، مصائب حياتيّة، كوارث طبيعيّة... سيبقى عنوان علاقتنا بك حُبّاً صادقاً، عشقاً خالصاً وعُلقةً وطيدة.

    أَبْلِغوا الرّائعة "بيروت":
    ممنوع عليك الانهزام، لا يُسْمَح لك بالسّقوط، مكانك في الشّموخ ومقعدك في العلياء، فاضربي مع الصّبر موعداً وَوَقِّعي مع الثّبات عقداً إلى تاريخٍ مفتوحٍ وأمدٍ ممدود.

    أَرْسِلوا إلى الفاضلة "بيروت":
    أَرْسِلي لنا عِطراً من نسماتك الفوّاحة وابعثي بها عبر الأمواج لِتَعْبُر المحيطات تحت سحابك النّقي وتَصِلنا إلى بقاع الاغتراب فَتُعَشْعِش في أفئدتنا المشتاقة وتملأ كيانات أَلْهَبها شوق اللّقاء للعودة إلى أرض حبيبة أَبْعَدها بُعْد جغرافيّ لا يمكن له المسّ بالمسافة الوجدانيّة لأنّها غير خاضعة لعوامل الزّمان، المكان والظّروف الحياتيّة.

    أَعْلِموا الشّامخة "بيروت":
    مهما كانت هيئتك الخارجيّة، مليئة بالعمران والحدائق أو مُصابة بدمار الحرب ومُبْتَلَيَة بركام المصائب، لن تبرح الأفئدة عن تموضعها وأساسه حبّك، ولن تتزحزح المشاعر ودَيْدَنها عشقك، والكيانات على ثباتها وعماده مجدك... ومزيد جميل.

    سلامٌ عليك يا جميلة
    تحيّة لتلك الوردة الفوّاحة على ضفاف ذلك البحر الرّائع
    ودمتِ عزيزةً زاهية
    يكسوك مجدٌ رفيع
    وتُغَطِّيك أَلْقةٌ بهائيّة

    أيّتها الجميلة بيروت:
                
    قومي وانهضي... الانكسار ممنوع

    وللحكاية تَتِمَّة

    [وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ]

    أبو تراب كرار العاملي
    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media