حول اتهام العراقيين
    الأحد 9 أغسطس / آب 2020 - 06:17
    د. حامد السهيل
    صدرت منذ عدة عقود, ومازالت تصدر عن مثقفين عراقيين وعرب مقولات وتوصيفات حول الشعب العراقى, وكما يبدو فان الشعب العراقى ينبوع يرتوى منه البعض ويصدر اراءا واحكاما يجلد بها الشعب العراقى كى  يبدو فيها تفوقه, فرادته وتعاليه وبعضا من النرجسيه.  من المقولات الشهيره, ما ينسب الى الامام على بن ابى طالب فى خطبه  بعد معركة الجمل والنهروان. كما ما صدر من الحجاج بن يوسف الثقفى المثقل فى الشعر بالدونيه, والذى اراد ان يعوض عن كبرائه المجروح المهان بالقتل والارهاب والتعسف "...... يا اهل العراق اهل الشقاق والنفاق....الخ", كما ان الدكتور الوردى احتل  مكانا بارزا فى ,,مقولاته,, التى تحولت الى نظريات اشكاليه حول الشعب العراقى" ازدواجية الشخصيه العراقيه" و"التناشز الاجتماعى." التى تحولت من "ظواهر اجتماعيه" الى امراض نفسيه وشتسفرونيا واصبحت احكام مسبقه ما زال تداولها قائما.  يضاف الى ما سبق ميل العراقيين الى العنف والقسوه ورغبتهم بالعصيان والتى اصبحت  سجيه من سجاياهم. ان ما يستنتج عن هذا مثير وعدائى بحق الشعب العراقى, انهم يؤكدوا ويبرروا ما استخدمه الطغاه من اضطهاد وعنف وقتل وتشريد  مثل الحجاج وصدام حسين ويعتبروهم النموذج الواقعى  والطريقه الناجعه فى حكم العراقيين, وليس هذا فحسب وانما, نحن صانعوا الطغاة والمتجبرين....الخ.    فى تغريده لاحد كبار الروائيين العراقيين الاستاذ احمد الزهراوى يؤكد فيها على اننا نحمل صدام حسين فى دواخلنا وحينما تتاح الفرصه, ان يكون احدنا فى موقع السلطه, فسوف نحذوا حذو صدام وربما نتفوق عليه, نحن نحمل صدام فى دواخلنا ما يعنى باننا صداميون صغار, لم تأتى فرصتنا بعد او قد ضاعت علينا.!!ا وصفات اخرى, النفاق, التملق والانتهازيه التى  يعتبرها البعض , ليست فقط عادة  مستفحلة, وانما ظاهرة اجتماعيه عراقيه.!!  فى الحقيقه ان سمات ووصفات اخرى تلصق بالشعب العراقى فى مختلف المناسبات, مثلا قضية الفرهود ضد اليهود على ائر حركة رشيد عالى الكيلانى, او تجاوز بعض منتسبى القوات العراقيه حينما دخلت فى البدايه الاراضى والمدن الايرانيه على ممتلكات الايرانيين الذين تركوا بيوتهم خوفا من تبعات الحرب, يضاف الى ذلك السرقات التى حصلت فى احتلاال الكويت.                        
    ان جميع هذه التشخيصات , الاتهامات, تقوم على المراقبه, والمشاركه الذاتيه والخبره العمليه فى حالات ربما حصل حدوثها فى مناسبات معينه, الا انها لا تملك قوة التمثيل والتعميم, هذا بالاضافه انها تقتصر على عملية الرصد التى تتاثر كثيرا بموقف الراصد ووضعه النفسى والاجتماعى, والتى تقف عند  السطح ولا تبحث عن الاسباب التاريخيه والقوى المتصارعه التى تفرز هذه " الظاهره". فى البحث عن الاسباب سوف  يكون التعميم نسبيا, هذا يعنى اقتصاره على محدودية حالات المشاهده,  ليس مطلقه وغير قابل للتعميم, بمعنى انه رأى شخصى له حدوده وابعاده ويحمل اشكاليته بنفس الوقت.
    ان كل هذه السمات التى تلصق بالشعب العراقى يمكن مشاهدتها فى كل المجتمعات البشريه. ان الفرهود الذى حصل على املاك اليهود فى بعض الفترات ليس ظاهرة عراقيه فقد حصلت وتحصل فى مجتمعات اخرى حينما تتوفر العوامل المساعده, خاصة الاحكام المسبقه  وايديولوجية الدوله واهدافها. فى المانيا النازيه لم يقتصر الموقف على العداء للساميه وانما اعتبر اليهود اعداءا للشعب الالمانى ويحاولو تقويض الدوله الالمانيه من خلال سيطرتهم على الراسماليه العالميه والافكار الاشتراكيه والبلشقيه وقد وضع الحل النهانى لليهود فى اوربا كما حصل ذلك فى معسكرات الاعتقال والمحرقه. وخلال سنين الحكم النازى 1933- 1945 انتهكت حقوقهم واصبحوا صيدا للجميع,  ومنعوا من التوظيف ورفع شعار" لاتتسوقوا فى المحلات اليهوديه. كما ان ممتلكاتهم العينيه والنقديه وحتى الانجازات الفنيه تم الاستيلاء عليها.  فى فترة انقلاب رشيد عالى الكيلانى المؤيد للنازيه  كانت شروط مشابهه ولكنها اقل حديه, ومع ذلك كانت كافيه فى تجاوز حقوق اقليه عراقيه مقيمه فى بلاد وادى الرافدين منذ بضعة قرون.  اما احدات سرقة المحلات التجاريه التى حصلت مؤخرا فى امريكا على اثر مقتل  الافريقى الامريكى جورج فلويد فبل شهرين من قبل احد افراد الشرطه, فهو نوع من السلوك الجمعى المثقل تاريخيا بالعنصريه والانتقام والعوز والحاجه. مثل هذا الفرهود يحدت كثيرا حينما تتوفر شروط اوليه بسيطه. كم حصل ويحصل فى بريطانيا وفرنسا وفى دول اخرى. ان الفرهود يعتبر ايضا ضمن فوضى السلوك الجمعى المثقل سياسيا واجتماعيا وعليه فانه ليس ظاهرة عراقيه ولايمكن ان يصلب بها الشعب العراقى.                                      
     لم يكن احتلال الكويت غلطة كبيره اقترفها القائد الضروره والذى ادركها بعد سنين عديده, بعد فوات الاوان, وانما جريمة تاريخيه بحق الشعب العراقى وكانت تبعاتها كارثيه وما زالت فاعلة لحد اليوم. لم يكن سلوك بعض افراد القوات العراقيه المسلحه نموذجيا  وربما كان عدد الذين شاركوا فى السرقات كبيرا,  كما ان احتلال الكويت لم يحصل بين يوم وليله, وانما سبقته خلافات ومناوشات فى وسائل الاتصال واتهام الكويت والامارات بالتأمر على الاقتصاد العراقى من خلال غرق سوق النفط الدوليه بالنفط الخام الذى ادى الى تحجيم امكانيات العراق لمواردها النفطيه التى هو بأمس الحاجه اليها. اما بالنسبه للموقف مع ايران فان الضحايا البشريه والماديه التى فرضت اتفاقية الجزائر وبالتالى التنازل لنصف شط العرب  لايران . ان التنازل عن حدود عراقيه لايران ليست بهذه البساطه ان تمر دون تبعات, وصدام حسين الذى يعتبرنفسه زعيما ثوريا, ولاحقا حارس البوابه الشرقيه والعربى الذى لاينسى الثأئر, اخذ الاستعداد بجديه عاليه لاعادة شط العرب, وربما " "عربستان"  الى اصولها العربيه. ولاشك قد اخذت تعد وترسم منهجيا صورة قبيحه لايران, خاصة مع "ثورة الخمينى" التى اعتبرت من قبل صدام حسين خطرا عظيما يهدد سلامة وامن العراق. 
     لم يكن احتلال الكويت سفره سياحيه للاخوه العرب, الذين كانوا دائما اشداء على العراقيين, وكان دخول قواتنا المسلحه صوره حداثيه لغزوات القبائل العربيه بعضها لبعض ما قبل الاسلام وفى عصر الفتوحات وكانت  الغنائم تمثل احد الاهداف الرئيسيه من عمليات الغزو والفتوحات.  ان غزوة الكويت لم تقتصر على ما حمله واستولى عليه افراد القوات والتى تمت برضى وموافقة السلطات العراقيه, وحينما اعلنت الكويت كاحد محافظات العراق اخذت الحكومه ورجالاتها والدول  ومؤسساتها  رسميا بعملية السرقه والفرهود, وشاركت  كذلك قطاعات معينه بشكل احترافى  فى عمليات الفرهود, وشاركت ايضا جاليات عربيه فى السرقات التى جمعها قد لصقت بالعراقيين.                                               
    لم يحضى الشعب العراقى الا نادرا بحكام  ذو اصول اجتماعية رصينه, مثقفين ويتمتعون باعداد علمى او مهنى ويضعوا خارطة الطريق بكل حقولها الاجتماعية والاقتصاديه التى تساعد على بناء جسور الثقه بين الحاكم والشعب والتى سوف تفرز اخلاقيات وسلوكيات تراكميه يمكن ان تتفاعل مع العالم المتحضر الحديث, بعيدا عن الشعارات الثوريه والانتصارات ومحاربة الاستعمار!!. كما يسهر ويبذل الوالدين الجهود لتربيةالاولاد والبنات وبمساهمة المجتمع,  تحتاج الشعوب  الى من يقرب ويقدم لها الاصول والمبادىء الصحيحه, مثل احترام الاخر, شرف العمل , المسؤليه الشخصيه والوطنيه, الالتزام والواجب والعمل التطوعى.... ببساطه اخلاقيات مجتمعيه تقدمها الدوله والحكومه حينما تمتلك مثل هذه المقومات. ان الذين حكموا العراق , خاصة فى الخمسين سنه الاخيره لم يكونوا بمستوى المسؤليه, وكانت معاناتهم الشخصيه وبنيتهم النفسيه شغلهم الشاغل فى التعويض عن مركبات النقص النزوع نحو العنف والارهاب والدماء والحروب, وكانوا بذلك شرا كبيرا على الشعب والوطن وليس عونا له.

    دكتور حامد السهيل 2020 . 8 . 8 
    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media