كردستان، القلب النابض للشرق تتوسط مجموعة من دول وطنية ذو حكومات قومية او دينية الاتجاهات. تعتبر كوردستان العمود الفقري و ميزان تعادل القوى في الشرق الأوسط اليوم وفي المستقبل. هذه خاصية مقومة أساسية لترسيخ دعائم السلام بين شعوب المنطقة. خاصة إذا علمنا بان كوردستان منطقة جغرافية مركزية الموقع لم يتأسس عليها أي كيان سياسي يوحد جميع أجزائها كدولة وطنية مستقلة عبر تاريخها المعاصر كما حصل مع شعوب المنطقة اثر انهيار الإمبراطورية العثمانية. ان إحدى ثوابت كوردستان هي : ان شعبه ومنذ فجر التاريخ عاش في ربوعها وحافظ على البقاء تراثها وكينونتها رغم كونها حلقة وصل في منطقة إستراتيجية جغرافيا كانت ساحة حروب ونزاعات وصراعات بين الإمبراطوريات المختلفة التي حكمت المنطقة بأسرها وعبر التاريخ القديم والحديث. هذا الكيان الوطني المستقل بقى حلما يراود أبناء كوردستان ولحد يومنا هذا. حتى إننا لا نشاهد نموذجا في التاريخ الحديث لكردستان لتلك الدولة الوطنية وعلى الأقل لم يتم حكم المنطقة بأكملها تحت راية حكومة وطنية موحدة. بقى ان نعلم ان هناك العديد من التجارب لكيانات مستقلة محلية جرى تجربتها دون نجاحات تذكر.
من هنا نرى أهمية كوردستان للأمن الإقليمي وقد بدا واضحا في السياسة الدولية حيث تولي المجموعة الدولية اهتماما متزايدا للمنطقة. وقد ازدادت تلك التوجهات خاصة بعد اجتياح الجيش العراقي لجارتها دولة كويت وما جلب من ويلات ودمار على المنطقة وشعوبها لا يزال يعاني شعوب المنطقة من أثارها. وقد اكتشف تلك الحقيقة دول المنطقة أخيرا، ان كوردستان مستقر، يجلب الأمن والسلام لشعوب المنطقة. رغم ان حكومات دول المنطقة المحيطة بكوردستان وجريا على العادة كانت ترسم إستراتيجيتها السياسية والعسكرية والأمنية على أساس: أن كوردستان تعتبر قنبلة موقوتة في قلبها وتنتظر الانفجار وان حمم بركانها ستنتشر لتحرق المنطقة بأكملها. لكن واقع الأمر بعيد عن هذه النظرة النمطية التراجعية و الوقائية حيث يعتبر كوردستان صمام الأمان الحقيقي لاستقرار المنطقة. لأمور عدده منها جغرافيتها الاقتصادية والسياسية اولا والثقل السكاني للشعب الكوردي كأحد أقدم شعوب المنطقة الذي يرتبط بعقد اجتماعي ثقافي وصلات رحم وقربى مع جميع شعوب المنطقة (فرس،عرب، توركمان، ترك، أذريين ، الكدو اشوري سرياني والشعب الارمني) اثر الحوار الحضاري السلمي الذي جرى رحاه في ارض كوردستان عبر آلاف السنين.
ان استقرار المنطقة ينطلق في المستقبل من ربوع كوردستان ويجب المحافظة على المنطقة وعدم تحويلها الى ترسانة عسكرية يستنزف ثروات الاقتصاد الوطني الكوردستاني حاملا في طياته الخراب والدمار للمنطقة. كوردستان مستقبلا ليس كوردستان اليوم إذا ما تمكنا من استقراء مؤشرات تطور المنطقة في المستقبل بصورة عامة. ان توجهات تركيا السلمية في إستراتيجيتها السياسية الى الإعداد للانضمام الى الاتحاد الأوربي وتقوية أواصر العلاقات الطبيعية مع الدول العربية والإسلامية مع سياسة متوازنة عقلانية إزاء الصراع العربي الإسرائيلي وسياسة يعتمد على حسن الجوار مع إيران ومطامعها في المنطقة من سياسية عسكرية ونووية مع التأكيد على تقوية أواصر العمل المشترك مع دول محور حلف بغداد القديم كل ذلك سيعود على المنطقة بالأمن والسلام إذا ما رافقتها نظرة واقعية وعلمية لهموم الشعب الكوردي وأمانيه المشتركة وحقوقه الطبيعية في كوردستان ليس كرقيب او عدو بل كصديق مشارك وحليف استراتيجي. بالتأكيد نرى ان الأفكار الواردة أعلاه ينطبق فيما يخص العلاقات مع جميع دول المنطقة مع كوردستان وتحويلها الى واحة سلم وساحة لقاء سلمي عند حدوث النزاعات والخصام كما هي عليها سويسرا كدولة وسطه حيادية يجتمع فيه كل الأضداد والمتخاصمين.
ان مستقبل المنطقة يعتمد على إحدى الثوابت السياسية الأساسية الا وهي السياسة السلمية المتوازنة في حسن الجوار والعلاقات التي تعتمد على المصالح المشتركة لشعوب المنطقة بأسرها البعيدة كل البعد عن سياسات العدائية واستخدام العنف والشدة في معالجة الخصام والمنازعات. إن الإستراتيجية الأساسية للأحزاب السياسية في المنطقة بأسرها يجب ان تعتمد وتعكس هذا المبدأ السلمي والحضاري للوصول بالمنطقة وشعوبها الى بر الأمان والإعداد لمستقبل زاهر للأجيال القادمة.