 |
| Foto: Samed Zandi أبناء منطقة افتخار عام1948 |
الحياة شجرة حرة ووحيدة
كغابة متآخية
وتلك اشتياقنا
ناظم حكمت
إن تاريخ المجتمعات البشرية بدا بتكوين أول خلية عائلية نتيجة علاقة حضارية بين جنسين مختلفين. هذا الاختلاف في الانتماء الى جنسين مختلفين أزلي بطبيعته وبما إننا كبشر اجتماعيين بطبعنا لا نحبذ الوحدة والانفراد والانعزال بل نحاول جاهدا ان نتواصل على شكل جماعات ونقيم العلاقات بيننا وبين اقرأننا من بشر رغم اختلافنا. كان نتيجة هذا السلوك الإنساني تكوين مجتمع بشري تعددي قلما نجد مثيله بين الكائنات الحية. خاصة بعد تطور سبل الاتصال والسفر فتحولت الثرى بعد الألفية الثانية بعد الميلاد الى مجتمع واحد يسمى بالقرية الكونية كمصطلح اقتصادي اجتماعي سياسي بيئي موسع و جديد تعودنا عليه في العصر الحديث ويطلق عليه البعض اصطلاح العولمة. هنا يتحول هوية المواطن الى هوية عالمية لا يعرف حدود الوطنية وأي انتماء قومي .
مكونات النسيج الاجتماعي السكاني للمجتمع الكوردستاني ، كوردستان يستخدم ها هنا كمصطلح جغرافي اكثر منها بسياسي او قومي، سيكون موضوع هذه المادة. سأركز في بحثي على التركيب السكاني الثقافي لإقليم كوردستان بالتحديد.
التركيبة الأساسية للمجتمع في اقليم كوردستان إغناء من ناحية ومن ناحية أخرى تعتبر بوتقة اثنية وعقائدية أساسية ومن ثوابت الاقليم. ان العديد من سياسي وقادة شعوب العالم فشلت في التعامل مع تركيبة مجتمعاتها العرقي ، اثني والعقائدي خاصة في الشرق الأوسط . لذا نرى ان العيد من تلك الخلافات السياسية التي تعتمد على أساس عرقي او عقائدي يدور رحاها في خفاء وسرية تامة تظهر بين الحين والآخر الى الواجهة الأمامية للأحداث خاصة في الصحافة العالمية وعن طريق تقارير منظمات حقوق الإنسان بينما يبقى تحليلات تلك الدول الحاضنة لتلك الصراعات مبهمة سطحية غير جذرية محبذين أسلوب النعام الذي يولج رأسه تحت الأرض كي يختفي من الوجود ولكن هيهات.
 |
| Foto: Samman Zandi 2006 في قارعة الطريق مدينة كركوك |
ان احد النتائج الأساسية لسياسات تلك الدول نحو مواطنيها الأصليين هو انتشار العداء بين أبناء مكونات مجتمعاتهم. الاختلاف رغم كونه من ناحية المبدأ رحمة وإغناء لتركيبة تك المجتمعات يبقى معالجة المؤسسات الحاكمة لمطالب مواطنيها الواقعية والعادلة لا يمكن ابدا حلها ومعالجتها تحت سيادة قوانين غيرعادلة او سواد افكار سلطوية وشمولية حاكمة تفضل جزء من مكونات شعوبها على اخر وتلغي وجود الاخر. هذا الفكر العنصري التميزي يضيع الفرصة على شعوب المنطقة باكملها للسمو والتطور والسير على هدى مسار التطور الإنساني العالمي وبناء مستقبل امن للأجيال القادة.
 |
| وجهاء القوم يتوسطهم الشيخ محمود الحفيد نهاية الحرب العالمية الأولى |
ان تجربة الدولة القومية أثبتت فشلها في الشرق والغرب. كانت الدولة الدينية تعود الى الواجهة بين الحين والاخر مع اختلاف التطبيقات في الشرق والغرب معتمدا على تراكمات تاريخه طويلة والذي يعود الى اكثر من دهرين. فبينما انحسرت تأثير الكنيسة المباشر في الحياة السياسية في الغرب بعد مئات السنيين من السلطة ألاهوتية المطلقة نرى اليوم ان العديد من الاحزاب السياسية الأوربية لا تزال تحمل رموزا وأفكار دينية لا بل نرى ان أسماء تلك الاحزاب تدل أحيانا الى انتمائها الديني او الطائفي المباشر. وقد قدمت الأنظمة الديمقراطية الأوربية بديلا جديدا لتكوين مجتمعاتها التعددية تعتمد على الانتماء القاري والثقافي الغير قومي، أي الانتماء الى قارة اوربا باكملها كبيت وسقف واحد موحد لشعوبها المختلفة الاعراق والانتماءات.
 |
| كركوكي |
توحدت دول اوربا الوطنية بعد تجربة الدولة القومية التي كانت قاسية استخدم فيها العنف والقسوة وحرق الأرض ودمار الشعوب والعمار والديار وبعد ان فشل تجربة نابليون بونابرت في افكاره بتوحيد اوربا قوميا تحت قيادته ورايته جرى رحى حربين عالميين على ربى اوربا، كان الفكر القومي الألماني والايطالي والاسباني سلطة حاكمة تغذي روح الحقد والعدوان بين شعوبها، انحسر كل تلك الافكار مرة واحدة ببزوغ فكر اتحادي يجمع الإنسان الاوربي وبسلام ومحبة تحت سقف اوربا في اتحاد طوعي هو الاتحاد الأوربي. هذا المشروع الحضاري السلمي تجربة إنسانية جديدة لا يمكن الحكم عليها في الوقت الحاضر.
فشل الفكر القومي في الغرب جاء ولو متأخرا على دول الشرق ولو للبعض منها حيث لا تزال دولا كثيرة تحاول جاهده تطبيق نظريات قومية جاءت بالبلاء على شعوب اخرى دون ان تعي بان الفكر القومي السلبي فكر مدمر ومجزأ لشعوب المنطقة التي اختلطت دمائها بعضها البعض مكونة مجتمعا شرقيا تعدديا. فقد نرى ولحد يومنا هذا هنا وهناك لا تزال دول تنادي بالفكر القومي كسياسة لدن الحزب الحاكم او السلطة الحاكمة وعلى الأكثر هي سلطات أنظمة شمولية غير تعددية بينما جل سكانها قد تم تغير دينهم وانتمائهم القومي عبر التاريخ اثر تغيرات ديمغرافية كالهجرات وثقافية كانتشار لغة القران الكريم كلغة انتماء وعبادة لمن دخلوا الى الدين الاسلامي الحنيف من ابناء شعوب الشرق والغرب. فنرى دول في شمال افريقيا مثلا تنادي بالفكر العروبي وهناك في تركيا فكر قومي ينحدر من فترة اخر ايام الإمبراطورية العثمانية حيث طغى الفكر القومي القادم من الغرب على الحياة السياسية بين شعوب التي كانت خاضعة للإمبراطورية العثمانية. نراه اليوم ينعكس على الأيدلوجية السياسية للعديد من الأحزاب و التنظيمات السياسية ومؤسسات الدولة الرسمية والمؤسسة الأمنية والعسكرية. وقد فقدت تلك التوجهات القومية في المجتمع التركي بريقها بعد انتشار مطالب التوجه الى الغرب ومطالبة تركيا الملحة بعضوية الاتحاد الأوربي حيث نرى اليوم تغيرات ديمقراطية،سياسية وقانونية مهمة في هيكلة السياسة التركية السلمية واعتبار الكورد احد المكونات الأساسية للدولة تركيا مع التأكيد بمبدأ المساواة أمام القانون ومنح الحقوق الثقافية للكورد بعد سنوات طويلة من الحرمان.
كان هناك منحى قومي في ايران كذلك قادة بعض المثقفين من أمثال مهدي البازركان ،ينتمي الى القومية الاذرية، واخرون تضائل قوتهم بعد انهيار حكم شاه ايران السابق وقيام الجمهورية الإسلامية في ايران. اما في تركيا نفسها فالحالة مختلفة تماما لان الفكر القومي التركي انصهر في هيكل الدولة والمجتمع التركي الذي صحي اليوم ليرى بان هناك في الواقع اكثر من 150 قومية اثنية وعقائدية مختلفة في البلاد. كما نرى بان الفكر العلماني التركي رغم انها كانت تحمل بذور حضارية واضحة في سنين ما بعد الحرب العالمية الاولى نرى اليوم قد لفها غلاف قومي متخلف ورجعي حتى تحول لاحقا عند بعض الاحزاب الى احزاب قومية سلبية فاشية تنادي بالصفاء العرقي وعلو أبناء القومية التركية في خصائصها التكوينية على الشعوب الاخرى وترى كذلك في موهبة القتل والتدمير والحروب وقيادتها مفخرة للشعب التركي.
 |
| Foto: Susan Mohammad |
اما الدولة الدينية ، أي التي تسمد قوانينها من شرائع الدين الإسلامي مباشرة وتطبق مبادئها السمحة ، في الشرق فهي شبيه من الناحية التطورية على الاقل بالدولة القومية في الشرق الاوسط. فمنذ انبثاق نور الاسلام على ارض الحجاز الى يومنا هذا نرى ان تجارب حكم عديدة مورست في المنطقة ومن قبل شعوب عربية (الخلافة الراشدية، الأمويين، العباسيين،....) وكردية (دولة الناصر صلاح الدين) وتركية ( المغولية، الصفوية، سلجوقية، عثمانية) وفارسية والبانية وبربرية ومماليك واقوام اخرى كثيرة. لا يزال اثر تطبيقات تلك الأفكار منتشرة بين الاحزاب والتكتلات السياسية في العديد من دول الشرق, منها من وصلت الى سدة الحكم كما هي عليها في ايران والعراق وتركيا بينما هناك العديد منها تناضل سرا وعلانية للوصول الى سدة الحكم. لكن معظمها لم تتمكن من حل معضلة انتماء القومي بين شعوبها. من الطبيعي يجب ان نعلم ان الإسلام يساوي بين المؤمنين ، كأسنان المشط، ولا يوجد أي طرح عنصري في الفكر الاسلامي من ناحية ومن ناحية اخرى يعترف الدين الإسلامي بوجود شعوب وقبائل موحدين تحت راية الإسلام" لا الله إلا الله محمد رسول الله". لكن هذا لا يعني ان التطبيقات الدول الحاكمة باسم الإسلام قد نجحت في إنصاف الجميع بل استخدم السلطة لقمع القوميات الأخرى تحت راية سلطة القومية الكبيرة الحاكمة وباسم الإسلام أحيانا ومع الأسف الشديد.
 |
| اربيل العاصمةFoto: Susan Mohammad |
اليوم نرى هذه اللوحة الفكرية والعقائدية في اقليم كوردستان وفي تركيبة مجتمعها المعاصر. لكن غياب الكيان السياسي المستقل ووجود حالة فريدة في تاريخ كوردستان بوجود إقليم وحكومة فيدرالية يستوجب التوقف على تجارب الأمم المحيطة، فيما يخص علاقات الشعوب الاقليم وسواد مبدأ التسامح بينها، بالإقليم والاستفادة من تجاربها كي لا تتكرر الماسي التي تعرض إليها ابناء الاقليم بأيادي القوى المتسلطة الحاكمة بحق القوميات الكوردستانية الاخرى. إن من عاش في أي بقعة من بقاع كوردستان يعر ف جيدا بان ابناء كل القوميات والعقائد عاشت جنبا الى جنب في سلام ولم يتم التعدي على احد لمجرد انتماءه القومي رغم ان كل بيت لا يخلوا من خصام الأحبة.
 |
| هنا كوردستان |
هنا أود الإشارة الى كون الخارطة السياسية للإقليم في العراق لم يتم لحد اليوم تثبيتها او تعينها وتخطيطها تماما ولا تزال هناك عقبات امام طريق التوصل الى خارطة سياسية للإقليم ولكن هناك خارطة جغرافية اثنية واضحة تمد الى ما قبل فترات الحكم الاسلامي للعراق حيث ان سلسلة جبال حمرين كان حاجزا طبيعيا يفصل العراق الجنوبي عن شمالها وهذه الخارطة الطبيعية اغتنت بوجود اقوام استوطنت المنطقة وامتزجت دمائها مع الأقوام التي كانت قد سبقتهم في الاستيطان حيث معظم مدنها التاريخية تعود الى حضارات بلاد الرافدين من دهوك و اربيل و كركوك. كنت قد أشرت سابقا الى وجود اختلاف ثقافي اخر من منطقة الى اخرى حيث نرى مثلا ان المنطقة الفاصلة بين نهر سيرون والزاب ذو خصائص ثقافية اثنية معينة مختلفة عن خصائص ابناء المنطقة الجبلية الوعرة.
اما من ناحية الخارطة العقائدية والدينية نرى ان جل سكان كوردستان، رغم اختلاف انتماءاتهم العرقية، هم من المسلمون وينتمون الى إحدى الطائفتين السنية ، معظم الاكراد هم من المذهب الشافعي، او الشيعية. هذا التصنيف ينطبق على الكوردي والتوركماني والعربي كذلك.
ومن الناحية القومية نرى ان القوميات الأساسية للإقليم تتوزع بين الكورد بجميع تكويناته والتوركمان بجميع تكويناته حيث ينتشرون من الحدود العراقية الايرانية في مندلي وقرى ديالى ثم هناك بعض القرى التوركمانية في اطراف مدينة كركوك ولا وجود لهم في الطريق الواصل بين كركوك والسليمانية ولكن لهم تواجد في مدينة التون كوبري على الطريق الواصل بين اربيل العاصمة وكركوك ولهم تواجد تاريخي في مركز مدينة اربيل وموصل وهناك توركمان في مدينة تل عفر غربي مدينة موصل اما والكلدو اشوريين وسريان فينتشرون في قراهم في ضواحي مدينة موصل ولهم تواجد في منطقة اربيل والبعض منهم في السليمانية ولكن تواجدهم في المدينة يكاد يقتصر على مدينة كركوك ويعود ارتباطهم بالعمل في شركة نفط الشمال بالدرجة الاولى. وأرمن كركوك قدموا ابان الحرب الاولى وما يعرف بمذبحة الارمن في تركيا.
اما ابناء المجموعة العربية فهم ينتشرون على تخوم جبل حمرين وسهل كركوك وقد كانت للحملات الإسلامية الأثر الأعظم للانتشارالعرب في كوردستان حيث لا نرى أي تواجد للعشائر العربية في المنطقة قبل ظهور الاسلام. كان للعلاقات التزاوج والتصاهر بين المسلمون القادمون من شبه الجزيرة العربية وابناء المنطقة الاثر الأكبر لظهور عوائل تدعي بكونهم من السادة الهاشميين رغم كونهم من عشائر المنطقة المعروفين خاصة العشائر الكوردية في منطقة كرميان ولا نجد الكثير من هؤلاء السادة في المناطق الجبلية من كوردستان. غير ان العديد من العوائل العربية قد تتركت او تكردت بمرور الزمن فاذا عاشوا بين الكورد تكردوا وان عاشوا بين القرى التوركمانية تتركوا. ومن الطبيعي ان يكون لهم تواجد في سهل نينوى وفي مدينة الموصل وضواحيها لتوفر المراعي الخصبة وهناك تواجد حديث لهم في مدينة كركوك مرتبط بصورة مباشرة بمشروع ري كركوك احد مشاريع الاروائية من العهد الملكي وقد ازداد استيطانهم الطوعي والجبري ابان حكم النظام البعثي السابق فقد هجر العديد من العوائل العربية من جنوب العراق وتم استيطانهم في الطريق الفاصل بين مدينة تكريت وكركوك والبعض منهم في منطقة دووبس والرياض. فيما نرى ان تواجدهم كان ضئيلا جدا داخل المدينة حتى نهاية العهد الملكي حيث سكنوا في محلة العرب في الصوب الكبير ومن ثم تواجدوا في منطقة بهو البلدية حيث العوائل العربية القادمة من الجنوب والمعروفين باسم الحديديين ناهيك عن وجود عرب من موظفين دولة ومدرسين في معظم مدن الإقليم ظهروا في العهد الجمهوري اثر تقوية الحكومة المركزية ورسم الخطط الخمسية المركزية للدولة من ناحية ومن ناحية اخرى كنتيجة مباشرة لاستمرار الحركة التحررية الكوردية في ربى وجبال كوردستان حيث كانت الدولة بحاجة الى موظفين يعتمد عليهم خاصة بين المدرسين وقوى الجيش والشرطة والأمن. وكان بين عمال شركة نفط الشمال (أي بي سي) عدد من العرب وهناك العيد من العشائر العربية على تخوم سهل نينوى معظم كانوا رحل ولكن تم استيطان العيد منهم بعد الحرب العالمية الاولى ولهم علاقات جيدة مع العشائر الكردية اذ كانوا يعتمدون ويستخدمون سهولهم الخصبة كمراعي للأغنام والمواشي وكما اسلفت. اما الغجر في الاقليم فهم أقلية لا تزال تعيش في طور البداوة وعلى عادتها ممتهنين بعض الصناعات الحرفية وهم على الأغلب من الرحل ليس لهم مكان ثابت.
كما نرى ان تكوين مجتمعات المدينة الكوردستانية تتعدى ما ذكرناه سابقا من ملل و اقوام فنرى ان هناك من له اصول اذريه، أفغانية، هندية او باكستانية، فارسية وربما أوربية كذلك.
ان هناك اختلاف ثقافي اجتماعي واضح بين تلك القوميات وذلك تحت تأثير العامل الجغرافي بالدرجة الاولى وبالدرجة الثانية مدى قوة العلاقات والروابط المصاهرة والتزاوج مع المكونات القومية الاخرى. حيث نرى مثلا التوركماني الذي يعيش في خانقين مختلف عن ذلك الذي يسكن في تل عفر او التون كوبري او في كركوك نفسها. هذا الاختلاف الجغرافي كون اختلافا ثقافيا كذلك . اللهجة والتقاليد والأعراف والمأكل والملبس تختلف باختلاف المنطقة الجغرافية ودرجة التماس مع القوميات الاخرى. هذه حالة ليست مقتصرة بالتوركمان وحدهم بل هي حالة عامة يمكن تطبيقها على مختلف القوميات الكوردستانية.
 |
| كركوكيين |
الإضافة الى كل ذلك التنوع القومي الكوردستاني نرى ان هناك تنوعا عقائديا بين مكونات النسيج السكاني الكوردستاني ف ارض كوردستان كانت كذلك حامية لعديد من الديانات كالزادشتية وللفكر المندائي واليهودي و المسيحي الذي رأى النور في فلسطين وانتشر الى ربوع الدنيا حاملا نبراس السلام والمحبة. فجبال كوردستان كانت ملجئا للمظطهدين من الرهبان والقساوسة والطيبين ممن اضطهدوا في تلك العهود الغابرة ولا تزال اثار اديرتهم قائمة لحد يومنا هذا. هذا التنوع العقائدي اصبغ ثقافة المنطقة بكثير من الرموز الدينية والأعراف التي تطبق اليوم دون معرفة مصادرها في حين هناك العديد من العادات والتقاليد التي تعود لفترات ما قبل الإسلام لا تزال جارية كتقاليد راسخة بين ابناء المجتمع الكوردستاني. وكما ذكرت سابقا ان كل تلك البوتقة العقائدية تختلف باختلاف الانتماءات ومن منطقة الى اخرى حتى بين ابناء نفس القومية.
 |
| ابناء كوردستان بتعدديتها البديعة : مصدر الصورة www.asianews.it/files/img/kirkuk_immagine.jpg |
ان المجتمع الكوردستاني تعددي بطبعه ومنذ الأزل وحتى التركيبة الثقافية للاكراد بصورة عامة تعددية ثقافية متنوعة وعقائدية لذلك نرى اختلافا كبيرا بين العادات والتقاليد للأكراد من منطقة واخرى ولكل منطقة خصائص ثقافية مختلفة وحتى عقائدية ودينية ولغوية "لهجات دارجة". كذلك نرى تباينا في المشرب والمأكل والملبس والإكسسوارات وكيفية بناء المساكن وطريقة العيش والعادات والتقاليد.
ان وجود قوميات كبيرة اخرى تعيش جنبا الى جنب مع الكورد ك الأتراك و التوركمان وابناء الطائفة المسيحية من كلدو اشوريين وسريان وارمن كما نرى بين الكورد من الشبك ،اللر ،الفيليين ،البختياريين، الكلهوريين والكاكئيين وابناء الحق والايزيديين وحتى مجموعات تنتمي الى منطقة ثقافية متميزة معينة ك الافتخاريين او حتى احدى العشائر الداووديين وجاف و زنكنة وميرودلي وكقولنا تلكيفيين وعقراوين وكرميانيين هورمانيين وشيخانيين وسنجارين من جبل سنجار او تيمنا ب إحدى محلات مدينة من مدن كوردستان كقولنا " تبيي" من احدى محلات كركوك الشهيرة " تبه ملا عبد الله" وهلم جر.
ان هذه اللوحة الثقافية والاثنية سينعكس حتما في المستقبل على الحياة السياسية في كوردستان ولكن المهم ان لا يأتي الحلم القومي السلبي بأفكاره التميزية والحاقدة الهدامة لينخر المجتمع الكوردستاني مكونا جماعات عرقية متقوقعة على نفسها تكن العداء للمجاميع القومية الاخرى وتستعد في خفاء للنيل متربصا كي ينقض على غريمه الآخر. تركيبة مماثلة في المجتمع وخاصة في الحياة السياسية يكون خنادق متقابلة كل خندق يهيئ نفسه ويستنزف اقتصاده وجهده من اجل ان يدافع عن نفسه مما يؤدي الى تكوين مجاميع سكانية متقوقعة على نفسها في المدينة الواحدة ونرى مدينة كركوك مثالا حيا على هذا التكوين في الوقت الحاضر.
ان الآمن الاجتماعي لا يتم الا مع إزالة جميع الفروق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في المجتمعات واعتبار القانون الحد الفاصل الأكبر بين جميع المتنازعين والمتخاصمين. الا ان من اهم تكوينات المجتمعات البدوية- العشائرية هو انتشار المحسوبية التي لا تزال تعتبر عرفا اجتماعيا في كوردستان. نرى ان العائلات التي تنتمي الى احد الشيوخ او السادة لهم معزيتهم وتقديرهم ويحسب لهم ولما قدمه أجدادهم من خدمات للمجتمع. هذه المؤسسة كنت قد كتبت عنها الكثير في كتاباتي السابقة وأعيد اليوم مؤكدا بان المكانة الاجتماعية لنلك العوائل لا تعني ابدا انهم او أحفادهم هم اليوم من الميسورين او الأغنياء. لكنهم يعتبرون جزء مهما من تركيبة المجتمع الكوردستاني. واني اعتبر تلك المؤسسة العريقة اغناء ثقافي اذا أجيد استخدام مؤسسة العشيرة كمؤسسة تفرض الاحترام والتقدير لدورها الايجابي في تاريخ الأمم والمجتمعات بصورة عامة رغم وجود الاستثناءات. للمزيد حول الموضوع راجع:
www.krg.org/articles/print.asp?anr=23920&lngnr=14&rnr=84
ان المستقبل السلمي للمجتمع الكوردستاني يفرض على أي توجه سياسي واعي وعقلاني على الساحة الكوردستانية بالابتعاد قدر المستطاع عن الأفكار القومية السلبية كايدولوجية سياسية وكنظام حكم او كيان سياسي. خاصة ان الضيم الذي وقع على اهل كوردستان من قبل الانظمة القومية كبيرة جدا تمادت حتى الى استخدام الاسلحة المحظورة دوليا من نابالم وغاز خردل عمليات الابادة الجماعية في عمليات الانفال السيئة الصيت وتهجير الفيليين وابناء كرميان وبرزان وصولا الى قصف حلبجة الشهيدة وجبال كوردستان بالغاز السام.
ان تواجد تلك التنظيمات السياسية القومي السلبية بين الكورد او العرب او التوركمان او حتى بين أبناء الشعب الكلدو اشوري السرياني على حد السواء سوف ياتي بنفس تلك النتائج المساوية على كوردستان واهلها عاجلا ام آجلا.
اما الاحزاب السياسية التي ترى في كوردستان سقفا لبيت يحمي الجميع دون أي فرق مكونينين عماد بنيان اعمدتها وستونها العالي مؤمنين بالتعددية والاختلاف وبناء المجتمعات و بمبادئ التسامح بين الشعوب فتلكم مؤهلة لبناء كيان مجتمع العدل والمساواة الكوردستاني.
هذه الجنائن الثقافية البديعة أحلى ما أبدعته المخيلة الإنسانية على ارض كوردستان هي إحدى أهم نتائج الحوار الحضاري الإنساني و التعايش السلمي الذي دار رحاها على ارض كوردستان ومنذ الأزل بين أبناء أمم وقوميات وعقائد مختلفة. لنكن اليوم جميعا جديرين بكل هذا الإرث و الكنز الثقافي ونحافظ على ديمومتها واغنائها بالكثير من الورود والرياحين من اجل مستقبل مشرق للأجيال القادمة المتسامحة ملئها المحبة، السلام والوئام.
السويد
20090510