حين تعود بي الذاكرة إلى أيام الانقلاب الفاشي الأسود، أحس بقشعريرة برد طاغية، تقتحم جسدي من قمة رأسي إلى أخمص قدمي. أحس بذلك الشعور سواء في زمهرير الشتاء أم في قيظ الصيف. كنت فيما مضى، أعتقد أن سبب ذلك يعود إلى موجة البرد الشديدة التي رافقت تلك الأيام العصيبة. وظلت قيادة البعث تتغنى بهذا الانقلاب الدموي على مدى أربعة عقود من الزمن كعروس الثورات التي جلبتها الإدارة الأمريكية بقطار خاص وذلك بعد أن أزالت بكارتها مقدما كعربون لإخلاصها للمصالح الأمريكية في المنطقة. وتبين لي في ما بعد أن سبب القشعريرة لم يكن موجة البرد العاتية، بل شيء آخر. كان الكثير من أبناء الشعب العراقي يعتقد أن هذه "العروس" ستعيش إلى الأبد، بيد أن المرحومة والدتي كانت لها فلسفتها الخاصة التي كنت لا أعرف من أين تستمدها. كانت تقول لي بعد كل صلاة: "أطمئن يا ولدي، إن صبر الله الصغير عبارة عن أربعين عاما" وأقول بغضب مصطنع: "والكبير؟ عبارة عن ألف عام، أليس كذلك؟" عند ذلك كانت القشعريرة تزول من جسدي وأستمد العزيمة من أمي التي كانت تستمد عزيمتها من قوة أكبر. وهي تعلق بين حين وآخر ولا سيما عندما كان الحديث يدور حول مصير الطاغية: "لا يتغلب على ظالم تجاوز حده، إلا مَن لا إيمان له". المسافة بين أربعة عقود وألف عام كما نرى كبيرة جدا، تكفي أن تبعث اليأس في نفس الإنسان مهما كان حليماً. وهكذا اعتقد صدام أن سلالته ستحكم على الأقل ألف عام. بيد أن الله فكر هو الآخر بمصير هذا الشعب المسكين الذي كان يعاني الأمرين على يد الطاغية وحاشيته. ورأى أن العقود الأربعة قد انصرمت، فلا بد من عمل شيء، وأن "العروس" المغتصبة التي جاءت بقطار أمريكي خاص، يجب أن تعود بحمالة أمريكية أيضاً. وكان ما كان. يؤسفني أن والدتي لم تعش نبؤتها. لقد فارقت الحياة قبل سقوط النظام الفاشي بعام. وكثيرون هم الذين فارقوا الحياة في السجون والمنافي والمقابر الجماعية وتحت وابل الاسلحة الكيمياوية، دون أن يعيشوا عملية سقوط الدكتاتور الذي لاذ بالفرار، تاركا جيشه الجرار في مهب الريح. يا ترى، أهي مفخرة أم عار للقائمين بهذا الانقلاب الذي يعتبر وصمة عار في جبين تاريخ العراق المعاصر؟ إنهم لم يكتفوا بالتمجيد الأجوف لهذه الصفحة السوداء، بل أضافوا لها في تموز 1968 صفحة أخرى من الذل والهوان، وكأنهم لا وظيفة لهم سوى تخريب العراق وتدميره وتشويهه وتمزيق صفوفه. إن العراق بكل أطيافه لا يعطي الضوء الاخضر لقيادات البعث الفاشية للوثوب إلى السلطة من خلال حصان طروادة. إن ذلك يعني العودة إلى الاستبداد والفاشية. المطلوب من البعث، سواء من قياداته الفاشية أو غير الفاشية، أم من كوادره وقواعده الغير متورطة بالجرائم، تقديم اعتذار شامل لما بدر منهم من الجرائم بحق الشعب وتخريب الوطن وإدانة أساليب الارهاب والانقلاب. وفي كل الأحوال لا يجوز أخذ البعثي البريء بجريرة البعثيين المجرمين.