حاولتُ متابعة البرامج الإنتخابية للكتل والإئتلافات المختلفة عبر وسائل الإعلام العديدة. علّمتني الخبرة ألاّ أعوّل على الوثائق المكتوبة وحسب. فهي تعرض "المطلوب والمفترض" للخروج من وضع عراقي هو في غاية التخلف والصعوبة بسبب تسلط نوعين من النظم الطغموية (الملكي والقومي) (1) اللذين كان تخلفهما بمستوى الشائع في المنطقة، لكن ما أعقبهما هو نظامٌ قلما شهد التأريخ مثيلا له في التخلف ( وهو النظام البعثي الطغموي). لذا فإن البرامج المكتوبة، في العموم متقاربة، لأن طريق النهوض سبقنا إليه جميع دول العالم (ربما عدا الصومال) فأصبح معلوما وواضحا، خصوصا بعد زوال التنافس الرأسمالي – الإشتراكي(2)، وبالتالي أصبحت البرامج متقاربة في التعبير على الأقل، ويبقى الشيطان كامنا في التفاصيل والأفعال والنوايا. أُعوِّلُ أيضا على ما يقوله ويفعله قادة هذا الإئتلاف أو ذاك. فبالنسبة لي، إنْ تطابق المكتوب مع الكلام المُقال فذلك دليل عافية؛ وإنْ إختلف الإثنان فهذا نذير’ شؤمٍٍ ؛ لأن الكلام المُقال يفصح عن النوايا الحقيقية التي قد تكون سيئة، وانْ غلّفها المكتوب، بالدفئ والرقة والحنان والحرص والمسئولية.
وجدتُ أنّ حالة التطابق حاضرة لدى الأحزاب والإئتلافات، الدينية والعلمانية، التي ساهمت في إرساء أسس النظام الفيدرالي الديمقراطي وحافظتْ على مسيرته. وجدت إنشغالا جادا لدى هذه الجماعات، كبيرها وصغيرها، بمواضيع تهم مستقبل العراق والنهوض به إلى المستوى اللائق بإمكاناته البشرية والمادية والتراثية. فهناك الإعلان عن قرب إكتمال خطة تنمية خمسية (3) وهناك مؤتمرات حول معالجة الفقر والصحة والتعليم والأمية والإسكان والزراعة والصناعة وقضية المياه وغيرها من المواضيع الهامة.
ل"إئتلاف العراقية"، قصة أخرى. فالمكتوب وبعض المُقال فخم وكبير ورنان. أما معظم ما قيل سواء قبل قضية إستبعاد عدد من المرشحين للإنتخابات النيابية القادمة أو أثناءه فقد كان محيّرا. لقد ساهم في الكلام معظم القادة البارزين إبتداءً من الدكتور أياد علاوي مرورا بالأساتذة النواب وغير النواب: صالح المطلك وظافر العاني وطارق الهاشمي وعدنان الدنبوس وميسون الدملوجي وعالية نصيف جاسم وحيدر الملا وحتى الشاب الناطق بإسم الهاشمي السيد عبد الإله كاظم وغيرهم.
ما حيّرني، هي تصريحاتهم التي تعددت وتشعبت وراحت في كل الإتجاهات كما ذهب "الشعر الغجري المجنون يسافر في كل الدنيا" (مع إعتذاري للغجر)، بدءً بخطيرها الذي ردّده زعيم الإئتلاف السيد أياد علاوي عدة مرات حول "الحرب الأهلية" وإعلان السيد صالح المطلك حول إحتمال دعوته "الجماهير لحمل السلاح" وتصريح السيد النائب حسن ديكان إلى ما قارب القول بأنه إتفق مع وزير الدفاع على "تحريك الجيش"؛ إلى تصريح المطلك ورفاقه بأن توصيات هيئة المسائلة والعدالة أملتْها جهة أجنبية وأن قرار الإستبعاد إتُخذ في بيت السفير الإيراني وأن الأمر قد يثير حربا أهلية، ثم تحذيره الهيئة التمييزية بتأريخ 10/2/2010 من أنها قد تتسبب بسقوط ضحايا أبرياء على أيدي مسلحين (4). هذا إلى جانب طروحات ومواقف أخرى من قبيل: - وجوب تصحيح مسار الحكومة العراقية لكي يتوقف الإرهاب (الذي يسمونه "القتل")، - إعلان بعض نواب "إئتلاف العراقية" دعمَهم للمقترح الذي قدمه السيد بول بريمر، الحاكم المدني السابق في العراق، للرئيس أوباما بتأريخ 22/1/2010 الذي إقترح فيه تأجيل إنسحاب القوات الأمريكية من العراق (أوردت فضائية "الحرة" إسم النائب السيد عدنان الدنبوس كمؤيد لهذا الطلب)، - "مثلما عقدتْ الحكومة إتفاقية مع أمريكا وقبلت إلتزامات العراق حيال الفصل السابع وقبول العمل مع الأمم المتحدة، فلي الحق أيضا بطلب التدخل الأجنبي!!" (قول للسيد أياد علاوي في فضائية "الحرة" بتأريخ 24/1/2010 ردا على سؤالها له: لماذا تطلب تدخل الدول الأجنبية في الشئون الداخلية للعراق؟ )، - العراق مازال تحت الوصاية الدولية بموجب الفصل السابع فعلى الأمم المتحدة التدخل في قضية المستبعدين، - على الحكومة الأمريكية التدخل في مسألة المستبعدين إستنادا إلى الإتفاقية الثنائية التي تنص على حماية الديمقراطية!! - إطلاق عبارات إستحسان لتصريحات الجنرال (بتريوس) قائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط التي هاجم فيها "هيئة المسائلة والعدالة" وإتهمها بالتبعية لإيران، - "أصبح الإنسان معرضا للإجتثاث من قبل "هيئة المسائلة والعدالة"، حتى إذا أطلق نكتة" (قول للسيد عبد الإله كاظم في فضائية "الحرة")، - "السلوكية الطائفية لم تتغير والآن الإستهداف السياسي" (السيد أياد علاوي لفضائية الحرة)، - محاولة تحقير السيادة العراقية بشتى الكلام والإتهامات، - محاولة التأليب وتأزيم علاقات العراق مع دول الجوار ودول العالم وخاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية (تصريحات عديدة ومنها تصريح السيدة ميسون الدملوجي في فضائية "الحرة" بتأريخ 7/2/2010)، - "الحكومة إنقلبت على الصحوات والتيار الصدري" (أياد علاوي) - تصوير الحكومة العراقية وكأنها هي الملامة في سوء العلاقات مع النظم العربية وخاصة المجاورة، (تصريحات السيدين أياد علاوي وطارق الهاشمي). - دمْغ الحكومة العراقية بالسوء في كل الأحوال. فقد إتهموا الحكومة بالعجز والعمالة لإعتداء إيران على البئر رقم (4) في حقل فكة النفطي (تصريحات النواب صالح المطلك وظافر العاني وحسن ديكان) . ولما تبيّن إنتصار الدبلوماسية العراقية في إسترداد البئر المذكور، خرج علينا السيد نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي بمفاجئة، في فضائية "الحرة" بتأريخ 8/2/2010، تبيّن منها أن الحكومة العراقية هي "المعتدية" على إيران لأنها لم تصرف مبلغ (400) ألف دولار كي تباشر اللجنة الفنية المشتركة أعمالها لترسيم الحدود ما تسبب في التحرك الإيراني!!. - الدعوة إلى تأجيل الإنتخابات النيابية، (دعا إلى ذلك الدكتور ظافر العاني قبل ايام). - وغير ذلك وعلى شاكلته مئات من التصريحات. لكن تصريحا معينا للدكتور أياد علاوي أثار لدي أشد الإ ستغراب أطلقه وهو في كردستان العراق بتأريخ 19/1/2010. قال الدكتور أياد "الجو السياسي غير سليم فهناك المداهمات وهناك الإقصاء". السؤال الأول: ما الذي دعا السيد أياد إلى هذا التبرم من "المداهمات" في الوقت الذي دأب فيه على نقد الحكومة على إخفاقها في القضاء على الإرهابيين الذين يسميهم بالمسلحين؛ حتى أن شريكه السيد طارق الهاشمي قال ل"الحرة" بتأريخ 8/1/2010 "التحدي الأمني أكبر من طاقاتنا"؟ السؤال الثاني: لماذا أعطى السيد أياد "المداهمات" الأولوية على "الإقصاء" أي قضية الإستبعاد في حين كانت هذه القضية ملتهبة وحديث الساعة، بينما لم تكن "المداهمات" موضع تداول بل موضع إستحسان ومنتظرة من قبل الجماهير منذ مدة وهي تجرى بموجب مذكرات توقيف قضائية؟ ظننت أن السيد أياد قد أغاضته نجاحات الأجهزة الأمنية والعسكرية في محاربة الإرهاب نتيجة إتباع ستراتيجية "الضربات الإستباقية" من جهة، وتطبيق إجراء تطوير العلاقة بين المواطن والأجهزة الأمنية عبر عملية "التواصل الإستخباراتي" وذلك بمنح الحوافز المادية لقاء تقديم معلومات أمنية مفيدة، من جهة أخرى. كما ظننت أن دفع قضية "الإقصاء" أي الإستبعاد إلى المقام الثاني جاء على خلفية قصص الكيد التي تناولتها إحدى الصحف الأمريكية التي ذكرت أن السيد صالح المطلك إتهم بعض حلفاءه في "إئتلاف العراقية" والحزب الإسلامي بإبلاغ هيئة المسائلة والعدالة عنه. غير أن الأمر كان أبعد من ذلك كما سآتي عليه لاحقا. - الإستمرار في إنتهاج تكتيك "الإنفراد بالخصم" أي محاولة تحييد التحالف الكردستاني عند مهاجمة أطراف الإئتلاف العراقي الموحد ومن ثم مهاجمة التحالف الكردستاني بعد تقويض الإئتلاف (5).
السؤال: ما هذا؟ هل نحن في غابة؟ هل هناك من رابط بين هذه التصريحات والأفعال؟ كيف نكون في غابة وتنقل فضائية "الحرة"، بتأريخ 3/2/2010، عن صحيفة "الغارديان" البريطانية ، وهي صحيفة ليبرالية بريطانية عريقة مستقلة ومحترمة، بأن الديمقراطية والحريات في العراق هي أفضل ما في المنطقة العربية؟ الحقيقة كان الجواب صعبا حتى بعد سماعي قول رئيس الوزراء السيد نوري المالكي لفضائية "العراقية"، في مقابلة أعيد بثها بتأريخ 22/1/2010، إذ قال: "مشكلتنا أن هناك من هو غير مؤمن بالعملية السياسية".
أخيرا جاء الجواب جليا في مقابلة أجرتها فضائية "الحرة"، بتأريخ 8/2/2010، مع السيد طارق الهاشمي، نائب رئيس جمهورية العراق، في أمريكا أثناء زيارته الأخيرة للولايات المتحدة الأمريكية التي إلتقى فيها بالرئيس باراك أوباما ونائبه السيد جو بايدن ووزيرة الخارجية السيدة هيلاري كلنتون. لقد طرح السيد الهاشمي أمورا في غاية الخطورة. فهمت منه ما يلي من مواقف وأفكار (بعد تجريدها من التزويقات التكتيكية التي يستخدمها عادة السياسيون لتبرير أو تسويق ما يريدون ترويجه) وسأضع ملاحظاتي جنبها عند الضرورة:
- إن السيد الهاشمي طلب تأجيل إنسحاب القوات الأمريكية من العراق التي حددت إتفاقية الإطار موعد نهاية سنة 2011 كآخر موعد للإنسحاب، وذلك بحجة عدم جهوزية قواتنا العسكرية " إن التحدي الأمني أكبر من طاقاتنا(6). وعلينا ألا نكون مندفعين بالحماس والمبالغة وشعبنا يذبح" على حد قوله بالمعنى وقد لا يكون بالكلمات. - برر السيد الهاشمي تدخل الأمريكيين في الشأن الداخلي العراقي. طرح الموضوع من منطلق أنه ينقل الموقف الأمريكي وحسب دون أن يروّج له. "نقل" الموقف بالصيغة التي مفادها كالتالي: للأمريكيين إلتزامات عسكرية عالمية كما في أفغانستان، لذا فإن أي خلل يصيب جدولة إنسحاب القوات الأمريكية من العراق سيربك المخططات الأمريكية العالمية؛ وإن إجراءات الإستبعاد في العراق ستؤثر على الوضع الأمني فيه وبالتالي قد تتسبب في إرباك موعد الإنسحاب والإلتزامات المخططة. جاء هذا بعد زيارة السيد جو بايدن لبغداد وإطّلاعه على وثائق الإدانة، بالنسبة للمبعدين، وإقتناعه والسفير هيل بكون الموضوع شأنا داخليا عراقيا. وقد قال الدكتور أحمد الجلبي بأن السيد بايدن جاء بقناعة معينة وخرج بقناعة أخرى بعد إطلاعه على حقائق الأمور. كل هذا يشير إلى أن الدكتور الهاشمي كان يدفع الإدارة الأمريكية للتدخل لصالح المروّجين لحزب البعث المحظور بموجب المادة السابعة من الدستور. - الوضع العراقي بني على أسس خاطئة يجب تصحيحها. - الإنتخابات القادمة ستكون طائفية كما السابقة تقريبا وستبقى المحاصصة بقدر ما أيضا.
- "لدينا إضطراب واضح وملفت للنظر بيننا وبين دول الجوار بل ودول العالم. العلاقات الخارجية مضطربة وليست لدينا ستراتيجية واضحة لذلك تعرضت سياساتنا للإضطراب". هذا ما قاله السيد الهاشمي تقريبا بشأن السياسة الخارجية. واضح من كلامه أن الطرف المذنب هو الحكومة العراقية، بدليل أنه قد تسوء علاقتك مع دولة أو دولتين بسببهما، ولكن كيف تفسر سوء العلاقة مع جميع دول العالم تقريبا؟ إذن، العيب فيك أنت أيتها الحكومة العراقية!، فلو لم تكوني سيئة لما فلت المسلحون من بين أيدي السعوديين والسوريين!!. (ولولا ضيق وقت فضائية "الحرة" ولولا التنافس الداخلي اللعين على كسب ود الجيران بإسم "إئتلاف العراقية" لواصل السيد الهاشمي حديثه مستشهدا بالرفيق أياد علاوي الذي قال "للحرة" بتأريخ 24/1/2010 ما يلي: إن القول بأن السعودية وسوريا غير راضيتين عن مسيرة العراق بعد 2003 هو كلام أوهام . إن سوريا والسعودية إحتضنتا العراقيين من كل الأطياف فلماذا تريدان الآن معارضة الديمقراطية؟ هذا، بالطبع، كلام في غاية البراءة والطهارة والصدق!!!.)
- العراق لم يخرج من "الوضع الطائفي الذي كنا فيه حيث الجثث المجهولة والتهجير" و "إئتلافنا العراقي غير طائفي" على حد قوله. (هذا كلام مُشفّر يعني ما يلي: الشيعة طائفيون وقد قتلوا السنة وهجّروهم!).
لدى مراجعة هذه التصريحات والمواقف والأفعال والنشاطات والإتصالات خاصة خارج القطر لأقطاب "إئتلاف العراقية"، وضحَ خيطٌ رابطٌ بينها جميعا. يمر هذا الخيط بمحطتين:
المحطة الأولى وتمثّل الهدف الستراتيجي: يتلخص هذا بالتعاون والتنسيق مع الدول العربية الرافضة للعراق الجديد، من أجل ترويج طلب لدى الأمريكيين والأمم المتحدة ودول العالم لرفض مبدأ الإحتكام لصناديق الإقتراع وتسليم مقاليد السلطة بأيدي "إئتلاف العراقية" من منطلق أنها الوحيدة غير الطائفية؛ وأن الأغلبية التي أنتجت بالإقتراع حكومة طائفية لابد وأن تكون أغلبية غير ناضجة لا ينبغي تسليمها السلطة إلى حين بلوغ سن الرشد.
المحطة الثانية: وتمثل الخطة التعبوية (التكتيكية) التي تشمل القيام بنشاطات (من قبل عناصر "إئتلاف العراقية" منفردين أو سوية مع السعودية والإردن أو تركها للسعودية والأردن في المجال السياسي أو لسوريا والسعودية في المجال الإرهابي) على شتى الصعد وفي جميع الإتجاهات وبجميع الوسائل خارج وداخل العراق شرعية كانت أو غير شرعية لدعم الهدف الستراتيجي مستخدمين الأفعال والطروحات التالية: - التعاون "لأقصى" حدٍ مع السعودية وسوريا والأردن سياسيا و"عملياتيا"، - إن العراق بلدٌ ناقصُ السيادة، - إن العراق لم يصل حالة الإستقرار وإن حكومته لم تبسط سلطتها على البلاد، - إن العراق مهدد بحرب أهلية في أية لحظة، - إن العراق غير مقبول في محيطه الإقليمي والعالمي بسبب إفتقاده لسياسة خارجية ناضجة تبعث على الإطمئنان وتزيل القلق، - عليه فإن العراق لم يبلغ مرحلة التحرر من الفصل السابع، - وجوب تصحيح الأساس الذي بني عليه العراق الجديد وتصحيح سياسة الحكومة، - الطلب من الأمريكيين تأجيل إنسحاب قواتهم من العراق في الموعد المحدد في إتفاقية الإطار، وذلك لتحقيق الأهداف التالية: 1. للتدليل على الإدعاء أن العراق مازال محتلا رغم تمتعه بالسيادة الشكلية، 2. توفير فرصة أطول لبقاء القوات الأمريكية في العراق لكي تواصل عملها الرامي إلى فك التحالف بين الإئتلاف العراقي الموحد والتحالف الكردستاني ومن ثم تشتيت جماهير وقواعد الجهتين كي ينفسح المجال أمام "إئتلاف العراقية" لإستلام السلطة بصيغة أو أخرى، 3. فسح مجال أطول للماطلة في تسليح وتدريب القوات المسلحة العراقية والأمنية الجديدة وخلق الذرائع لعودة ضباط طغمويين ممن يشملهم قانون المسائلة والعدالة إلى الخدمة بذريعة ضغط الحاجة والمصالحة، 4. الإيحاء للجماهير العربية بأن العراق مازال محتلا ما يساعد حكوماتها على المضي في أعمالها ومواقفها العدائية من أية حكومة منتخبة في العراق كما تجعل الجماهير سهلي التورط والإنخراط في أعمال إرهابية داخل العراق ، 5. حرمان الحكومة العراقية من التمتع بثمرة الإتفاقية المتكافئة مع الولايات المتحدة وسحب القوات من العراق. - إن الأخذ بمبدأ الإنتخابات وفق قاعدة "لكل مواطن بالغ صوت" قد أنتج حكومة تميّزت بالسمات التالية: 1. طائفية ترفض المصالحة ولابد لها أن تعتمد مبدأ المحاصصة، 2. غير قادرة على حماية الشعب من "المسلحين"، 3. يُحتمل جدا أن تجعل من العراق تابعا لإيران وبالتالي ستكون بيد إيران نسبة عالية من إحتياطي البترول العالمي ما يهدد المصالح الإقتصادية الغربية ، وتعزز من قدرات إيران الإقتصادية التي ستسهم، بدورها، في رفع مستوى تسلحها النووي والصاروخي الذي سيؤثر على إستقرار السعودية ودول الخليج ويهدد منابع البترول فيها ؛ ويرفع مستوى تهديدها الأمني لأوربا وإسرائيل. 4. غير قادرة على التعايش بسلام مع جيرانها والمنطقة والعالم أجمع، 5. ستسبب للعراقيين مزيدا من الضغوط والمعاناة بسبب عدم إنصياعها لمقثضيات البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة ما سيطيل في أمد خضوع العراق إليه، 6. إنتهاك حقوق الإنسان كالقيام ب "المداهمات" و "الضربات الإستباقية"،
خلاصة: يريدون أن يبعثوا بالرسالة (الستراتيجية – التكتيكية) التالية للأمريكيين والعالم عموما: إن الوضع لم يحسم في العراق ومازال العراق تحت الإحتلال؛ وأعطى الأمريكيون، تحت حمايتهم ومساعدتهم وإرشادهم، فرصة كافية للعراقيين ليمارسوا الديمقراطية وفق مبدأ "صوت لكل مصوّت" إلا أن عدم نضوج أبناء شعبنا العزيز للأسف أنتج حكومة متهورة وطائفية تعتمد المحاصصة وترفض المصالحة، فأصبحت في تنافر مع الشعب ما أدى إلى العنف الذي لم تستطع الحكومة حماية الناس منه وهي تتستر على جزء هام منه؛ ولم تتحرك عجلة الإقتصاد وشاعت البطالة والفساد الذي يوازي الإرهاب في دماره. كما أن غياب الوضوح في سياسة الحكومة الخارجية، بسبب خضوعها للتأثير الإيراني، أثار ريبة وقلق دول المنطقة والعالم ما أدخل العلاقات في برود وتوتر الأمرالذي أطال وسيطيل من أمد عقوبات الأمم المتحدة بموجب الفصل السابع من ميثاقها وما تبعه ويتبعه من أثر سلبي على الحياة المعيشية لأبناء شعبنا الذين عانوا الأمرّين من سياسات الحكومات المتعاقبة. إن شعبنا على يقين أن ديمومة العراق الجديد على الأساس الذي بني عليه سيلحق مزيدا من الأذى به ومزيدا من عدم الإستقرار للمنطقة. وإن شعبنا يتوقع من المجتمع الدولي مساعدته على الخلاص من التركيبة التي بني عليها الوضع العراقي ولابد من تصحيحها بالإعتماد على الأحزاب والحركات الديمقراطية، وعلى رأسها "إئتلاف العراقية" التي تعتمد المواطنة ونبذ الطائفية والعنصرية منطلقا منهجيا في عملها لإعادة بناء العراق وتطويره وصولا إلى نظام ديمقراطي برلماني مسالم في أقرب فرصة.
هذه، إذًًن، ستراتيجية "إئتلاف العراقية" التي تفسّر أفعالها وطروحاتها. إنها تدفع بأوضاع العراق دفعا بهذا الإتجاه، بمعية حلفائها الإقليميين والداخليين، عسى أن توصل العراق وأهله إلى حال يتطابق مع الصورة الإفتراضية التي رسموها في مخيّلاتهم. للعلم فأن هذه ليست المحاولة الأولى في هذا الإتجاه من جانب زعماء الإئتلاف كل على إنفراد(7).
بقي أن نسأل: لماذا هذا الموقف؟ أنا أعتقد أن المصالح الطبقية هي الجذر المحرك لكل ما يظهر لنا على السطح. الأحزاب الديمقراطية عموما، دينية وعلمانية، ومن كافة الإتجاهات، هي أقرب إلى الفقراء والمعدمين من أحزاب وجماعات "إئتلاف العراقية" و "جبهة التوافق"، رغم أن الفقراء مازالوا ينتظرون ما يسعف حالهم البائس الذي عم الجميع بدرجات متفاوتة بسبب السياسة الرعناء للنظام البعثي الطغموي الذي سقط منذ سبع سنوات. على هذه الخلفية بدأت المصالح والطموحات والأفكار والمعتقدات الشخصية تلعب دورها وتدفع بأصحابها إلى إتخاذ المواقع المناسبة لهم، في كلا الطرفين. بالنسبة لزعماء "إئتلاف العراقية"، أعتقد أن موقفهم المناوئ للديمقراطية ينبع من رفضهم للآخر وعدم الإعتراف بسواسية المواطنين العراقيين بذرائع لا تمت للتحضر والمعاصرة بصلة. أخيرا، فإن العراق ليس بغابة، بل أن هناك من يريد أن يصوّره للعالم كغابة لغاية في نفس يعقوب نعرفها جميعا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1): الطغمويون والنظم الطغموية: هم أتباع الطغم التي حكمت العراق وبدأت مفروضة من قبل الإحتلال البريطاني في عشرينات القرن الماضي، ومرت النظم الطغموية بمراحل ثلاث هي: الملكية والقومية والبعثية. والطغمويون لا يمثلون أيا من مكونات الشعب العراقي القومية والدينية والمذهبية بل هم لملوم من الجميع ، رغم إدعائهم بغير ذلك لتشريف أنفسهم بالطائفة السنية وللإيحاء بوسع قاعدتهم الشعبية. مارست النظم الطغموية الطائفية والعنصرية والدكتاتورية والديماغوجية كوسائل لسلب السلطة من الشعب وإحكام القبضة عليها وعليه. والطغمويون هم الذين أثاروا الطائفية العلنية، بعد أن كانت مبرقعة، ومار سوا الإرهاب بعد سقوط النظام البعثي الطغموي في 2003 وإستفاد الإحتلال من كلا الأمرين. كان ومازال الطغمويون يتناحرون فيما بينهم غير أنهم موحدون قي مواجهة الشعب والمسألة الديمقراطية؛ كما إنهم تحالفوا مع التكفيريين من أتباع القاعدة والوهابيين لقتل الشعب العراقي بهدف إستعادة السلطة المفقودة.
(2): بعضهم يقول إلى الأبد وأنا أقول مؤقتا؛ بل إن التنافس حاصل فعلا وبهدوء على يد الصين الإشتراكية.
(3): أعلن وزير التخطيط السيد على بابان يوم 7/2/2010 بأن الخطة الخمسية على وشك الإنجاز.
(4): هذا تهديد مباشر للقضاء إذا لن يذعن لإرادة الدكتور صالح المطلك. يبرر هذا التصريح تصريح النائب السيد عزت الشابندر الذي قال فيه ما مفاده " إنّ الذين ينوّهون بالعنف والعمل الإرهابي دفاعا عن المستبعدين هم في واقع الحال يضرّون بهم لأنهم ُيظهرون أن هناك ربطٌ بينهم وبين الإرهاب".
(5): سياسة "الإنفراد بالخصم" هي سياسة تميّزَ بها رأس النظام البعثي الطغموي صدام. غير أنّ الإرباك الذي أصاب الطغمويين، بعد سقوط النظام والأخذ بمبدأ الإحتكام لصناديق الإقتراع، جعلهم يتخبطون ويهاجمون الإئتلاف العراقي الموحد والتحالف الكردستاني وكل أطراف الجانب الديمقراطي سويةً، حتى تبدُلِِ السياسة الأمريكية وتعيين السيد زلماي خليل زاد سفيرا للولايات المتحدة في العراق. أعتقد أنه هو الذي أشار على الطغمويين بتكتيك "الإنفراد بالخصم" لفك عرى التضامن بين الإئتلاف والتحالف بدءً بالإئتلاف ومن ثم التوجه نحو التحالف. (لا أعتقد أنهم سيحرزون نجاحا أبعد مما أحرزوه لحد الآن لأن هذا التكتيك نابع من إرادة وآمال ذاتية لا تقوى على الوقوف بوجه الحاجة الموضوعية للتضامن وللحفاظ على الديمقراطية التي تكفل أمن وسلامة الديمقراطيين العراقيين من كافة الإتجاهات من الإبادة التي جرت ضدهم منذ السقوط وتجري الآن وهم موعودون بالمزيد منها.)
(6): من الجدير بالذكر أن فضائية "الحرة" نقلت عن النائب الدكتور مثال الآلوسي، بتأريخ 14/2/2010، إتهامه للدكتور طارق الهاشمي ب "دعم الإرهاب" على خلفية مساعدته وزير الثقافة السابق أسعد الهاشمي على الهرب خارج العراق وهو متهم بالتورط في إغتيال نجلي النائب الآلوسي. وأكد الآلوسي عزمه على رفع دعوى قضائية ضد السيد الهاشمي.
(7): (7.1): سبق للسيد أياد علاوي أن عرض، عام 2007، خطة بإسم "الرؤيا الجديدة" على وزيرة الخارجية الأمريكية الدكتورة كونداليزا رايس وحظيت بترحيبها، وذلك عند إجتماعه بها في بغداد. والخطة كما صرح بها النائب عن "القائمة العراقية" السيد أسامة النجيفي ونقلتها (د.ب.أ.) ونشرتها صحيفة "صوت العراق" الإلكترونية بتاريخ 6/3/2007، تتمثل بما يلي: "إعادة النظر في العملية السياسية بالكامل وتغيير طريقة إدارة الدولة العراقية وتجميد الدستور وحل البرلمان".
(7.2): أما الدكتور طارق الهاشمي فقد عرض، بدوره، على الرئيس جورج بوش الإبن خطة عندما كان على رأس الحزب الإسلامي ونائبا لرئيس الجمهورية. فقد نشرت الصحيفة الإسبانية البيسو إستنادا إلى مصادرها في واشنطن، وأعادت صحيفة "صوت العراق" الإلكترونية نشر التقرير بتأريخ 27/1/2007 بالصيغة التالية، علما أنه قد نصّب نفسه، على غير وجه حق، متحدثا بإسم السنّة العرب: "إن الرئيس الأمريكي جورج بوش قال للدكتور طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية العراقي خلال زيارته الاخيرة لواشنطن ان زمن الاستئثار بالسلطة من قبل أقلية عشائرية حاكمة قد ولى ولن يعود، وان على السنة ان ينسوا صدام ونظامه. جاء ذلك في رد على اقتراح الهاشمي بتسليم المواقع الحساسة في السلطة العراقية الحالية للسنة لمواجهة الخطر المشترك الذي يعتقده الهاشمي انه يواجه امريكا والسنة. وقالت الصحيفة ان الهاشمي علل طلبه هذا بأنه يحقق المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، وعزز رأيه بأن جميع الانظمة السنية العربية في المنطقة راعية للمصالح الحيوية لاميركا في الخليج والشرق الاوسط، بينما تهدد ايران سلامة الملاحة في خليج هرمز، وتمارس دورا معاديا لامريكا في العراق، وتعرقل عملية السلام في الشرق الاوسط عن طريق دعمها لحماس وحزب الله، في الوقت الذي يلعب السنة دورا ايجابيا في تأمين تدفق النفط وحل النزاع العربي الاسرائيلي بالطرق السلمية.
لكن الرئيس الامريكي وحسب ما تذكره الصحيفة إعترض على هذا الراي وقال بأن مرحلة صدام انتهت ولا يمكن العودة اليها، وأن استراتيجية اميركا الجديدة في إبعاد شيعة العراق عن ايران هي في اعطاء الشيعة في الحكومة والبرلمان دورا مناسبا لحجمهم الحقيقي لكي يضمنوا حقوقهم في ظل المشاركة بالسلطة لا بالتحالف مع دولة أجنبية. وتضيف الصحيفة ان هذا اللقاء أشاع اليأس في اوساط سياسيي السنة الذين كانوا يؤملون ان تلتفت الولايات المتحدة الى الاخطار التي تهدد مصالحها".