في عيد المرأة العالمي، أود، أولا، تحية المرأة العراقية في زخم مشاركتها الانتخابية. إنها تجربة مهمة، بصرف النظر عن الجهات التي صوتت لها النساء، وبأية دوافع- أملا أن تستطيع المرأة العراقية، مع جميع المدافعين الصادقين عن حقوقها، دحر التيارات الظلامية التي انتزعت منها حقوقا كبرى كانت قد اكتسبتها منذ الأربعينات، وخصوصا ما حل بقانون الأحوال الشخصية المدني لعام 1959 من استبداله بأحوال الشريعة. إن ممارسة حق الاقتراع والانتخاب للبرلمان هو مكسب كبير حقا، ولكنه يبقى مطوقا بكل ممارسات التخلف والجبر وأحكام الشريعة التي جلبتها هيمنة الأحزاب الدينية.
ما بين مظاهرات النساء في نيويورك عام 1857 ضد الظروف غير الإنسانية- وهي مظاهرات قمعت بحشية- ثم مظاهراتهن مجددا عام 1908 تحت شعار [ خبز وورود]، استطاعت المرأة الأميركية انتزاع حقوق كبرى، وتبعتها المرأة الأوروبية. ثم اختير يوم 8 مارس عيدا تخليدا لتلك المظاهرات التاريخية. وعلى النطاق الدولي، لم يتم اعتماد العيد دوليا إلا في 1977 بقرار من الأمم المتحدة.
حققت النساء في الغرب خاصة، وفي أنحاء متزايدة أخرى من العالم، مكاسب كبرى، وبرهنت على جدارتها بكل المناصب، وقفزت منهن نساء لرئاسة دول وحكومات ولمناصب وزيرات وظهرت عالمات كبيرات وأديبات شهيرات. وكانت مصر في مقدمة الدول العربية في هذا الميدان منذ العشرينات- في عهد قاسم أمين وهدى شعراوي. وكان التطور في العراق أبطأ، ولكن الأمور تحركت مع الأربعينات. وكما كتبت مرارا، فلم أشاهد في كليات منتصف الأربعينات طالبة واحدة محجبة، وكانت نسبة طالبات الكليات تتزايد، وبرزت الطبيبات والمهندسات والشاعرات والخبيرات الفنيات، ألخ. وكانت القفزة في عهد الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم، حيث نرى أول وزيرة في تاريخ المنطقة العربية كلها، وقانونا مدنيا جريئا للأحوال الشخصية أثار ردة همجية من مراجع وعلماء الدين المتخلفين، الذين نادوا بالويل والثبور، واتهموا الزعيم بالكفر والخروج على الدين، وتظافروا مع المتآمرين البعثيين والناصريين والقوى الخارجية المتآمرة. ونعرف ما حدث. وفي تونس استطاع بورقيبة سن دستور في غاية الجرأة برغم اعتراض المتزمتين الذكوريين.
مع كل الأحداث العراقية، ومجي عهد البعث الثاني، فإن نظام صدام لم يجرؤ على إلغاء قانون الأحوال الشخصية لعام 1959، وإن راحت أحوال المرأة تتدهور مع الحروب المتتالية، داخليا وخارجا، ثم تلك "الحملة الإيمانية" الظلامية في العقد الأخير من عمر ذلك النظام الدموي.
واليوم؟ تراجع نصيب المرأة على نطاق العالمين العربي والإسلامي تحت ضربات التيارات الأصولية المتشددة وأحزاب الإسلام السياسي. ومصر، التي كانت الرائدة، تحولت، هذه المرة، إلى "رائدة" في الردة على حقوق المرأة وكرامتها جراء هيمنة الفكر والممارسات الإخوانية على نطاق المجتمع والتعليم والمؤسسات المدنية وداخل البرلمان وبعض مؤسسات الدولة.
أما وضع المرأة العراقية، فلا داعي للعودة لسرد التفاصيل: كإلغاء قانون الأحوال المدنية؛ وفرض الحجاب حتى على المسيحيات؛ وشيوع ختان المرأة، وعلى الأخص في كردستان العراق التي كانت مثالا لتحرر المرأة؛ وانجراف الكثيرات من المشتغلات بالثقافة والسياسة وراء الأحزاب الدينية، المعادية أصلا لمساواة المرأة، والتي كانت هي التي فرضت دستورنا المشوه القائم على أحكام الشريعة.
أمام المرأة العراقية وأحرار العراق، من ساسة ومثقفين، وبكافة اتجاهاتهم السياسية والحزبية والفكرية، واجبات صعبة في العمل الطويل والصعب من أجل تحسين أوضاع المرأة العراقية وحل مشاكلهن، وخصوصا الأرامل ومشاكل الأطفال، ووقف الحملة على المسيحيين والمسيحيات. وهذه مشاكل مرتبطة تماما بالمشكلة العراقية الأكبر: أي السعي بثبات، ورغم كبريات العقبات الناجمة عن هيمنة الأحزاب الدينية، من أجل يناء دولة حقوق الإنسان العلمانية المدنية: دولة التسامح، وأمن المواطنين، وسيادة القانون على الجميع، وحرية المعتقد والرأي، والمساواة التامة بين الجنسين وبين العراقيين - على اختلاف الدين والمذهب والقومية
تحيات حب وإكبار للمرأة العراقية: أما، وجدة، وزوجة، وابنة، وشقيقة، وحفيدة، وصديقة، وحبيبة.. تحيات الحب للمرأة : عجوزا أو شابة أو طفلة.
يقول شكسبير:
" المرأة كوكب يستنير به الرجل، ومن غيرها يبيت الرجل في الظلام."
إن المرأة رمز للحب والحنان، وهي أثمن ما في الوجود. وما أروع قول الشاعر الهندي العظيم طاغور، حين قال:
" كلمة واحدة تبقى لي حين أموت: إنني أحببت!"
والحب لا ينقسم، برغم تعدد أشكاله وألوانه، فأين منه من تغمرهم مشاعر الكراهية ومقت الآخر، ممن تعيش عقولهم في ظلام الكهوف، من خفافيش الظلام، معممين كانوا أو غير معممين ؟! وهؤلاء هم، هم، أعداء المرأة، وهم أعداء الحضارة والبشرية.