عاصرتُ في هذه الفترة الزمنية خمسةَ مدراء لناحية المحاويل يوم أنْ كانت ما زالت ناحيةً تابعة لمركز الحلة / لواء الحلة .
أولاً : السيد توفيق فكرت
كان أولُ هؤلاء المدراء رجلٌ من أهالي السليمانية إسمه ( توفيق فكرت ) خدم في المحاويل للعام 1940 / 1941 على ما أحسب . أتذكر جيداً أنْ كانت للرجل سيارة خاصة رصاصية اللون إبتنى لها مرأباً ( كراج ) بجوار داره المطلّة تماماً ومباشرةً على نهر المحاويل وكانت داراً حكومية يسكنها مدراء الناحية مجاناً يتداولونها واحداً إثرَ الأخر . الدار كبيرة جيدة البناء فيها قاعة واسعة تحيطُ بها أربع حجرات وهذا الجزء من هذه الدار مُغلق السقف ينفتح على الفضاء الخارجي خلال بابين الأول يقابل النهر مُدخلاً رئيساً للبيت ، أما الباب الثاني فإنه ينفتحُ من خلف الجزء المسقوف على فناء مكشوف كبير ويقابل الباب الأول تماماً. أتذكر جيداً سيارة هذا المدير كما أتذكر بشكل أفضل سائق سيارته ذا السدارة التي لا تفارق رأسه لأنه هو من رمى بنفسه في النهر بكامل ملابسه لينتشلني من الغرق إذْ رآني أغطسُ وأغوصُ ولا أستطيعُ الخروج . كان لهذا المدير ولدٌ واحدٌ تهيأ لي في حينه أنه أكبر مني عمراً كان يخرج من دارهم أحيانا بملابس النوم ( بيجاما ) . دارت الأيام وكرّت السنين لألتقي بإبن مدير الناحية هذا في مدينة السليمانية رئيساً لجامعتها في العام الدراسي 1973 ـ 1974 الدكتور حكمت توفيق فكرت وكنتُ قد طلبتُ تنسيبي لعامين للتدريس في قسم الكيمياء في كلية علوم هذه الجامعة ووافقت على ذلك رئاسةُ جامعة بغداد . لا أتذكر شيئاً آخرَ ذا بال فيما يخصُّ هذا الرجل بسبب قصر الفترة التي قضّاها مديراً لناحية المحاويل.
ثانياً : السيد حسن علّو
هذا الرجل من أهالي لواء ( محافظة ) ديالى وربما من أهالي بعقوبة أو ديلتاوة أو شهربان أو هبهب . جاء المحاويلَ على الأغلب في عام 1944 وتزوج فيها من سيدة قيل عنها يومذاك إنها شقيقة القنصل العراقي في مدينة المحمرة الإيرانية وإسمها لميعة . كنتُ طفلاً صغيراً أنتظر أمام باب دار المدير مع المنتظرين وصول العروس إلى بيت زوجها وما أنْ وصلت سيارتها حتى نحرَ ( منعم النجم ) خروفاً تحت أقدامها وطلب منها أنْ تطأ رقبته بقدمها لكنها لم تمتثل فعبرت جثة الضحية المُمدّدة والمضرجة بالدماء ولعلها أشفقت فرفضت الفكرة . كان السيد حسن علّو يرتدي بعد الدوام في فصل الشتاء عباءةً ثخينةً لونها بنيٌّ غامق ونظارة طبية لا تفارق عينيه مع سدارة بلون عباءته. كنتُ مع والدتي أزور بيتهم وكنا نقضي معظم الوقت مع والدته في حجرة خاصة بها . أتذكرها جيداً : سيدة بيضاء البشرة كريمة الخلق والنفس وضعت ذات يومٍ أمامي صحناُ من ( مدكوكة ) التمر الأشرسي وهو من التمور الجيدة التي تُترك في عذوقها على نخلاتها حتى تجفَّ وتؤكلُ شتاءً مع لب الجوز أكلةً لذيدة غنية بالسعرات الحرارية . أكلتُ وشبعتُ ووددتُ لو أستطيع حمل الباقي معي إلى بيتنا لكنَّ المرحومة والدتي لم تأذنْ لي فلعنتها في سرّي !
ثالثاً : السيد مهدي هاشم الكاظمي ( أبو هيفاء )
جاء السيد مهدي مديراً لناحية المحاويل بعد حسن علّو وشغل ذات الدار لأنها تعود لمديرية الناحية . جاء الرجلُ متزوجاً وله إبنة إسمها هيفاء وهو أصلاً من الكاظمية . كسابقيه ، إمتاز السيد مهدي بالنزاهة والإستقامة ونظافة اليد في وقت كانت الرشوة أمراً عادياً في دوائر حكومات العهد الملكي . في شهور الصيف تزهو المحاويل إذْ يأتيها من الكاظمية العديد من أقارب أبي هيفاء نساءً وأطفالاً فكانت حصتي منهم إبن شقيقته الذي يحمل إسمي [ عدنان ] . غدا فيما بعد طبيباً رأيته ذات مساء من عام 1977 في نادي نقابة الكيميائيين العراقيين بمعية صهره رئيس النقابة غازي إبراهيم أيوب الذي أعدمه صدام حسين مع مجموعة محمد عايش في تموز 1979 . نسي معرفتي به وصداقتنا المبكرة لكنه كان يتذكر بعض إخوتي ولا سيّما الكبير عبد الجبار الذي كان ضابطاً في الجيش العراقي وقضّى عمره فيه حتى بلوغه سن التقاعد عام 1970 . في لقائنا هذا سألت الطبيب عدنان عن إبنة خاله هيفاء قال إنها صيدلانية .
في زمن أبي هيفاء نظّمت المدرسة حفلاً ليلياً مشهوداً لم يسبقه مثيلٌ في تأريخ المحاويل وكان مدير الناحية بين الحضور . تضمّن الحفل فعاليات منوّعة شتى إبتدأ بنشيد أدّاه بعض الطلاب أشرف عليه ودرّب فريق المنشدين معلم بغدادي إسمه " فتح الله الشيخ " . ثم غنّى طفلٌ حضر الحفل مع ذويه وهم في طريقهم بسيارتهم الخاصة من كربلاء إلى بغداد . غنى فأجاد أغنية فريد الأطرش [ يا داخلي أرضنا إتمهلوا شوية ] فأثار أعجاب الجميع حتى أني دنوت منه بعد أنْ أنهى أداء الأغنية طالباً منه أنْ يكتب لي كلمات الأغنية فامتثل مشكوراً وكنا في سن واحدة تقريباً . كما تمَّ عرض تمثيلية جرى الإعداد لها طويلاً مثّل فيها معلم الرياضة والرسم السيد لطفي سلمان [ وهو أخٌ غير شقيق لمدير المدرسة السيد أحمد عبّاس ] وشاركه التمثيل شاب بغدادي الأصل قام بتمثيل دور إمرأة بعد أنْ حلق شاربيه وارتدى بعض ملابس والدته فأجاد تمثيل الدور . كما لعب دوراً رئيساً فيها مخرج التمثيلية نفسه وكنتُ أجهلُ مَنْ هو إذْ حضر في يوم الحفل ترافقه طفلته الجميلة . ثم إرتقى خشبة المسرح أحد طلبة دار المعلمين الريفية إسمه " عراقي مُنادي النجدي " فغنى مقاماً في منتهى الروعة إبتدأه بالقول :
الوفا يا أهلَ نجد الوفا
لا تقولوا صدَّ عنا وجفا
عندكم روحي وعندي بدني
قيل عنه إنه من مدينة العمارة وربما من الأخوة المندائيين لعله ما زال حياً ليقرأ هذا الكلام .
رابعاً : السيد رضا جبر
هو شقيق رئيس الوزراء حينذاك السيد صالح جبر .
كسابقيه ، لم يمكث في مركزه طويلاً ولا أحد يعرف سبب مكوثهم مدراءَ لناحية المحاويل لفترات قصيرة عاماً أو حتى بعضَ عام إلاّ في مرّات قليلة كما هي حالة المدير الخامس . ما كان يختلط بعد ساعات الدوام بأحد فخط سير حركته لا يتغير : من بيته صباحاً إلى دائرته في مركز شرطة المحاويل والمسافة قصيرة قرابة الخمسين متراً ، ثم أوبته لداره ظهراً في نهاية ساعات الدوام . كان بديناً مربوع القامة باسم الوجه دوماً لا يرتدي صيفاً إلاّ البدلات البيض الأنيقة . ما كان يبدو عليه أنه رجلٌ ذو إمتيازات خاصة لأنه شقيق رئيس الوزراء وما كان في طبعه ميلٌ قويٌّ لإظهار مثل هذا الشعور بالتميّز . عاصر يومَ كان ما زال مديراً لناحية المحاويل فترة سقوط أخيه صالح جبر إثرَ وثبة كانون ثان عام
1948
وما زلتُ أتذكّرُ كيف أنَّ أحدَ طلبة دار المعلمين الريفية القريبة من المحاويل صرخ في وجهه [[ تعيشُ أنت ويسقط صالح جبر ]] ... لم يأبه به ولم ينفعل بل إبتسم بودّ ومضى في سبيله . بعد مظاهرات وثبة كانون ثان وما نجم عنها من سقوط قتلى شهداء الوطنية في بغداد تمَّ غلق دار المعلمين الريفية في المحاويل وكانت المدينة قبل ذلك تزهو بهم مثل عيد حين يزورونها قادمين من مدرستهم أيام الجُمع في نهايات الأسبوع الدراسي راكبين ما يتيسر من وسائط نقل أو مشياً على الأقدام زرافات زرافات على الشارع الوحيد الذي يربط المحاويل بمدرستهم وهو طريق الحلة ـ بغداد الرئيس . ما كانت المدرسة بعيدة عن مدينة المحاويل إذْ المسافة تتراوح بين الخمسة ـ والسبعة كيلومترات . كانوا يرتدون ملابس موحّدة توزعها إدارة المدرسة عليهم وكانوا يعيشون في أقسام داخلية يتناولون في مطاعمها ثلاث وجبات كل يوم يجهزها لهم متعهد من الحلة . ويا ما أضربوا وقاطعوا وجبات الطعام بسبب رداءته وعدم مطابقته للشروط من حيث الكمية أو النوعية . أية جريمة إقترفها ـ وما كانت الجريمة الوحيدة من نوعها ـ النظام الملكي بحق شباب العراق وما كانوا إلاّ في سن الصبا أو الشباب المبكّر إذْ تشرّدوا بين المدن فمنهم مَن واصل دراسته في بعض المدارس المتوسطة والثانوية والبعض الآخر إنخرط في سلك الجيش في هذا الصنف أو ذاك . في نفس تلك الفترة تمَّ غلق كلية فيصل على ما أتذكّر . [[ تعيشُ أنتَ ويسقط صالح جبر ]] وبالفعل سقط هذا وبقي شقيقه يشغل منصب مدير ناحية .
خامساً : السيد ضياء الحيدري ( أبو جلال )
خلفَ رضا جبر السيدُ ضياء الحيدري وهو من بغداد وكان له ثلاثة أولاد هم الكبير جلال وعماد ثم صغيرهم أحمد . كان أبو جلال كذلك يضع نظارات طبية على عينيه وسدارة على رأسه وكان كأسلافه المدراء نزيهاً عفيفاً متواضعاً يكلِّمُ الصغيرَ والكبيرَ ويزور نادي الموظفين ويشارك الحضور ـ وكانوا جميعاً من المعلمين تقريباً ـ في بعض المناقشات . بقي في المحاويل لفترة أطول من فترات باقي مدراء الناحية حيث ظلَّ هناك حتى عام 1950 وربما لفترة أطول . تعرّفت بفضل وجوده في المحاويل على إبن أخيه صفاء الحيدري لأجده عام 1955 في شارع السراي في بغداد يدير مكتبةً هناك . أما جلال فلقد أخبرني صديقٌ عام 1977 إنه يدرس في جامعة بغداد للماجستير في القانون على ما أظن ، لكني لم أستطع ترتيب لقاء معه وشدّما كنتُ مشوقاً لأنْ أراه بعد عقود من الزمن .
لم تحصل في زمان هذه النخبة الممتازة من الرجال أحداثٌ كبيرة سوى حادثة إنقلاب القطار الشهيرة المروّعة قريباً من بلدة السدّة أوائل عام 1950 .
ولم تحصلْ منازعات عشائرية مسلّحة كما كان الأمر في الأزمنة السابقة ولا تمرّدات على الحكومة عدا بعض الإحتكاكات المحدودة والبسيطة هنا او هناك بين المزارعين وأصحاب الأراضي حول حصص توزيع مياه الأقنية والجداول الصغيرة المتفرّعة من نهر المحاويل الذي كانت تتراكم فيه كميات كبيرة من الرمل والطميِّ عاماً إثرَ عام نظراً لغياب عمليات الكري والصيانة المطلوبتين . كانت تُحلُّ هذه المنازعات سلمياً وأحياناً بالإحتكام إلى شرطة الناحية ومأمور المركز فيها الذي يُعتبرُ الشخصية الرسمية الثانية بعد مدير الناحية . من حيث التسلسل الوظيفي يأتي مدير الناحية في أعلى القائمة يليه مأمور مركز شرطة الناحية فمدير المدرسة الإبتدائية الوحيدة ثم الموظف الصحي . كان هناك موظفون لا أهمية محسوسة لهم من قبيل مأمور القطن أو ملاحظ الإستهلاك أتذكر من هؤلاء جاسم أبو القطن من هبهب وجمال من بغداد وحبيب مجيد وخليل جواد قمبر والسيد هاشم خليل ثم عبيد الحفيظ من أهالي الحلة.