كنا في أواخر أربعينات القرن الماضي نتبادل الأحاديث في لقاءات المقاهي وفي المدرسة عن شاعر محارب لا يملك دروعا ولا سلاحا غير الشعر، لكنه كان يُرهب الظالمين في كل مكان من العالم رغم أنه مقيد داخل قضبان السجون. كان هذا الشاعر تركياً شيوعياً يسمى بكل صحافة العالم (ناظم حكمت) نترقب أخباره، كل يوم، متمنين أن يتيسر للعراق، مهد الشعر، شاعر عراقي يوصل شعرنا إلى شاطئ العالمية حيث لا ينمحي بعده شعر العراق مثلما أغفى ناظم حكمت شعره الحديث وشعر بلاده كله بين اذرع شعراء العالم بكل لغاتهم.
بجذلٍ حمل نسيمُ ليلةٍ بصرية همسةً ترقرقت في مسامعنا عن الشعر العراقي وعن شاعرين أدرجتهما دوائر بوليس الدولة العراقية في تلك الفترة على لائحة الشيوعية. لم تكن تلك الهمسة غير نداء فتح باب الشعر أمامنا رحبا في نهار ترفرف عبر الغروب لا أتذكر، الآن، تاريخه بالضبط والدقة بعد أن غدوت ُ شيخا في السادسة والسبعين حيث عادت فيه ذاكرتي إلى مرحلة الحبو فلا اعلم علم اليقين عن يوم الشعر ذاك: هل هو في حزيران آخر الأربعينات أم انه في حزيران عام 1950 فلقد صار النسيان سافحا، الآن، في ذاكرتي لا يجعلني قادرا على أن أهب المعلومة بالتاريخ الدقيق النابت في زاوية من زوايا ذاكرتي. في ليلة متشحة بسواد القمع البوليسي أيام الحكم الملكي قيل لنا اذهبوا غدا إلى قاعة نادي الطلبة بالعشار إذ ستستمعون إلى نمط من الشعر السياسي يلقيه اثنان من الشعراء الشيوعيين في ذكرى استشهاد الحسين.
كان البلاغ الواصل إلينا مهموسا من أذن إلى أذن كأنه بلاغ سري بضرورة الاحتشاد في الساعة المحددة وفي القاعة المعينة. هناك إذن، والحالة هذه، شيء مهم. شاعر مهم. شعر مهم. ربما أكثر من شاعر. أحدنا، نحن الفتيان، فسّر الدعوة على أنها امتداد لبعض أشكال النضال الجماهيري المتوسع أيامئذ، في شوارع المدينة، ضد النظام السياسي القائم على العلاقات الاستعمارية . كل واحد من مجموعتنا كان مسؤولا عن اصطحاب فريق من أصدقاء المحلة.. نسينا الانزعاج والأحزان وتصنعنا احتشام الشباب ونحن، أنا وصبري شمعون، ندخل القاعة الكبيرة. وجدنا أصدقاء كثيرين من شيوعيي محلتنا وأصدقائهم قد سبقونا، منهم عبد الرزاق طاهر، علي شعبان، عبد الله رشيد، عبود علي، عبد العزيز الملاك، محمد جواد المظفر، إبراهيم عبد الحسين، سالم الوجيه المحامي، احمد العبد الرسول محمد ابراهيم المظفر، محمد هادي الاسدي، عيسى محمد، عبد الله منعم، مهدي محمد صالح، كريم علاوي، إبراهيم رضا، زكي الخضيري، إسماعيل البجاري، هاشم الحكيم وغيرهم. كما وجدنا عددا من وجوه البصرة من الملاكين والتجار وبعض وجوه السياسة، الحاج إبراهيم البجاري (ملاك كبير)، حبيب الملاك (صاحب سينما الحمراء)، عبد القادر السياب (رئيس حزب الاستقلال) فيصل السامر (مدرس التاريخ في ثانوية البصرة) كاظم الصبر(تاجر ومستورد)، جعفر البدر(رئيس الحزب الوطني الديمقراطي)، وغيرهم. وجدنا بعض وجوه السلطة، متصرف اللواء ومدير الشرطة ومدير المعارف وغيرهم.
بدأنا نتساءل: ما هو الجذر المشترك الذي يجمع هؤلاء، جميعا، كوحدة حيوية داخل هذه القاعة. وجدنا الجواب في صدر القاعة على ستارة المسرح. كلمات قدسية غزيرة المعنى في لافتة معلقة. لافتة سوداء تحمل عبارة هدفها إعادة إحياء ذكرى الشهيد الحسين بن علي ابن أبي طالب. تبادلنا النظرات التي شدتنا بهدوء تام إلى زمان الحسين وزمان بطولته ضد الظلم والظالمين. بدأنا نفهم مجرى العمل الذي كان يجري وراء كواليس المسرح من خلال حركة بعض الشبان المسؤولين عن الحفل ومعاونة القائمين عليه من أساتذة ثانوية البصرة المركزية وبعض أدباء اللواء مثل محمد جواد جلال، رزوق فرج رزوق (مسيحي)، كاظم مكي، ومنشي صدقة (يهودي) مدرس في ثانوية البصرة، و نوري الحجاج وغيرهم. من رجال الدين كان قد تصدر القاعة السيد محمد سعيد الحكيم والشيخ محمد حسن المظفر وآخرون من البصرة والمعقل والقرنة. من علماء السنة حضر بعض أعضاء جمعية الآداب الإسلامية وهم الشيخ محمد العسافي والشيخ عبد الله الرايح وعبد الهادي عبد الوهاب الباحسين وغيرهم.
كان الاستعداد يجري سريعا لبدء الاحتفال بينما كل من في القاعة ينظر إلى اللافتة السوداء (الحسين رمز البطولة والكرامة والشجاعة والاستشهاد..) وقد أحسستُ، كما أحس جميع أصدقائي المتقاربين في صفوف جلستهم داخل القاعة، وبالتأكيد هو نفس إحساس جميع الحاضرين بأن نوع البطولة الذي قدمه الحسين الشهيد هو نوع نادر في تاريخ الكفاح الإنساني حيث كان الحسين ومناصروه القلائل أقوى من جيش يزيد بن معاوية الذي قابله، بل أقوى من النظام الذي يقف وراء ذلك الجيش لتأكيد حقيقة أزلية تقول أن الظلم زائل وان الظالم زائل بينما الشهادة والشهيد يبقيان إلى الأبد في الأرض والسماء.
بدأ الاحتفال. أعلن عريف الحفل الشاعر كاظم مكي مجموعة من الآراء عن عظمة المحتفى به الشهيد الحسين بن علي ابن أبي طالب. قدم آخرون من وجوه الثقافة والأدب والشعراء تحديداتهم لمعنى الشهادة، لمعنى الإيمان، لمعنى البطولة. كانت الكلمة التي ألقاها هذا أو ذاك من أدباء البصرة قد قدمت للحاضرين صورا عن بُنى وأشكال الانتماء الموروثة في مدينة البصرة إلى زمن سابق، زمن المربد والجاحظ والأصمعي وغيرهم، زمن الفعالية الحية لمنبع العملية الفكرية الناهضة من البصرة إلى أنحاء العالم..
ليس ثمة تنافس غير عادل في هذا الاحتفال، بل كان الجميع يمجدون الذكرى السنوية لواقعة الطف التاريخية المتبصرة بأعلى أشكال التضحيات المجيدة التي قدمها الإمام الحسين ليوقظ المضطهدين كي يبقى نضالهم من اجل العدل والكرامة حياً إلى الأبد. بهذه الصورة كان كل الخطباء قد مجدوا المحتفى ببطولته وبأفكاره الإنسانية العظيمة.
جاءت فقرة الشعر بهذه المناسبة حيث خصت شابا نحيفا طموحا خجولا كان قد كتب تجديدا شعريا هللت له الصحافة العراقية والعربية انه الشاعر بدر شاكر السياب الذي كان معروفا في تلك الفترة بانتمائه للحزب الشيوعي العراقي مدافعا عن أحرار العراق من أحفاد الحسين. ها هو اليوم يعتلي منصة قاعة الطلبة ليقول شعرا بحق أبي الشهداء متحدثا إلى الحاضرين بلغة خاصة مستعيرا لقصيدته عنوان خطاب إلى يزيد، قال فيها:
إرمِ الــســماء بـنـظرةِ اســتـهــزاءِ
و اجعل شــرابكَ مــن دم الأشلاءِ
و اسحق بظلـّكَ كل عـِرضٍ ناصعٍ
و أبــِحْ لنـَعـلـكَ أعظم الـضـُـعـَـفاءِ
و امـْلأ ْ سراجك إنْ تـَـقـَـضـّى زيتهُ
مـمـّـا تــدرّ ُ نــواضـِـبُ الاثـــــــداءِ
و اخـلـعْ عـلـيـهِ كـما تشــاءُ ذبـالـــةً
هـُـدُبَ الرضيـعِ و حـِلـْـمـَةَ العذراءِ
و اسدرْ بغـيـِّـكَ يا يـزيـدُ فـقـد ثــوى
عـنـكَ الـحُـســَـينُ مـُـمَـزّقَ الاحشاءِ
و الليل ُ أظـلـَمَ و القطيع ُ كـما ترى
يـَرنو إلـيـكَ بـأعـــْـيُـــنٍ بــلـْـــهـــاءِ
أحنى لــــــــسوطك شاحبات ظهوره
شـــــأن الذليل ودرب في استرخاء
و إذا اشتكى فمـَن المغيث ُ وإنْ غـفا
أيــن الــمـُهيبُ بهِ الــى الــعـَـــليــاءِ
مَـثــّـلـْتُ غـدْرَكَ فاقـشـَـعـرّ لـِـهـَـوْلهِ
قـلـبــي و ثــارَ و زلــزلــتْ أعضائي
و استقطرت عيني الدموع و رنـّـقتْ
فـيـهـا بـقـايـا دمــعـةٍ خـــرســـــــاءِ
يطفو ويرسب في خيالي دونها
ظل أدق من الجناح النائي
حيران في قعر الجحيم معلق
ما بين ألسنة اللظى الحمراء
أبصرتُ ظـِـلـّـكَ يـا يـزيـــدُ يـرجـــّـهُ
موجُ الـلـهيـبِ و عاصـفُ الانــــواءِ
رأسٌ تـكـللَ بالخـنى، واعـتـاض عن
ذاك النــُـضـار بـحـيّـةٍ رقـــطـــــــاءِ
و يـدانِ مـُوثـَـقـَـتـانِ بالسوط الـذي
قد كان يــعبـثُ امــسِ بالأحـــيـــــاءِ
قم فاسمع اسمك وهو يغدو سبة
وانظر لمجدك وهو محض هباء
وانظر الى الاجيال: يأخذ مقبل
عن ذاهب ذكرى أبي الشهداء
كالمشعل الوهاج إلا أنها
نور الإله يجل عن إطفاء
عـصـَـفــَتْ بيَ الــذكرى فألقتْ ظلـّها
فـي ناظــريّ كــواكبُ الصــحــــــراءِ
مـبهـورةَ الاضـواء يغـشى وَمْــضها
اشــباحُ ركـْـبٍ لــجّ فــي الاســــراءِ
أضـفى عـلـيهِ الليل سـِتـْراًحـِيكَ من عـُرف الجـِنان ومن ظـِلال " حـِـراءِ"
أســرى، و نــامَ فـلـَيسَ إلا ّ هـمـسة ٌ
باسـْـمِ الـحـُـسـَينِ وجهشة ُ استبكاءِ
تلك ابنة الزهــراء ولـهـــى راعـَـــها
حـُـلـُـمٌ الـَـمّ بـها مـــع الــظــلـمــــــاءِ
تـُـنـْـبي أخــاها و هـي تـُـخفي وجهها
ذعـْـراً، و تـلوي الجــِـيدَ في إعــياءِ
عن ذلك الســهل الـملـبــّد.. يــرتـمي
في الافق مثل الــغيــمةِ الـــســـوداءِ
يـكـْـتَـظ ّ بالاشـباحِ ظـمأى حشرجتْ
ثـُمّ اشـــرأبــّـتْ في انتــظـــار الــماءِ
مـفـغـــورة الافـــواهِ الا ّ جــــــثــّـــة ٌ
من غــير رأسٍ لــُـطـّــخـتْ بـدمــاءِ
زحــَـفـَتْ إلى مـــاءٍ تــراءى ثـم لــم
تـبـْـلـُـغـْـهُ فانكــَـفأتْ علـى الـحصباءِ
غـَيرُ الـحـُـسـَـينِ تـصـدّه عـمّـا انتوى
رؤيا.. فـكـُـفـّـي يا ابنةَ الــزهـــراءِ
مـن للـضـِـعاف إذا استغاثوا والتظـَتْ
عـيـنا " يـزيـدَ " ســوى فـتى الهيجاءِ
بـأبـي عـطــاشـاً لاغبينَ و رضــّـعـــاً
صـُـفـْـرَ الوجـوهِ خـمـائصَ الاحشاءِ
أيدٍ تـُـمـَـدّ ُ إلى السـمــاءِ وأعــــيــــــنٌ
تـرنـو الى الـماء الــقريب الــنـائـــــي
عـزّ الــحـُـسـيـنُ و جلّ عن أن يشـتري
ريّ الـقــلــيل بـخـطـةٍ نــكــــــــــراء
بعد أن انتهى بدر شاكر السياب من إلقاء قصيدته أعلن عريف الحفل عن وجود شاب آخر، شاعر آخر.
اعتلى الشاعر الشاب رشيد ياسين المدرس في ثانوية القرنة منصة الشعر ليرسل نفسَه الشعري إلى السامعين تسبقه كلماته عن الثورة ضد الطغيان فيأتي بصور فريدة عن نضال الحسين ليكون التماسا جبارا لكل المناضلين من اجل حق الشعوب على مر الزمن. اعتقد أن صعود هذا الشاب كان تدشينا هو الأول من نوعه لعلاقة الشعر التقدمي مع نخبة متنوعة جاءت لتسمع كلمات الثورة والشهيد والحسين.
كان الشاعر رشيد ياسين من نشطاء العمل الفني والثقافي في مدينة القرنة ملتقى النهرين الخالدين وكان قد ترك بصماته ملتصقة بجلد الفعاليات المسرحية المدرسية.
هذا اليوم فتت رشيد ياسين هدوء القاعة بقصيدته المعنونة: ثورة الحسين.
ثم نادى بصوته:
حدثينا عن يومه المأثور وارفعي عنه حالكات الستور
وابعثيه، يا ذكريات، دموعا في المآقي ووقدة في الصدور
وأنيري للخابطين بديجور الضلالات والعماء الكبير
صفحة للجهاد قد سطرتها رسل الحق بالنجيع الطهور
حدثينا عن نهضة ذعر الطاغوت من رجعها الابي النذير
واستفاقت ندمانة وهوى الكأس ومادت جوانب الماخور
وانجلت ظلمة الخنوع فهبت زمر المسلمين للتكفير
فاذا الشام ملعب للمنايا واذا الملك كالحطام النثير
واذا الغاشمون من آل حرب ميسم العار في جبين الدهور
شُردٌ كالنعاج أذعرها النصل ففرت وما لها من مجير
ذاك عرش الطاغوت قام على الرق فألوى به انتفاض الأسير
إيه يا كربلاء كم خضبت أرضك أهواء آثم أو غدور
كم ظلوم أقام فيك على الأشلاء أركان عرشه والسرير
كم شهيد كانت دماه وقيداً لسراج الآمال في الديجور
إيه يا كربلاء عودي بهاتيك المآسي من نائبات العصور
وصفي موكب الحسين وقد قام يلبي ضراعة المستجير
ومضى يقطع الصحارى مجدا بين رمل من لفحها وهجير
قاصدا كربلاء حتى إذا ما أنزلته فيها يد المقدور
ومضى يسأل الألى بايعوه بعهود الخداع والتغرير
كيف خانوا، أما لديهم فضول من إباء أو وازع من ضمير
لم يجد غير أنفس دنستها شهوات مسعورة في الصدور
زمر باعت الكرامة بالمال وداست على النهى والشعور
واتت تحمل الحسين على طاعة جبارها الاثيم الكفور
فانبرى مشعل الإباء صارخا في قطيعها المأجور
يا عبيد الزناة من آل سفيان ويا باعة التقى بالفجور
لم أجيء طامعا لديكم بملك رفعته مقوسات الظهور
فنفوس الهداة ترغب عما تهب الارض من متاع حقير
انما جئتكم لارفع عنكم ألف وزر وألف قيد ونير
وازيح الاثام عن ألق الحق وألوي بسطوة السكير
مستبيح الاعراض في مخدع البغي وجلاد شعبه المأسور
يا ضحايا الشرور جئت أقيكم بكياني إعصار تلك الشرور
غير أن العين التي تألف الظلماء تخشى أن تستحم بنور
فترووا حينا ولكنما الشهوة غالت فيهم بقايا الضمير
فانبروا كالذئاب تغترف الدم لتطفي من غلها المسعور
واستمر القتال فالارض سيل من نجيع ومدرج للنسور
ورجال الحسين يهوون كالانجم في لجة الفناء الغمير
يا لها ساعة افاضت على الدنيا سناء من داميات النحور
وانجلى النقع والحسين وحيد ما له في جهاده من نصير
تتناهى اليه ولولة الاطفال بالغل من وراء الستور
وانين الجرحى ونوح التكالى بنشيج مقطع محرور
فانتضى سيفه وهب الى الباغين غضبان هازئا بالمصير
دائرا في جموعهم يزرع الموت فتغدو كالارنب المذعور
ومضى في نضاله غير ان الفرد يعيا امام جمع غفير
فتهاوى على الثرى وتقضت بقية من لها صفة المحرور
فانبرت طغمة الزنى تطأ الموت وتقسو على عذارى الخدور
يا شهيد الاخلاص كم من شهيد فجّر النور من ظلام القبور
يا نبي الجهاد في كل قلب انت جريح مخضب بالنور
انت حادي الاقوام إن غام مرقاها وتاهت في عتمة الديجور
ليس تهوى صروح دين بناه رسل الحق بالنجيع الطهور
قصيدتان. شاعران محركان للعواطف الإنسانية الثورية والنبيلة. كانا ضمن مجموعة أخرى من الشعراء التقليديين الذين قالوا كلمات قصائدهم وهي لا تخلو من المساهمة الأدبية في زحزحة نير العبودية التي خضعت لها قاعة الطلبة في ثانوية البصرة المركزية التي احتفظت بقصيدتي بدر شاكر السياب ورشيد ياسين وكلاهما قالا شعرا ضد الظلم وضد عنف التاريخ وضد وحشية الظالمين.
لم تمر موسيقى القصيدتين زهدا أو مجرد طقس مقدس بل كانتا صوتا تردد في أذهان أغلبية المستمعين انه صوت أثنين من الشعراء المعروفين أنهما لا يغيبان عن فضاء النضال الوطني وعن فضاء الشيوعيين العراقيين، بل هما يزهوان في تلك الفترة بجوهرة الانتماء إلى بطاقة الحزب الشيوعي حيث ينطلق من حامليها صوت جموع الشعب التي أفضى بها شاعران ملكا في تلك الآونة رنين الشيوعية وتضحيات مناضليها.
حين تركنا القاعة انقسمنا شعريا إلى جماعتين. الأولى وقفت مع قصيدة بدر شاكر السياب وخطابه إلى يزيد باعتبارها كونا فكريا خلاقا ترك ممتلكات فكرية بين الجمهور الحاضر في قاعة الطلبة. أما الجماعة الثانية، وكنت منهم، فقد حملت مسيرة فكرية، عن العدل الثوري الشامل، إلى الناس حسب قصيدة رشيد ياسين.
كان بدر شاكر السياب معروفا لدى اغلب الحاضرين أما رشيد ياسين فقد انتزع تأييد الحاضرين له بمضخة القصيدة ذاتها التي قرأها.
أحببنا الفتى الرشيد كما أحببنا السياب.
كنا، في تلك المرحلة، نحلم بصعود اسم شاعر عراقي إلى صف ناظم حكمت. كنا نتمنى أن ينهض شاعر عراقي لكي يملأ الدنيا بالأصول العريقة لشعر البصرة وشعرائها، لآداب البصرة وأدبائها، لفلسفة البصرة وفلاسفتها، لعظمة البصرة وعظمائها.
من سيكون هذا الشاعر: بدر شاكر السياب أو رشيد ياسين..؟
ذلك هو السؤال الذي جاء إلينا بعد تلك الأمسية البصرية الأدبية الرائعة وكان ذلك السؤال محور أحاديثنا ونحن جالسين للمناقشة في مقهى شط العرب على شارع الكورنيش، في اليوم التالي، حيث ظلت، حتى الآن، تمخر في ذهني وفي ذهن الجيل الشيوعي كله، جميع مفاهيم النضال الأولى التي تعلمناها من أشعة معركة الحسين الخالدة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بصرة لاهاي في 25/1/2010
************
نقلا عن جريدة طريق الشعب عدد يوم 1 – 2 – 2010