حان وقت الرحيل "وظل المصطفى، المختار الحبيب، الذي كان فجرا لذاته ، يترقب عودة سفينته من أورفليس اثنتي عشرة سنة ليركبها إلى الجزيرة التي ولد فيها."
"أوقفه شيوخ المدينة وقالوا له "بربّك لا تفارقنا هكذا سريعا، فقد كنت ظهيرا في شفقنا، وقد أوحى شبابك الأحلام في نفوسنا."
"وأنت لست غريبا بيننا ولا أنت بالضيف بل أنت ولدنا وقسيم أرواحنا الحبيب، فلا تجعل عيوننا تشتاق إلى رؤية وجهك." (من كتاب النبي لجبران).
وقراء جبران خليل جبران وعشاق أدبه اليوم، مثلهم مثل أهل أورفيوس لا يريدون للنبي أن يغادر ويرحل.
فمنذ نشر كتاب "النبي" رائعة جبران في العام 1923 ترجم إلى أكثر من 40 لغة من لغات العالم وبيع منه أكثر من 100 مليون نسخة في مختلف أرجاء العالم. وتزايد الطلب أساسا على النبي وتهافت الناس عليه بمجرد صدور طبعته الأولى المؤلفة من ألفي نسخة، ولا يزال الطلب مستمرا والكتاب يتصدر رأس قائمة الكتب الأكثر مبيعا في نوعه في موقع أمازون على الإنترنت.
جاء النبي وحيا ألهم ملايين الناس من أجيال متتالية في العالم على اتساعه، واستقطب الكثيرين من أهل الفكر وشخصيات الأدب حافزا إياهم على درسه وتحليله واستقصاء الأسباب الكامنة في سر نجاحه. من بين تلك الشخصيات التي استهواها جبران معاصره الأديب والشاعر العربي الأميركي ميخائيل نعيمة اللبناني الجذور أيضا.
رأى نعيمة في "مثل تلك الكتب ومثل أولئك الرجال ضمانة للإنسانية" التي لم تستنزف ويعتريها الإفلاس رغم ما هدر من طاقاتها التي لا تحصى وما استنفد من مواردها.
كان معظم ما كتب جبران في بواكير حياته الأدبية باللغة العربية، ولا غرو، فهي لغته الأم كما كان انعكاسا يعبر عن مشاعره اللبنانية المتأصلة.
رأى جبران النور بمولده في العام 1883 لأسرة لبنانية متواضعة الحال في بلدة بشرّي الرابضة على سفح من سفوح جبال شمال لبنان، ولكنه نشأ دون أن يتلقى أي تعليم رسمي في بواكير حياته. وعندما ضاقت به الحال وقست ظروف العيش على أسرته في العام 1895، شاءت المقادير أن ينطلق وهو ابن الثانية عشرة في أول رحلة من الرحلات الخارجية التي تعددت في حياته. فقد قررت أمه أن تهاجر به وبأختيه الصغريين سلطانة وماريانا فضلا عن أخيه غير الشقيق بطرس إلى أميركا مهيئة لهم فرصة حياة جديدة في العيش في كنف أقاربها في مدينة بوسطن.
بدأت ألفة جبران خليل جبران بالفن أول ما بدأت عندما كان يقيم في حي غالبية سكانه من السوريين واللبنانيين في الطرف الجنوبي من بوسطن. فحينما كان جبران يتابع دراسته للغة الإنجليزية سجل نفسه في مدرسة للفنون قابل فيها فنانا منتميا إلى المنطقة هو الرسام والمصور فرد هولاند داي الذي استشف مكامن موهبته الفنية فشجعه على المضي قدما.
إلا أن والدته وخاله سرعان ما أرادا للفنان الناشئ ذي الأعوام الخمسة عشر أن يعرف ويتعلم تراثه الخاص، فأعيد إلى لبنان حيث التحق بمدرسة الحكمة. واشترك جبران أثناء وجوده في لبنان في تأسيس مجلة أدبية للطلاب وانتخبه رفاق الدراسة "شاعر الكلية."
في العام 1902 عاد جبران إلى الولايات المتحدة، ولكن لتستقبله مأساة بعد أيام من وصوله. فقبل أسبوعين من عودته استسلمت أخته سلطانة في معركتها مع مرض السل وسقطت صريعته. ولاحقته المأساة في العام التالي ففتك المرض بأخيه بطرس ثم سلبه أمه. لكن جبران ظل، رغم خسارته الشديدة يجدّ ماضيا قدما في مسيرته الفنية حتى أوصلته إلى إقامة معرضه الأول في محترف الفنان داي في بوسطن في العام 1903.
أثناء ذلك المعرض وفيه التقى جبران أول مرة ماري إليزابيت هاسكل، المرأة التي أصبحت الصديقة للفنان الشاب وموضع سره مدى الحياة. فعلى الرغم من أن ماري، مديرة المدرسة، كانت تكبره بعشر سنوات تقريبا فقد شدتهما معا أواصر رابطة مشتركة لا يزال برهانها قائما في 600 رسالة تبادلها الاثنان. ولعبت ماري هاسكل دورا هاما أيضا في دعم أعمال جبران الفنية، فكانت مصدر رفادته المالية وسنده.
وبتشجيع من هاسكل، وحوافز أخرى، سافر جبران إلى باريس في العام 1908 حيث تتلمذ في عاصمة الفنون على النحات الفرنسي أوغست رودان ينهل من علمه وفنه سنتين. وبينما هو يتابع تتلمذه على أستاذ الفن الفرنسي تصادق جبران مع صديقه في الدراسة يوسف الحويّك وربطت الاثنين صداقة دامت زمنا طويلا.
عاد جبران إلى بوسطن في العام 1910 متلهفا لخوض مغامرات جديدة وفي محيط وبيئات جديدة. لذا انتقل إلى نيويورك في العام 1912 حيث أمضى فيها الشطر الأكبر من بقية حياته.
نشرت دار ألفرد نوف أول كتاب صدر لجبران بالإنجليزية في العام 1918 وكان بعنوان "مادمان" (المجنون). ونضجت كتابات جبران وهو مقيم في نيويورك حيث كتب بأسلوب غالبا ما وصف بأنه مزيج يجمع بين الشعر والنثر. وهو الأسلوب الذي طبقت شهرته آفاق العالم عندما صدر لجبران بعد سنوات خمس كتابه "النبي."
واختيار نيويورك موطنا أتاح لجبران أيضا فرصة التواصل مع الكتاب والأدباء العرب الآخرين ممن عاصروه، وكان من بينهم الأديب والمؤرخ أمين الريحاني والأديبان إيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة. وبتضافر الأدباء والمؤلفين العرب في نيويورك واتحادهم معه أسس جبران الرابطة القلمية كي تكون جمعية أدبية تعمل في ترجمة الروائع وعلى محاولة تحديث أسلوب الكتابة العربية التقليدي المحافظ.
وتوالت الكتب التي نشرت لجبران بعد النبي وكان بينها "رمل وزبد" الذي صدر في العام 1926، و"يسوع ابن الإنسان" الصادر في العام 1928. وفي العام 1931 صدر له آخر كتبه:"آلهة الأرض."
كتب جبران وكتاباته لا تزال اليوم حية في عقول وأفكار أعداد لا تحصى من الناس من سكان العالم. ففي الولايات المتحدة يحتفل بتكريم جبران سنويا في بوسطن وواشنطن وتقام له النصب والمعالم التي تذكّر وتعترف بعظمته الثقافية. وتصان مكانته الثقافية وتكرم حياته الأدبية وأدبه من خلال كرسي جبران خليل جبران للقيم والسلام في مركز دراسات موارد التراث بجامعة ماريلاند.
ولعل جبران نفسه هو أفضل من يصف ديمومته معلما وقوة ثقافية على مر الزمن في العبارة التي اختار نقشها على ضريحه بلبنان، إذ تقول:
"أنا حي مثلكم، وأنا أقف بجانبكم. أغمضوا عيونكم وتلفتوا حولكم فستروني أمامكم."